الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

بعد الموت ماذا أريد أن يقال عني.. الأديب مصطفى صادق الرافعي

بعد الموت ماذا أريد أن يقال عني..

" ما هي الكلماتُ التي تقالُ عن الحيِّ بعد موتهِ إلا ترجمة أعماله في كلمات؟ فمن عرف حقيقة الحياة عرف أنه فيها ليهيئ لنفسه ما يحسِنُ أن يأخذه، ويعدّ للناس ما يحسُن أن يتركه، فإن الأعمالَ أشياءٌ حقيقيةٌ لها صورها الموجودة وإن كانت لا تُرى.
وبعدَ الموتِ يقولُ النَّاسُ أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهمْ، إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدوًّا ، وتخلُصُ معاني الصَّداقة بفقدِ الصَّديق، ويرتفعُ الحسدُ بموتِ المحسود، وتبطُلُ المجاملةُ باختفاء من يجاملونه، وتبقى الأعمال تنبِّهُ إلى قيمةِ عاملِها، ويفرَغُ المكانُ فيدلُّ على قدْر من كان فيه، وينتزعُ من الزّمن ليل الميت ونهاره، فيذهبُ اسمهُ عن شخصِهِ ويبقى على أعماله.
ومن هنا كان الموتُ أصدقَ وأتمَّ ما يُعَرِّفُ النَّاسَ بالنَّاسِ، وكانت الكلمةُ بعده عن الميت خالصةً مصفّاة لا يشوبها كذِبُ الدُّنيا على إنسانها، ولا كذِبُ الإنسانِ على دنياه، وهي الكلمةُ التي لا تقالُ إلَّا في النِّهاية، ومن أجلِ ذلك تجيء وفيها نهايةُ ما تُضمرُ النَّفسُ للنَّفس.
وماذا يقولون اليومَ عن هذا الضَّعيف؟ وماذا تكتبُ الصُّحُف؟.
هذه كلماتٌ من أقوالهم: حُجَّة العرب، مُؤيِّد الدين، حارِسُ لغةِ القرآن، صدْرُ البيانِ العربيّ، الأديبُ الإمام، معجزة الأدب، إلى آخر ما يطَّرد في هذا النَّسق، وينطوي في هذه الجملة، فسيقالُ هذا كلُّه، ولكن باللهفةِ لا بالإعجاب، وللتَّاريخِ لا للتَّقريظ، ولمنفعة الأدب لا لمنفعة الأديب، ثمّ لا يكونُ كلامًا كالذي يُقالُ على الأرضِ يتغير ويتبدّل، بل كلامًا خُتِم عليه بالخاتم الأبديّ، وكأنّما مات قائلوه كما مات الذي قيل فيه.
أمّا أنا، فماذا ترى روحي وهي في الغمامِ وقد أصبحَ الشَّيءُ عندها لا يُسمَّى شيئًا؟ إنها سترى هذه الأقوالَ كلّها فارغة من المعنى اللُّغويّ الذي تدلّ عليه، لا تفهم منها شيئًا إلا معنى واحدًا هو حركةُ نفسِ القائل، وخفقةُ ضميرِه، فشعورُ القلبِ المتأثِّر هو وحده اللُّغة المفهومة بين الحيِّ والميِّت.
سترى روحي أنَّ هؤلاء النَّاس جميعًا كالأشجار المنبعثة من التُّراب عاليةً فوقه وثابتةً فيه، وستبحثُ منهم لا عن الجذوع والأغصان والأوراق والظاهر والباطن، بل عن شيء واحد هو هذه الثّمرة السّماويّة المسمّاة القلب، وكلِّ كلمةِ دعاء وكلمةِ ترحُّمٍ وكلمةِ خير، ذلكَ هو ما تذوقُهُ هذه الرُّوح من حلاوةِ هذه الثَّمرة”

مصطفى صادق الرافعي, 

الأحد، 6 سبتمبر 2026

لمعارضي تفعيل عقوبة الإعدام .. بقلم ابو جرة سلطاني

لمعارضي تفعيل عقوبة الإعدام.

             بقلم: أبوجرة سلطاني.

       ماذا يريد المنتفضون ضد تفعيل عقوبة الإعدام؟ وما هي خلفيات المدافعين عن حق "القاتل" في الحياة تحت غطاء "حقوق الإنسان"؟

        في الظاهر يريدون إقناعنا سياسيا وإيديولوجيا بمغالطتين تخفيان رغبة تاريخية في توسيع دوائر الفساد في الأرض. 

    1- الأولى: يريدون إقناعنا أن للقاتل وحده الحق في الحياة ليستمر في القتل.. !! أما القتيل (حرقا أو بفعل عمدي)، فحقوقه - عندهم - تسقط بموته..!! فمادام قد خسر حقه في الحياة. فلا فائدة من إعدام قاتله..

      2- والثانية: يريدون إقناعنا إيديولوجيا أن من مات وشُطب اسمه من سجلات الحالة المدنية تسقط حقوقه جميعا؛ لأنه صار من الماضي..!! فكيف يكون له حق بعد أن "أُعدِم" من الوجود بيد صاحب حق في الحياة..!! يضمنه له إيديولوجيون مالكين "حق الفيتو" ضد الله وضد رسوله.!! وضد الشعب وضد دستور الدولة وقوانين الجمهورية..

        هم يقولون لنا: إذا انتزع إنسان من إنسان حقه في الحياة فأعدمه (حرقا) فليس لأسرته حق في المطالبة بالقصاص من قاتله..!! وليس للمجتمع حق في المطالبة بإعدامه..!! وليس للدولة حق في إنفاذ حكم الإعدام فيه بتفعيل نص قانون كان ساري العمل إلى أوت 1993. 

       وهم يقولون: كل تشريع يفعل هذا القانون هو دعوة لبعث وسائل "وحشية أصولية" يعود تاريخها إلى عصور الظلام..!! وهي أساليب زعوية تستهدف قوما متحضرين ذنبهم الوحيد أنهم أزهقوا أرواح أبرياء، أو كانوا سببا في "إعدام" وجودهم من الحياة خطفا وترويعا وحرقا وتدميرا لعقولهم وإتلافا لمصادر رزقهم..

        ومع كل هذه الوحشية يدافعون عن حقهم في الحياة..!!

