التنوير الأنغلوساكسوني تغلب عليه النزعة التجريبية والبراغماتية، إذ يرى أن التجربة الحسية هي ما يحقق المعرفة اليقينية؛ أي إنه يركز على فهم الواقع كما هو، بما فيه من التقاليد والمؤسسات السياسية والدينية التي حافظ عليها، ثم الدفع إلى إصلاحها تدريجيًا، مع التركيز على تطوير الاقتصاد والحقوق الفردية، وبالتحديد حق الملكية والأمان، بوصفهما عاملين أساسيين في نظرهم لتحقيق النهضة والتقدم، بالاستعانة بالبيانات والإحصاءات والبحث الميداني والتجربة الملموسة.
أما التنوير الفرنسي، فتغلب عليه النزعة العقلانية الديكارتية والميل نحو المثالية، إذ يرى أن العقل هو الجدير بالثقة لتحقيق المعرفة اليقينية من خلال الشك المنهجي (التشكيك في كل شيء)؛ أي إنه يركز على وضع النظريات الكبرى الناتجة عن التأملات الذهنية، ثم الانطلاق بها إلى الواقع لإعادة بناء المجتمع من الصفر من خلال الثورة وهدم كل المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية التقليدية. لذلك نجد كثيرًا لدى التنوير الفرنسي وما انبثق عنه—ونتيجة مركزية اللغة والخطاب، لكون الثقافة الفرنسية ثقافة أدبية—ميلًا إلى صك المصطلحات والمفاهيم الكبرى التي قد تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه، مثل: «حرية، مساواة، أخوة»، و«حكم العقل»، و«الجمهوريانية»، و«سيادة الشعب». وقد تطور ذلك مع الزمن ليقدّم المدارس الفكرية التي اشتهرت لاحقًا بالمدرسة النقدية والبنائية والوجودية الفرنسية و«النظرية الفرنسية» (French Theory).
يمكننا أيضًا أن نختصر هذه الفروق بالقول إن التنوير الأنغلوساكسوني يقول إن فهم الواقع كما هو، وتحقيق التقدم الاقتصادي والمادي، ضرورة لخلق بيئة تسمح بإمكانية التطور الاجتماعي؛ في حين أن التنوير الفرنسي يقول إن التطور الاجتماعي والثقافي، ونشر «الوعي» والقطيعة مع الماضي السياسي والديني، سابقٌ للتطور الاقتصادي والمادي. ومن حيث الواقع، حين كان التنوير الفرنسي غارقًا في وضع نظرياته الكبرى وشكل العالم المثالي، كان التنوير الأنغلوساكسوني يساهم في صناعة التقدم الحقيقي ويؤثر في الواقع المادي الذي جعل ما يعتبرونه تقدمًا اجتماعيًا ممكنًا.
بالنسبة للعالم العربي وما حوله، ولسوء حظ هذه المنطقة، فقد تعرّف على الحداثة وعاش الصدمة الحضارية الأولى أمام الغرب من خلال النافذة الفرنسية التي كانت هي في الأساس تمرّ بأزمة، بدايةً من الحملة الفرنسية على مصر، ثم بعثات رواد النهضة العربية إلى فرنسا، وانتهاءً بالاحتلال الفرنسي للمغرب العربي والشام. لهذا فإن من يطّلع على الساحة الثقافية العربية سيجد أن التنوير العربي ما هو سوى نسخة رديئة من التنوير الفرنسي، فلا يجد سوى الثرثرة والجدالات الأدبية، والغلبة للشاطر الذي يصوغ أقوى الجمل لمحق الخصوم، مثل: «أمة تعيش في الماضي لا مستقبل لها»، فيرد عليه الآخر بـ«أمة لا تعرف ماضيها لا مستقبل لها»، وسيل من المصطلحات والشعارات التي يكفي التلفظ بها لينفجر «هرمون الوعي»: «تجار الدين»، و«الجهل المقدس»، و«تحرير الوعي»، و«ثقافة الموت… وثقافة الحياة»، و«سلطة العقل»، و«ثورة العقول ضد الاستبداد والخرافة»، و«أنت ثورة ولست عورة»، و«إن التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل»، وغيرها كثير بعدد المراهقات والكهول. وطبعًا، لن تُحسب على «التنوير» والثقافة ما لم تذكر كلمة «العقل» في كل صفحة ثلاثًا وثلاثين مرة، وإلا فكل ما قد تقوله سيذهب هباءً منثورًا.
لكن، وإن كان هذا «التنوير العربي» يمثل ذروة الثرثرة الأدبية التي لا طائل منها سوى ملء صفحات مواقع التواصل، فإن بقية التيارات أيضًا التي ظهرت بعد «النهضة العربية» لها نصيبها من التنوير الفرنسي، وتحاول منافسة التنوير العربي في صك العبارات الرنانة والشعارات الجميلة وتقديم الحلول السحرية، وهم على هذا منذ قرن ونصف بين القيل والقال، في حين ما يزال الحال على ما هو عليه.
ملاحظة: المنشور فيه قدر من الاختزال لإيصال الفكرة، فلا يأتيني أحد ليقول: إذن التنوير الأنغلوساكسوني هو الحل. وكأنه وصفة دواء تشترى من الصيدلية.