الخميس، 28 مايو 2026

سيدي علي بلخراج ..

يُعتبر اختيار الولي الصالح **سيدي علي بخراج** الاستقرار في منطقة "الضاية"بدلاً من "مزاورو" جزءاً من النمط الاجتماعي الذي كان سائداً في عصره حيث كانت الزوايا القرآنية والمراكز الروحية تُقام بناءً على اعتبارات استراتيجية وروحية. 
#أسباب٠الاستقرارفي "#الضاية"
#دائرةتلاغ٠ولايةسيدي٠بلعباس 
 #الدورالتعليمي٠والإصلاحي:** كانت منطقة الضاية في ذلك الوقت نقطة تلاقي هامة وقريبة من منابع المياه والمرعي، مما جعلها مكاناً مثالياً لتأسيس "زاوية" لتعليم القرآن الكريم وإصلاح ذات البين بين القبائل.
 #الخلوةوالعبادة:** غالباً ما كان الأولياء يختارون أماكن بعيدة قليلاً عن التجمعات العائلية الكبيرة لضمان التفرغ للعبادة والتدريس، بعيداً عن المشاغل اليومية والنزاعات القبلية.
 #التأثيرالاجتماعي:** استقراره هناك سمح له ببناء قاعدة شعبية وروحية واسعة امتدت لتشمل مختلف فروع قبيلة "أولاد سيدي علي بخراج" والقبائل المجاورة، مما جعل من ضريحه لاحقاً مزاراً ومركزاً روحياً للمنطقة ككل.
#تاريخ٠الوفاة
وفقاً للمصادر التاريخية الشفهية والمدونات التي تؤرخ للأولياء الصالحين في منطقة القطاع الوهراني (سيدي بلعباس حالياً):
 * توفي سيدي علي بخراج في أواخر **القرن السادس عشر ميلادي** (حوالي سنة **1590م** أو ما يقاربها هجرياً في حدود القرن العاشر الهجري).
 * يُذكر أنه عاش عمراً مديداً قضاه في نشر العلم والتوسط في حل النزاعات بين قبائل المنطقة، ودفن في "الضاية" حيث يوجد ضريحه المشهور اليوم، بينما انتشر أحفاده وعائلته في "مزاورو" والمناطق المجاورة لتشكيل النسيج الاجتماعي للقبيلة.
#ملاحظةتاريخية
يُقال في الروايات المحلية أن انتقال أحفاده إلى "مزاورو" كان لاحقاً لوفاته بمدة، بحثاً عن أراضٍ أوسع للزراعة والاستقرار، مع الحفاظ على الارتباط الروحي بضريح جدهم في الضاية من خلال "الوعدة" والزيارات السنوية.

شبح الشيخوخة في الدول المغاربية .. بقلم حس سليم

حتى المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) يُطلق التحذيرات من شبح الشيخوخة الذي يقترب من الدول المغاربية — ولا يختلف الأمر في باقي الدول العربية —، وليس ذلك بلا سبب؛ فقد انهار معدل الخصوبة في تونس سنة 2024 إلى 1.53 طفل لكل امرأة، وفي المغرب إلى 1.97، أي دون عتبة تجديد الأجيال المحددة بـ2.1. أما في الجزائر، فيبلغ 2.61 (مع وجود مصادر أخرى تتحدث عن معدل أقل)، لكنها تسير في منحنى تنازلي مستمر، ما يعني أن المسألة مسألة وقت فقط. أما في مصر، فنجد 2.41 طفل لكل امرأة، ضمن منحنى تنازلي أيضًا، كحال جميع الدول العربية.

ورغم أن الدراسة التي نشرها هذا المعهد الفرنسي لم تأتِ بجديد بالنسبة للمهتمين بالموضوع، فإن الحكومات ما تزال في سبات عميق، وما يسمى تجاوزًا بالنخب “المثقفة” لا تزال كعادتها، كالأبقار، تجتر صورًا نمطية بائدة عن العائلة العربية التي تنجب اثني عشر طفلًا، وعن أن تراجع الإنجاب هو المفتاح السحري للنهضة الاقتصادية.