    ويقولون أيضا: مادام القتيل قد مات وفقد حقه في الحياة، لماذا نقوم نحن بإعدام من قتله؛ فنخسر نفسا أخرى.. !! والحال أن إعدام القاتل لا يعيد الحياة للقتيل؟؟

        أولا: منطق المدافعين عن حق القاتل في الحياة يشبه "منطق المطففين" يستوفون الكيل للقاتل ويخسرون كيل القتيل. وهو منطق أهوج يقوم على فرضية خاطئة في حق الضحية. وعلى قناعة منحازة للجاني .!! فرضية تقول: 

    - إن الفاعل يتمتع بحصانة أبدية إسمها "حقوق الإنسان"..!! وفي مقدمتها حقه في الحياة التي أعدم وجودها في غيره..!!.

      - وأما المفعول به فلا حق له في أن يُسقى قاتله من نفس الكأس التي جرعه إياها فلاقى موتا زؤاما.

      ومعناه بالمختصر المفيد: ليس من حق المجتمع سلب حياة القاتل جزاء ما سلب هو من عشرات حقهم في الحياة بإعدام جماعي ؟؟

       أليس من العدل مقابله إعدام بإعدام. وقتل بقتل.. وسلبا للحق في الحياة بسلب للحق في الحياة ..؟؟ أليس هذا هو مطلق العدل؟ فالقتل أنفى للقتل.

        هم يتصورون أن الفاعل - مهما بلغ جرمه - كائن إيديولوجي يتمتع بحقوق مقدسة.. !! بينما المفعول كائن معدوم فقدَ حقوقه بعد قتله. فيكفيه نواح البواكي وقصائد الرثاء..

      منطق المؤدلجين يقول لنا: من مات اننهى؛ ولا حق له في أن تثأر الدولة له.. ولا حق لأهله في أن يمضي القضاء في قاتله حكم الإعدام ليبرد دمه في قبره برؤية من تسبب في حرقه يجاوره في المقابر جثة هامدة..

      ويقولون لنا: ليس من حق المجتمع شهود إعدامه ليستريح من إجرامه البشر والشجر والبقر والحجر.. وليس للرأي العام حق المطالبة بإعدام الذين "أعدموا" فينا جمال الحياة ليكون لنا في القصاص حياة أخبرنا به خالق الإنسان مبدع الأكوان منزل القرآن (جل جلاله) بقوله: " يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ" البقرة: (178)، في إعدام من أعدموا فردا واحدا رحمة بالمجتمع كله. 

       ولا أحد أرحم بنا من خالقنا (جل جلاله). وهو أعلم بما في القصاص من حياة: " وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ" البقرة: (179)" ففي إعدام القاتل حياة للمجتمع كله. وهذا حق أهله وذويه في الدنيا. 


     أما في الآخرة فعند الله تجتمع الخصوم.

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

ديغول والتعريب في الجزائر

ديغول والتعريب في الجزائر... عندما يقتطع كلام مهري من سياقه
من أكثر المغالطات التي تتكرر اليوم القول إن ديغول هو الذي أسس للتعريب في الجزائر وكأن سياسة التعريب التي انتهجتها الدولة الجزائرية بعد الاستقلال كانت مشروعا فرنسيا.
والأخطر من ذلك هو التعامل مع تصريح المجاهد عبد الحميد مهري حول ديغول والتعريب وكأنه دليل على هذه الرواية.
تصريح مهري صحيح من حيث صدوره، لكن تم إخراجه من سياقه التاريخي والفكري بطريقة متعمدة حتى يعطي معنى لم يقصده صاحبه.
مهري كان يتحدث عن سياسة استعمارية فرنسية في السنوات الأخيرة من الاحتلال، وعن محاولة الإدارة الفرنسية توظيف تعليم اللغة العربية في إطار استراتيجيتها لاحتواء الثورة والحفاظ على نفوذها في الجزائر.
ففي 25 يوليو 1961 صدر في عهد ديغول المرسوم الفرنسي رقم 61-794 المتعلق بتدريس اللغة العربية في المدارس العمومية للمرحلة الابتدائية في الجزائر.
لكن هذا لا يعني أن ديغول اخترع فكرة التعريب أو أن التعريب الذي قامت به الجزائر بعد الاستقلال كان مشروعا فرنسيا.
فمطالب تعليم العربية وإعادتها إلى مكانتها كانت موجودة قبل ديغول بسنوات طويلة، وكانت جزءا من مطالب الحركة الوطنية وجمعية العلماء وغيرها من التيارات الوطنية.
بل إن برنامج طرابلس سنة 1962، عشية الاستقلال، أكد على التعريب وإعادة الاعتبار للغة العربية باعتبار ذلك جزءا من استعادة الشخصية والسيادة الوطنية.
وهنا تكمن المغالطة.
هناك فرق بين توظيف الاستعمار لتعليم العربية لأهداف سياسية وبين التعريب كخيار سيادي للدولة الجزائرية المستقلة.
ديغول لم يخترع التعريب الجزائري وفرنسا لم تمنح الجزائريين اللغة العربية بعد الاستقلال.
الجزائريون كانوا يطالبون بلغتهم قبل ديغول وقبل مشروع قسنطينة وقبل مرسوم 1961.
أما عبد الحميد مهري، الذي يُستشهد بكلامه اليوم لإثبات عكس ذلك، فقد كان نفسه من رجال الحركة الوطنية والثورة ومن الذين شاركوا بعد الاستقلال في مسار بناء الدولة وتعريب المدرسة والإدارة.
لذلك فإن اقتطاع جملة من كلام مهري وإسقاط سياقها التاريخي ثم تقديمها على أنها اعتراف بأن "ديغول هو الذي أسس للتعريب في الجزائر" ليس قراءة تاريخية نزيهة.
السياق هنا ليس تفصيلا ثانويا... السياق هو الذي يحدد معنى الكلام.
ومن يريد أن يناقش تاريخ التعريب في الجزائر فعليه أن يقرأه كاملا: مطالب الحركة الوطنية قبل الاستقلال، وسياسة فرنسا الاستعمارية في سنواتها الأخيرة، وتصريحات مهري في سياقها، ثم قرارات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.
أما تحويل تصريح واحد إلى حجة لإلغاء عقود من نضال الجزائريين من أجل لغتهم وهويتهم، فذلك ليس بحثا في التاريخ وإنما توظيف للتاريخ في معركة أيديولوجية معاصرة.

السبت، 15 أغسطس 2026

التنمر واجب احيانا .. ناصر الدين سعدي

التنمر واجب احيانا..
 نعم أتنمر واسميه وامثاله هيشر ..
واحد من الهيشر جزائري ، أدرج شريط يقول فيه :" أنا لا انكر الجميل .. الملك محمد الخامس وقف الى جانب الثورة الجزائرية وقد دفع ثمن موقفه غاليا .. لقد نفته فرنسا الى مدغشقر بسبب هذا الموقف .."
علقت عليه بما يلي:
يا جاهل .. يا بلاعطي .. يا كذاب .. فرنسا نفت الملك محمد الخامس الى مدغشقر قبل الثورة .. التاريخ ساهل في يدك التلفون اسأل غوغل يقول لك انت كذاب .. احشم على عرضك خذ راي عمك السعدي روح دبر خدمة وبطل حرفة الكذب.. حاجة اخرى الثورة الجزائرية كانت ظاهرة عالمية ابهرت الجميع وقتها.. وكان التضامن معها موضة ذلك الزمن يتباهى به الجميع .. ملك السعودية دخل مقر الامم المتحدة وهو يشهر علم الجزائر.. امير الكويت قرر اضافة رسوم على كل السلع التي يشتريها المواطن الكويتي تخصص للثورة الجزائرية. امير قطر منح قصره في سويسرا بخدمه وحشمه وسياراته للوفد الجزائري المفاوض في ايفيان . ليبيا منها يمر السلاح الى الثورة . تونس قاعدة خلفية رئيسية للثورة. مصر احتضنت الثورة وكانت منبرها الدبلوماسي والاعلامي. اول شحنة من السلاح نقلت من مصر الى الثورة كانت في يخت دينا ملكة الاردن. اطارات الثورة كانت تتكون في الكلية الحربية العراقية .. ولأن المجال لا يسع لذكر كل الداعمين اقتصرت على ذكر العرب فقط. والحال أن العالم كله كان متضامنا بشكل أو بآخر مع ثورة الجزائر . هههههه وجاتك حاجة كبيرة لما محمد الخامس يتضامن معها.. ارجو لك الشفاء .. المهم لازمك تقرا التاريخ باه متكذبش.. محمد السادس عزلته فرنسا عام 1953. ونفته في بداية 1954 وثورة الجزائر اندلعت في آخر 1954 . تعلم كي تقلص من حجم البهتان .

الجمعة، 14 أغسطس 2026

عن العلمانية ... حس سليم

غالبية من يتحدثون عن العلمانية، سواء مؤيدين لها أو معارضين، في العالم العربي، يسلكون الطريق الأقصر والأسهل: «العلمانية نشأت من صراع الكنيسة والعلم»، أو «العلمانية كانت الحل للحروب الدينية». ومن هنا يأتي الاستنتاج الجاهز لدى الطرفين: يقول المدافع عنها: «رأيتم؟ الدين ضد العلم، وهو سبب الحروب»، ويرد عليه المناهض لها: «المسيحية هي التي ضد العلم، أما الإسلام فلا علاقة له بالعلمانية».

المشكلة أن الطرفين، رغم اختلافهما، يرددان في النهاية الرواية نفسها. وهي في الحقيقة بروباغاندا صاغها عصر التنوير (خاصة الفرنسي) عن الكنيسة وأوروبا في القرون الوسطى.

أولًا: هل كانت الكنيسة عدوًا للعلم؟

تقوم الرواية الشائعة على أن الكنيسة كانت تعادي العلم، وأن هذه العداوة تفسر حالة أوروبا خلال القرون الوسطى. لكن هذه الصورة تتجاهل جانبًا أساسيًا من الواقع الأوروبي في ذلك الوقت.
فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، دخلت أوروبا في قرون من الاضطراب السياسي والاقتصادي، وتفككت مؤسسات كثيرة كانت موجودة في العصر الروماني. وفي هذا السياق، كانت الكنائس والأديرة والمؤسسات الدينية المؤسسات الوحيدة التي حافظت على التعليم والمعرفة ونقلتهما وسط كل تلك الفوضى. ولذلك، فإن تصوير الكنيسة باعتبارها مجرد قوة معادية للعلم لا يصمد أمام التاريخ نفسه.

خذ مثلًا روجر بيكون (1214-1292)، الذي كان راهبًا فرنسيسكانيًا ومن أبرز المدافعين عن أهمية الملاحظة والتجربة في دراسة الطبيعة في أوروبا الوسيطة. ثم هناك كوبرنيكوس (1473-1543)، رجل الدين الكاثوليكي وعضو مجلس كاتدرائية فرومبورك، وصاحب النموذج الشهير لمركزية الشمس.

وفي العصر الحديث نجد غريغور مندل (1822-1884)، أحد مؤسسي علم الوراثة الحديث، الذي كان راهبًا أوغسطينيًا، وجورج لومتر (1894-1966)، الذي ارتبط اسمه بنظرية الانفجار العظيم، وكان قسيسًا كاثوليكيًا.

وعدد كبير من العلماء والمفكرين الأوروبيين، مثل نيوتن وديكارت إلى غاليليو، تلقوا تعليمهم في مؤسسات دينية. وأولى الجامعات الأوروبية ظهرت في العصور الوسطى من رحم مؤسسة الكنسية، ومن أشهر هذه الجامعات بولونيا والسوربون وأكسفورد وكامبريدج.

هذا لا يعني، بالطبع، أن الكنيسة كانت دائمًا مؤيدة للعلم، أو أن أوروبا في القرون الوسطى كانت عصرًا ذهبيًا للعلوم. كما لا يعني أن الكنيسة لم تدخل في صراعات مع بعض الأفكار والعلماء. لكنه يكفي لإسقاط الصورة الساذجة التي تجعل «الكنيسة» و«العلم» طرفين متعارضين بطبيعتهما، وكأن الكنيسة لم يكن لها هدف في الوجود سوى قمع العلوم بشتى أشكالها.
دون أن ننسى أيضًا أنها كانت غير متحمسة لنشر المعرفة بين العوام، خشية إفسادهم بسبب عجزهم عن فهمها؛ وهي وجهة نظر نخبوية لم تكن غريبة في ذلك الوقت، ونجدها أيضًا لدى الفلاسفة المسلمين مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد والكندي.