هذا الهراء يردده إما كسولٌ يأبى التفكير خارج صندوق ثقافة الريع وعقلية تقسيم الكعكة الثابتة، وإما مَن تحركه دوافع طبقية، إذ يرى في الطبقات الدنيا منافسًا على الأكسجين الذي يتنفسه، لكنه يُقدِّم ذلك في صورة تفوق أخلاقي: لماذا تنجبون وأنتم فقراء؟ وهناك نوعٌ آخر أشد خطورة: شخص تسكنه عُقَد نقص وكراهية أيديولوجية صريحة لمجتمعه، ويحمل في قرارة نفسه أمنية فنائه؛ فالأوروبي وحده، في نظره، يستحق البقاء. ومع ذلك تُفتح له المنابر، ويُقدَّم باعتباره “مثقفًا” له الحق في الحديث في الشأن العام، بينما هو في حقيقته مجرد روائي لا يُحسن سوى الخطابة والثرثرة الأدبية، وبعيد تمامًا عن المعطيات العلمية والمنهج العلمي الذي يظن المسكين أنه يفكر من خلاله.

هؤلاء جميعًا، ممن يعتقدون أن الإنجاب هو المشكلة، لم يذوقوا بعدُ ما يكفي من نتائج الآثار الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية المدمرة للشيخوخة الديموغرافية، والتي ستكون أكثر قسوة على دولنا منها على الدول الأوروبية التي تمتلك على الأقل الموارد والبنية التحتية والتكنولوجيا الكفيلة بتخفيف وطأتها.

الأحد، 24 مايو 2026

حين تشتري لابنك لاكوست أو لا ريني .. نجم الدين سيدي عثمان

حين تشتري لابنك لاكوست ولاريني؟!

قبل ست أو سبع سنوات، كنت في إحدى مدن الشرق الجزائري، حين تعرّف عليّ بعض الشبان وقادوني إلى عائلتين فقدتا ابنيهما في مرسيليا.

جلست معهم، وسمعت وجعهم، ولم تكن العائلتان وحدهما؛ فقد عرفت أن عددًا من أبناء تلك المدينة تحديدًا رحلوا في مرسيليا في ظروف غامضة.

 حاولت أن أفهم، وأن أجمع ما يكفي من معلومات لإنجاز تحقيق صحفي، لكنني لم أستطع، فنسيت الموضوع.

وقبل أشهر قليلة، شاهدت يوتيوبر روسيًا شهيرًا قرر أن يدخل إلى عالم عصابات الشوارع في مرسيليا. 
اقتحم الرجل بجرأة غير معهودة منطقة خطرة ومحظورة على الفرنسيين أنفسهم. هناك التقى شبابًا أغلبهم من أصول جزائرية كانوا يتحدثون معه أحيانًا بالعربية والدارجة، وفي لحظة معيّنة، ذكر أحدهم اسم تلك المدينة الجزائرية في شرق البلاد، ووجّه تحية إلى سكانها. ثم بدأ الشاب نفسه يشرح أنهم في صراع دموي طويل مع عصابة أخرى (كانوا من "دي زاد مافيا" وخصومهم هم عصابة "يودا")، قال الشاب أن كثيرًا من أصدقائه ماتوا أو "رحلوا" في تصفية حسابات، وأن المعركة ما زالت مستمرة.

👈في تلك اللحظة حزنت، لكنني أرويت فضولي الصحفي أخيرا، وفهمت القصة!

أظنني وجدت أخيرًا جوابًا متأخرًا عن سؤال بقي في رأسي طويلًا لسنوات، أولئك الشباب لم يكونوا مجرد مهاجرين ضائعين ينحدرون من أسر طيبة ومتواضعة؛ للأسف، كثير منهم دخلوا بدرجات مختلفة، إلى عالم بلا رحمة، عالم لا يسألك من هي أمك؟ ببساطة : كانوا أفرادا في واحدة من أخطر عصابات أوروبا، ولست أبالغ!

🔹وما شدّني أكثر في فيديو اليوتيوبر الروسي شيء واحد: كان هناك عنصر بصري موحد بين أغلب الشباب الذين ظهروا في الفيديو بوجوه مغطاة.