أما الحجة الكبرى التي أقام عليها عصر التنوير هذه السردية، فهي محاكمة غاليليو وإعدام جيوردانو برونو. لكن حتى هاتين القضيتين أكثر تعقيدًا من الصورة الشائعة.

غاليليو لم يُعدم، كما هو شائع بين الناس، وإنما انتهت محاكمته بوضعه تحت الإقامة الجبرية. كما أن القضية لم تكن ببساطة: «غاليليو اكتشف حقيقة علمية، والكنيسة عاقبته لأنه اكتشفها». كانت هناك أيضًا مسألة تفسير النصوص الدينية، وسياق لاهوتي وسياسي معقد، فضلًا عن أن موقف الكنيسة من مركزية الشمس لم يكن ثابتًا منذ البداية.

أما جيوردانو برونو، الذي نشأ كراهب داخل الكنيسة، فقد أُعدم سنة 1600 بعد محاكمة طويلة، لكن قضيته لم تكن مجرد قضية علمية. فقد ارتبطت أساسًا بمعتقداته اللاهوتية والفلسفية وإيمانه بوحدة الوجود، وباتهامات بالهرطقة.

ولا يعني هذا تبرئة الكنيسة كمؤسسة من قمع بعض الأفكار والعلماء. لكن لو جعلنا من هذه الوقائع وحدها دليلًا قاطعًا على أن الكنيسة كانت «ضد العلم» بالمطلق، فعلينا أن نكون مستعدين لتطبيق المعيار نفسه على الأنظمة التي ظهرت لاحقًا باسم التنوير والعلمانية.

فقد أعدمت الثورة الفرنسية أنطوان لافوازييه، أحد أهم مؤسسي الكيمياء الحديثة، خلال فترة الإرهاب، ويُقال إن القاضي الذي حُكم عليه بالإعدام رد على من لفت انتباهه إلى أن لافوازييه عالم استثنائي بقوله: «الجمهورية ليست بحاجة إلى علماء».

وفي القرن العشرين، شهد الاتحاد السوفييتي بدوره مثالًا أكثر وضوحًا، حين ظهرت الحركة الليسينكوية التي حاربت علم الوراثة، وتعرّض علماء الوراثة للاعتقال والسجن والإعدام. وكان من أبرز ضحايا تلك الحملة عالم الوراثة نيكولاي فافيلوف، الذي مات في السجن سنة 1943. والسبب هو اعتبار علم الوراثة علمًا رجعيًا؛ لأنه يتحدث عن توريث الصفات، الأمر الذي يتعارض مع فكرة أن الإنسان هو بناء اجتماعي، التي تقع في صميم الفكر التنويري.

وكذلك يمكننا، بالمعايير نفسها، القول إن المؤسسات العلمية الغربية الحالية معادية للعلم لمجرد أنها تقدم الأيديولوجيا في قضايا التي تمس الجندر والصواب السياسي، وتطرد وتلاحق كل من يصر على إحدى أبسط الحقائق العلمية، مثل: ذكر وأنثى.

فكما أن هذه الأمثلة لا تعني أن الثورة الفرنسية أو الاتحاد السوفييتي أو الأكاديميات المعاصرة هي قوى مناهضة للعلم، فإن سردية أن الكنيسة كانت «ضد العلم» بالمعنى المطلق هي أيضًا سخيفة وأقرب إلى البروباغاندا الأيديولوجية. والحالتان تكشفان لنا فقط إلى أي مدى أن العلاقة بين السلطة والعلم أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية الساذجة والدعائية: «الكنيسة ضد العلم، والتنوير مع العلم».

ثانيًا: هل جاءت العلمانية لإنهاء الحروب الدينية؟

هذه السردية أيضًا تقوم على قدر كبير من التبسيط الذي لا يصمد أمام التاريخ. فالحروب التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم تكن مجرد حروب بين الكاثوليك والبروتستانت، كما أن إنهاءها لم يكن نتيجة لظهور العلمانية.

نعم، كان الدين عاملًا له أثره في الحروب الأهلية والصراعات بين الأوروبيين، لكن المؤرخين أصبحوا حاليًا يتجهون أكثر نحو الأخذ في الاعتبار الأسباب السياسية والسلالية والجيوسياسية. وأوضح مثال على ذلك فرنسا الكاثوليكية، التي تحالفت في مراحل مختلفة مع قوى بروتستانتية ضد إسبانيا وهابسبورغ النمسا الكاثوليكيتين. وهذا وحده يكفي لإظهار أن الانتماء المذهبي لم يكن المحدد الوحيد لسلوك الدول الأوروبية، وأن الأمر كان أكثر تعقيدًا من مجرد صراع ديني.

وأما الذي أنهى تلك الحروب إلى حد كبير، فهو صلح وستفاليا سنة 1648، الذي لم يكن إعلانًا عن فصل الدين عن الدولة، ولم يؤسس العلمانية بالمعنى الحديث. بل كان جزءًا من عملية أطول لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والدينية، وتثبيت حقوق الأنظمة السياسية والأمراء في أوروبا، ورسّخ مبدأ «لمن الحكم له الدين» (cuius regio, eius religio)، الذي ظهر قبل ذلك في صلح أوغسبورغ سنة 1555، حين مُنح أمراء المقاطعات سلطة تحديد المذهب المعترف به على أراضيهم ضمن ترتيبات معينة.
ثم جاءت تسوية وستفاليا لتعيد تنظيم التوازن الديني والسياسي داخل الإمبراطورية، الأمر الذي انتهى في كثير من الأحيان إلى التضييق على الأقليات الدينية التي تخالف الدين الرسمي للدولة.

وهذا يكشف شيئًا مهمًا: ما كان يجري لم يكن انتقالًا من «الدين» إلى «العلمانية»، وإنما تحولًا تدريجيًا في بنية السلطة الأوروبية؛ من صراع قديم قدم الكنيسة حول من يملك السلطة النهائية: البابا أم الملك، رجل الدين أم رجل السياسة.

وانتهى الأمر إلى ترسيخ سيادة رجل السياسة، واحتكاره حق التشريع والجباية وتعيين رجال الدين وإدارة الشؤون العامة. وفي هذا المسار نشأت الدولة الوطنية الحديثة، وأخذت تفرض سلطتها تدريجيًا على المجال الديني، ولم يكن ذلك أبدًا نتيجة جاهزة لظهور العلمانية.
نشأت الدولة الوطنية الحديثة هي التي أنهت سلسلة الحروب الأهلية في أوروبا وليس العلمانية، لتبدأ بعد ذلك سلسلة الحروب ذات البعد الوطني والقومي التي لم تنتهي إلا بفضل الهيمنة الأمريكية (ابتعدنا عن الموضوع).

ثالثًا: كيف نشأت العلمانية إذن؟

هذا السؤال تمت الإجابة عنه عدة مرات في الصفحة، لكن نعيد ذلك بصيغة مختلفة لمن لم يكن متابعًا.

لا يمكننا فهم نشأة العلمانية دون فهم طبيعة المسيحية؛ فالعلمانية ليست مفهومًا مناقضًا للمسيحية، بل هي جزء أصيل من تكوينها الأول، فهي منذ نشأتها تفصل بين الديني والدنيوي، وتفصل بين الزمني والروحي.

واللفظ في حد ذاته نشأ من داخل الكنيسة نفسها للتمييز بين القساوسة الذين يعيشون بين الناس، والذين اعتُبروا كهنوتًا علمانيًا (Clerus Saecularis)، والرهبان المنعزلين في الأديرة، الذين اعتُبروا كهنوتًا منتظمًا (Clerus Regularis). ولهذا لم تكن هناك مفاجأة في ظهور العلمانية في البيئة المسيحية بالذات، فليس هناك أكثر طبيعية من العلمانية بالنسبة لمسيحي من الفترة المبكرة.

وبالتالي فإن الذي حدث في أوروبا ليس فصلًا للمسيحية عن الدولة، بل هو إما إخضاع لمؤسسة الكنيسة لسلطة الدولة، خاصة في الدول البروتستانتية، أو فصل الكنيسة عن الدولة، خاصة في الدول الكاثوليكية. وفي الحالتين، هو إقصاء لمؤسسة سلطوية أنشأتها روما لتكون أداة في خدمة الإمبراطورية.

أما المسيحية، فلا يوجد فيها ما يمكن إقصاؤه؛ فهي لا تملك كثيرًا ما يمكنها قوله عن الشأن العام، ولا شريعة فيها لحكم المدينة، وتنبذ السياسة، بل إنها تنبذ الحياة الدنيوية كلها. وبعزل المؤسسة السلطوية للكنيسة كما شيدتها الإمبراطورية الرومانية، لم يعد للمسيحية ما تقوله، وعادت إلى أصلها الأول: مجموعة من القيم المثالية + سيرة ذاتية لشخص (المسيح).

أما الإسلام، فهو مناقض تمامًا للمسيحية من هذه الناحية؛ فهو لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ويعتبرهما شأنًا واحدًا، مثل أغلب الأديان الأخرى. كما أن الإسلام لا يعرف معنى مؤسسة دينية ذات شكل هرمي تنازع المؤسسة السياسية على الحكم، كما حدث طوال تاريخ أوروبا، مثل «صراع الكهنوت والإمبراطورية» (Sacerdotium et Imperium).
أما الفقهاء في التاريخ الإسلامي، فهم يمثلون سلطة رمزية وأخلاقية؛ بعضهم يكون في خدمة السلطة، وآخرون معارضون لها. وفي كل الأحوال، ليس لديهم سلطة سياسية حقيقية، والرأي في النهاية للحاكم.

لهذا من السخافة محاولة إسقاط العلمانية الأوروبية على العالم الإسلامي، وستظل هذه النقطة إحدى أسباب الاضطراب السياسي والاجتماعي ما لم يتم استيعاب أننا نتحدث عن تربة مختلفة تماما عن التربة المسيحية، وتحتاج لمنطق تفكير مختلف وأكثر إبداعا من الاستنساخ لايجاد حلول للمشاكل المعاصرة.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيراني وتحقيقه لنتائج غير متوقعة!

ومن هنا يتجدد السؤالان الكبيران:

إذا كانت إيران استطاعت بالسيطرة على مضيق هرمز أن تحقق هذا الإنجاز، فلماذا لم يستطع أصحاب المضايق الأخرى أن يفعلوا شيئا لغزة ولا حتى لأنفسهم؟

وأقل من شأن إيران، شأن اليمن، فهؤلاء الحوثيون، قد استعملوا سيطرتهم على باب المندب لمنع السفن الإسرائيلية من العبور خلال المضيق، بل هاجموا مدمرة أمريكية، حتى توصلوا مع الأمريكان لاتفاق منفرد لمنع الهجوم دون أي مكسب إسرائيلي!!

الآن: أين الذين يسيطرون على مضايق تيران، قناة السويس، جبل طارق؟!! لماذا لم يخطر ببالهم استعمال هذه المضايق لتعظيم نفوذهم الإقليمي والدولي؟!!

قبل قليل كنتُ أرتب بعض ملفاتي، فوجدت بحثا منشورا في مجلة "فلسطينيات" بعنوان "مضيق تيران في نظر القانون الدولي" كتبه فايز صايغ، في مايو 1967م، أي قبيل النكبة الثانية في يونيو 1967م.. لقد كان بحثا مكتوبا في زمن "المواجهة"، فأما الآن فإن النخبة العربية نفسها هي التي تشرعن عدم سيطرتنا على مضايقنا البحرية، وتخبرنا عن اتفاقيات قديمة (كاتفاقية القسطنطينية) لتقنعنا أنها تسمح لإسرائيل بالمرور في قناة السويس رغما عنا، مع إن إسرائيل نفسها وُجِدت بعد الاتفاقية، بل بعد انهيار الدولة العثمانية كلها!!

لا أدري، هل سيكون الجيل القادم واعيا ليعرف الحقائق، أم سيتساءل بدهشة: لماذا لم نغلق هذه المضايق؟!.. ثم يا ترى كيف ستكون صدمته إذا عرف أننا استخدمنا هذه المضايق، وفوقها ممرات برية بديلة لإنقاذ إسرائيل، وأن شبكة الموانئ والسفن العربية قد نظمت نفسها بحيث لا تتأثر إسرائيل بالإغلاق الجزئي الذي نفذه الحوثي عند باب المندب؟!!

وأما سؤال التفاوض، فهو يجدد في أذهان الناس سيرة السادات، ثم عرفات، ثم الملك حسين، ثم موجة التطبيع الأخيرة: الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ومؤخرا: لبنان!

كل قصة من هذه القصص، هي وحدها بقعة سواد كبيرة تلطخ فاعليها إلى يوم الدين.. وفي كل قصة من العجائب والغرائب والمخازي ما يبدو مذهلا ومثيرا للتقزز.. ولا يحتمله المقام!

والمقارنة هنا بين هذا وبين سلوك المفاوض الإيراني الذي كان العالم يترقب فعليا انهيار نظامه، ولا يزال التهديد النووي قائما، يزيد المرارة في الحلوق، ويطرح السؤال: لماذا لم يكن في هؤلاء القادة متصلبون يحاولون حتى انتزاع المكاسب لأنفسهم.. لماذا فرطوا بهذه السهولة؟ ولماذا فرطوا كل هذا التفريط بغير مقابل حقيقي؟ ثم لماذا لا يزالون متمسكين بهذه الاتفاقيات مع أن الصهاينة أشبعوها خرقا وتمزيقا واستخفافا؟!!

طعم الخيانة مرير كالعلقم! ولكنه يبدو أشد مرارة حين ترى من يتصلب ويدافع عن نفسه ويحفر في الصخر مهما قلّ ما بيده!! ولذلك صدق القائل: ودت العاهرة لو زنت النساء جميعا!!

من كان صاحب غيرة على الإسلام والسنة حقا، فلن تراه يطعن في إيران ويستخف بما فعلت، لكي لا يفتن الناس بالشيعة المبتدعة.. بل ستراه محترقا ملتهبا يسأل: لماذا لم يكن "أهل السنة" مثل ذلك؟.. وساعتها سيعرف مباشرة أن نسبتهم إلى أهل السنة إنما هي زور وبهتان، فما حقيقة انتسابهم إلا إلى الصهاينة والصليبيين!!

وساعتها، لئلا يفتن الناس بإيران أو بالشيعة، سيكون معظما لكل حركة سنية مقاومة، وفي طليعتها: هذه الحركة الخضراء التي تُركت تذبح وتُحرق وتُقطع على مرأى ومسمع -بل بمعاونة ومساعدة- من هؤلاء المنسوبين زورا إلى الإسلام وإلى السنة!!

الأحد، 21 يونيو 2026

خطورة كتمان العلم وتحريف الدين .. بقلم محمد الهامي


إن التحريف والتبديل في غاية الخطورة، أن ترفع شيئا وتضع شيئا لم يقُله الله، بل قال غيره، فترفع أنت ما وضعه الله وتضع شيئاً من عندك! هذا وضع مؤسف وخطير.

إن ثمة من يهاجم السنة النبوية، يقول: لا أدري ما هو الصحيح وما هو الخاطئ، هذا صحيح وهذا ضعيف، فلنترك السنة كلها. إن مثل هذا كالذي لما سمع رجلا يقول: هذا ابني وهذا ليس ابنا لي، قال له: دعك من هؤلاء جميعا، فليسوا بأبنائك!!

إن الاعتراف ببنوة أحدهم ونفي بنوة الآخر، يثبت أن الرجل يعرف أبناءه وأنهم معروفون معدودون، فالحديث إذا قيل: حديث صحيح وحديث ضعيف وحديث حسن وحديث كذا وحديث كذا، فهذا معناه أن الأحاديث معروفة. ولذلك لما أُمِر بقتل زنديق قال لهم: “أين أنتم من ألف حديث وضعتها فيكم أُحرِّم فيها الحلال وأُحلُّ فيها الحرام ما قال النبي منها حرفاً”؟ فقال له هارون الرشيد: “أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً”. فإن العلماء وضعوا علم الرجال فيعرفون مَن روى عن مَن، ومَن سمع مِن مَن.

هل تظن أن الحديث الذي تقرؤه أتى هكذا؟ لا، إنما الحديث الذي يقال معروف مَن سمعه من النبي، ومَن سمعه منه، ومَن سمعه مِن الثاني، وهكذا سلسلة السماع حتى وصلت للكتاب الذي سُطِّرت فيه كالبخاري وغيره، ثم طُبعت وصارت مشتهرة بين الناس.. هذه السلسلة من السند معروف أشخاصها، أسماؤهم وأحوالهم ورحلاتُ سفرهم وما درسوه، وهل مرض قبل موته أم لا، ومنهم -مثلاً- من عاش ثمانين سنة، فنحن نتتبع حياته ولو وجدناه ظل سبعين عاماً صالحاً وتقياً ونقياً وورعاً وإماماً في العلم، ثم غاب عنا خبره وجهلنا تاريخه في العشر سنين الأخيرة من عمره.. هذا الرجل، لو كان موجوداً في سلسلة السند لا تُقبل روايته إلا حين نعرف هل روى هذا الحديث في السبعين عاماً الأولى، وما لم نعرف هذا فلا تؤخذ منه الرواية.

إن علماء الحديث يعرفون رواة السند أكثر مما يعرف الداعية من يحضرون دروسه، أكثر مما أعرف أنا من يحضرون أمامي جميعاً.

هذا التشكيك في الدين يُقصد به اختلال الدين، فانتبهوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* حازم صلاح أبو إسماعيل، ما لا نعرفه عن رسول الله ﷺ، تحرير: محمد إلهامي، هدية العدد 12 من مجلة كلمة حق، يوليو 2018.

الاثنين، 1 يونيو 2026

عشرة سنوات بعد قيام الخلافة .. محمد التهامي

بعد عشرة أعوام من قيام الخلافة... كيف سيبدو المشهد ..؟
___________
عشر سنوات ليست زمنا طويلا في عمر الأمم، لكنها كافية لتكشف ملامح المشروع الذي قامت عليه الدولة ..وتبين اتجاهها الحضاري والسياسي. فكيف يمكن أن نتصور المشهد لو أن الخلافة الإسلامية قامت واستقرت عشرة أعوام ..؟

لنتخيل طفلا ولد يوم إعلان قيام الخلافة ..وقد بلغ اليوم عام العاشر. هذا الطفل لم يعرف الحدود التي مزقت الأمة ..ولم يترب على خرائط التجزئة التي قسمت المسلمين إلى عشرات الكيانات المتنافسة. نشأ وهو يرى أمة واحدة ودولة واحدة ..وجيشا واحدا وراية واحدة.

بعد عشر سنوات .. تكون الخلافة قد تجاوزت مرحلة التأسيس الأولى ..وانتقلت إلى مرحلة البناء والاستقرار. فتتوحد السياسات العامة ..وتصبح شؤون الأمة تدار من مركز سياسي واحد ..بعد أن كانت موزعة بين عواصم متناحرة ومصالح متضاربة. ويغدو المسلم في أقصى الشرق يشعر أنه ينتمي إلى الكيان السياسي نفسه الذي ينتمي إليه أخوه في أقصى الغرب.

اقتصاديا ..تبدأ ثروات الأمة بالتحول من أدوات للنفوذ الأجنبي إلى وسائل لخدمة الناس وتنمية البلاد ..وتدار الموارد الكبرى باعتبارها ملكية للأمة ..فتوجه لخدمة مصالحها بدلا من أن تكون مصدرا لإثراء الشركات العابرة للحدود أو القوى الدولية المتنفذة.

أما في التعليم، فتظهر ملامح جيل جديد يجمع بين الاعتزاز بعقيدته والتمكن من العلوم الحديثة. جيل لا يرى تعارضا بين الإيمان والتقدم ..ولا بين الانتماء للإسلام والإبداع العلمي ..بل يعتبرهما وجهين لمشروع حضاري واحد.

وفي ميدان السياسة الدولية ...تكون الدولة قد فرضت حضورها بوصفها قوة مؤثرة في العالم ..تحسب مواقفها وتدرس سياساتها .. بعد أن كانت بلاد المسلمين ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية والصراعات الدولية.

وعلى المستوى الاجتماعي ...تتراجع العصبيات القومية والإقليمية والمذهبية أمام رابطة الإسلام الجامعة ..ويزداد الشعور بالانتماء إلى أمة تحمل رسالة واحدة ومصيرا واحدا.

غير أن هذه الصورة لا تعني أن جميع المشكلات قد اختفت ..أو أن التحديات قد انتهت. فكل دولة تواجه عقبات داخلية وخارجية .. وكل مشروع حضاري يمر بمراحل من الاختبار والصراع. لكن الفارق الجوهري أن الأمة تكون قد استعادت زمام أمرها .. وأصبحت هي صاحبة القرار في رسم مستقبلها وتحديد وجهتها.

إن السؤال الحقيقي ليس كيف سيبدو المشهد بعد عشر سنوات من قيام الخلافة ..بل كيف سيبدو حال الأمة إذا استمرت عشر سنوات أخرى في واقع التبعية والتجزئة والارتهان ..؟ فبين هذين المشهدين يتحدد الخيار ..وتتضح الطريق وتبرز مسؤولية العاملين للتغيير .

#𝓐𝓵𝓲𝓣𝓸𝓾𝓱𝓪𝓶𝓲𓂃𓄿 ✍️علي التهامي

السبت، 30 مايو 2026

ايطاليا والشيخوخة.. حس سليم

إيطاليا هي إحدى الدول التي تعطينا فكرة جيدة عن أثر شيخوخة المجتمع وكيف يمكن أن يُفضي ذلك إلى نتائج قد تبدو مناقضة لما قد يخطر على الذهن للوهلة الأولى.

هذا البلد هو من أقل دول العالم خصوبةً بمعدل 1,18 طفل لكل امرأة، و24,7٪ من السكان فوق سن 65، ومقابل كل 3 متقاعدين هناك 4 عمال، في الوقت الذي كان فيه في الستينيات يتعين على 7 عمال التكفل بمتقاعد واحد فقط. وأخيرًا، وهنا تكمن المفارقة، فإن 20٪ من الشباب الإيطالي عاطل عن العمل، وهي ثاني أعلى نسبة في أوروبا بعد رومانيا، كما تحتل إيطاليا المرتبة الثالثة بعد رومانيا وبلغاريا من حيث هجرة الشباب، إذ غادرها 600 ألف شاب في السنوات الأخيرة. كل هذا على الرغم من أن البلد يعاني من شيخوخة سكانية حادة جدًا؛ فما قد يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن شيخوخة المجتمع هو أن الشباب لن يعانوا في الحصول على وظيفة براتب جيد، لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا، إذ تؤدي الشيخوخة المرتفعة إلى الضغط على صناديق التقاعد، مما يعني رفع سن التقاعد، وتعقيد التقاعد المبكر، وخفض المعاشات، الأمر الذي يدفع كبار السن إلى الاستمرار في العمل، لا سيما في المهن المكتبية التي تتطلب شهادات عليا. وهنا نصل إلى أحد الأسباب الرئيسية لبطالة الشباب بالاضافة للأزمات الاقتصادية في إيطاليا وغيرها -بما في ذلك دولنا- وهو غياب التنسيق بين التعليم وسوق العمل، الأمر الذي يُفرز جيشًا ضخمًا من حاملي الشهادات العليا التي لا قيمة لها في سوق العمل، غير أنها تمنح أصحابها شعورًا بالاستحقاقية يحول دون انخراطهم في المهن اليدوية والبسيطة، التي يضطر النظام إلى تغطية العجز فيها عبر الاستعانة بالمهاجرين رغم البطالة العالية نظريًا (وهذا ما تجده حتى في دول عربية غير خليجية). من هنا تفهم كيف أن رئيسة الوزراء الإيطالية التي من اليمين المتطرف وأقامت كل حملتها على وقف الهجرة تضطر إلى فتح أبواب الهجرة أمام مئات الآلاف.

الدول الوحيدة ربما التي انتهجت سياسة متميزة في التعامل مع إشكالية بطالة الشباب هي ألمانيا واليابان، حيث نجد تنسيقًا عاليًا جدًا بين التعليم وسوق العمل، مع برامج راسخة للتكوين المهني منذ سن مبكرة. بيد أن هذا ليس حلا سحريًا لمشكلة الشيخوخة، إذ يظل نقص العمالة ظاهرًا جليًا، حتى في قطاعات محورية كالصحة التي تعاني من شُح حاد في الأطباء شأنها شأن سائر الدول الأوروبية، حيث قد يضطر المريض إلى الانتظار ستة أشهر أو أكثر للحصول على موعد لدى بعض التخصصات في كثير من
 المناطق.

الخميس، 28 مايو 2026

سيدي علي بلخراج ..

يُعتبر اختيار الولي الصالح **سيدي علي بخراج** الاستقرار في منطقة "الضاية"بدلاً من "مزاورو" جزءاً من النمط الاجتماعي الذي كان سائداً في عصره حيث كانت الزوايا القرآنية والمراكز الروحية تُقام بناءً على اعتبارات استراتيجية وروحية. 
#أسباب٠الاستقرارفي "#الضاية"
#دائرةتلاغ٠ولايةسيدي٠بلعباس 
 #الدورالتعليمي٠والإصلاحي:** كانت منطقة الضاية في ذلك الوقت نقطة تلاقي هامة وقريبة من منابع المياه والمرعي، مما جعلها مكاناً مثالياً لتأسيس "زاوية" لتعليم القرآن الكريم وإصلاح ذات البين بين القبائل.
 #الخلوةوالعبادة:** غالباً ما كان الأولياء يختارون أماكن بعيدة قليلاً عن التجمعات العائلية الكبيرة لضمان التفرغ للعبادة والتدريس، بعيداً عن المشاغل اليومية والنزاعات القبلية.
 #التأثيرالاجتماعي:** استقراره هناك سمح له ببناء قاعدة شعبية وروحية واسعة امتدت لتشمل مختلف فروع قبيلة "أولاد سيدي علي بخراج" والقبائل المجاورة، مما جعل من ضريحه لاحقاً مزاراً ومركزاً روحياً للمنطقة ككل.
#تاريخ٠الوفاة
وفقاً للمصادر التاريخية الشفهية والمدونات التي تؤرخ للأولياء الصالحين في منطقة القطاع الوهراني (سيدي بلعباس حالياً):
 * توفي سيدي علي بخراج في أواخر **القرن السادس عشر ميلادي** (حوالي سنة **1590م** أو ما يقاربها هجرياً في حدود القرن العاشر الهجري).
 * يُذكر أنه عاش عمراً مديداً قضاه في نشر العلم والتوسط في حل النزاعات بين قبائل المنطقة، ودفن في "الضاية" حيث يوجد ضريحه المشهور اليوم، بينما انتشر أحفاده وعائلته في "مزاورو" والمناطق المجاورة لتشكيل النسيج الاجتماعي للقبيلة.
#ملاحظةتاريخية
يُقال في الروايات المحلية أن انتقال أحفاده إلى "مزاورو" كان لاحقاً لوفاته بمدة، بحثاً عن أراضٍ أوسع للزراعة والاستقرار، مع الحفاظ على الارتباط الروحي بضريح جدهم في الضاية من خلال "الوعدة" والزيارات السنوية.

شبح الشيخوخة في الدول المغاربية .. بقلم حس سليم

حتى المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) يُطلق التحذيرات من شبح الشيخوخة الذي يقترب من الدول المغاربية — ولا يختلف الأمر في باقي الدول العربية —، وليس ذلك بلا سبب؛ فقد انهار معدل الخصوبة في تونس سنة 2024 إلى 1.53 طفل لكل امرأة، وفي المغرب إلى 1.97، أي دون عتبة تجديد الأجيال المحددة بـ2.1. أما في الجزائر، فيبلغ 2.61 (مع وجود مصادر أخرى تتحدث عن معدل أقل)، لكنها تسير في منحنى تنازلي مستمر، ما يعني أن المسألة مسألة وقت فقط. أما في مصر، فنجد 2.41 طفل لكل امرأة، ضمن منحنى تنازلي أيضًا، كحال جميع الدول العربية.

ورغم أن الدراسة التي نشرها هذا المعهد الفرنسي لم تأتِ بجديد بالنسبة للمهتمين بالموضوع، فإن الحكومات ما تزال في سبات عميق، وما يسمى تجاوزًا بالنخب “المثقفة” لا تزال كعادتها، كالأبقار، تجتر صورًا نمطية بائدة عن العائلة العربية التي تنجب اثني عشر طفلًا، وعن أن تراجع الإنجاب هو المفتاح السحري للنهضة الاقتصادية.

هذا الهراء يردده إما كسولٌ يأبى التفكير خارج صندوق ثقافة الريع وعقلية تقسيم الكعكة الثابتة، وإما مَن تحركه دوافع طبقية، إذ يرى في الطبقات الدنيا منافسًا على الأكسجين الذي يتنفسه، لكنه يُقدِّم ذلك في صورة تفوق أخلاقي: لماذا تنجبون وأنتم فقراء؟ وهناك نوعٌ آخر أشد خطورة: شخص تسكنه عُقَد نقص وكراهية أيديولوجية صريحة لمجتمعه، ويحمل في قرارة نفسه أمنية فنائه؛ فالأوروبي وحده، في نظره، يستحق البقاء. ومع ذلك تُفتح له المنابر، ويُقدَّم باعتباره “مثقفًا” له الحق في الحديث في الشأن العام، بينما هو في حقيقته مجرد روائي لا يُحسن سوى الخطابة والثرثرة الأدبية، وبعيد تمامًا عن المعطيات العلمية والمنهج العلمي الذي يظن المسكين أنه يفكر من خلاله.

هؤلاء جميعًا، ممن يعتقدون أن الإنجاب هو المشكلة، لم يذوقوا بعدُ ما يكفي من نتائج الآثار الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية المدمرة للشيخوخة الديموغرافية، والتي ستكون أكثر قسوة على دولنا منها على الدول الأوروبية التي تمتلك على الأقل الموارد والبنية التحتية والتكنولوجيا الكفيلة بتخفيف وطأتها.

بعد الموت ماذا أريد أن يقال عني.. الأديب مصطفى صادق الرافعي

بعد الموت ماذا أريد أن يقال عني.. " ما هي الكلماتُ التي تقالُ عن الحيِّ بعد موتهِ إلا ترجمة أعماله في كلمات؟ فمن عرف حقيقة الحياة عرف أ...