اللباس، وتحديدا ثنائية : لاكوست - لاريني، أحذية ضخمة، ألوان صاخبة، وشعارات بارزة.

 إنه نفس ما يرتديه أبناؤنا اليوم، وسبحان الله تقريبًا طريقة الوقوف نفسها التي تراها في الشرق والغرب والوسط والجنوب، النبرة ذاتها، وحتى الحلاقة؛ كأن كل هؤلاء هنا وهناك يقولون: نحن ننتمي إلى عالم واحد، حتى لو فصلت بيننا البحار.

 🔹لا يعني هذا (بما في ذلك المثال من مارسيليا) أن كل من يلبس لاكوست أو لاريني منحرف؛ هذا كلام تعميمي، فهناك أناس عاديون يلبسون هذين العلامتين، لكن اللباس له معنى، له رسالة، وله شيفرة يريد من يرتديه أن تقرأها.

👈إذا عدنا إلى أصله، فإن هذا اللباس هو خليط بين الرياضة والشارع والراب والضواحي الفرنسية. 
لاكوست نفسها بدأت كعلامة تنس أنيقة، مرتبطة بعالم مختلف تمامًا عن الحي الشعبي، ثم حدث التحول: شباب الضواحي الفرنسية، خصوصًا في التسعينيات، أخذوا هذه العلامة من رياضة أرستقراطية إلى ضواحيهم المهمشة، فتحولت العلامة من البرجوازية إلى الشارع والهامش.
ثم جاءت أحذية مثل Air Max وTN، الألوان الفاقعة، والشعارات الكبيرة، والحقائب الصغيرة، والحلاقة، وطريقة الوقوف، لشتكّل صورة كاملة يقول من خلالها هؤلاء : نحن أبناء الضواحي، نحن هنا، لسنا نسخة من فرنسا الأنيقة التي تظهر في الإعلانات".

وحين وصل إلينا هذا النمط عبر الكابة، والراب، والمغتربين، لم يصل بكل تاريخه، لم تصلنا معاناة الضاحية الفرنسية، ولا تاريخ الهجرة، ولا صراع الهوية هناك.؛ وصلتنا الصورة شكلا فقط: ثم ملأها واقعنا الخاص: فراغ المدرسة، ضغط الحي، البطالة، نقص الفضاءات الترفيهية، والرغبة الجامحة في الظهور بمظهر القوي.

🔹أمس تذكرت قصة اليوتيوبر الروسي واللغز الذي وجدت له حلًا أخيرًا، تذكرته حين حاولت أن أشتري لباسًا رياضيًا لابني. 
هو يحب الملابس الخفيفة المريحة، وهذا طبيعي تمامًا؛ الطفل يريد شيئًا يتحرك به بحرية، لا أريده أن يلبس كموظف صغير، ولا أن يعيش خارج عمره. 
لكنني لم أجد في المحلات إلا النسخة نفسها التي غزتنا في السنوات الأخيرة: لاكوست ولاريني، تمساح على الصدر بأحجام متفاوتة، أحذية قرش سوداء أو مزركشة، ألوان فاقعة صارخة. 

حمل ابني حذاءً لاريني أسود ثقيل يزن كيلوغرامين وقال لي: "بابا، اشترِ لي هذا. أصدقائي في المدرسة يلبسونه!"

هو محق من زاويته؛ أصدقاؤه يلبسونه فعلًا، وأولياء كثيرون يشترونه دون تردد، وأمهات يدفعن مبالغ أكبر فقط من أجل التمساح أو القرشو بالنسبة لهم هو مجرد لباس "على الموضة"، لا أكثر، لكن الأمر أعمق بكثير؛ إنه رمز في تحول عرفته مجتمعات قبلنا، وعرفناه نحن الآن.

👈 التاريخ يعطينا أمثلة واضحة، في أمريكا في الأربعينيات، لم يكن لباس "الزوت سوت" مجرد بدلة فضفاضة، بل صار رمزًا للهوية والتمرد عند الشباب المكسيكيين والأمريكيين السود؛ وقد تعاملت معه الصحافة والشرطة كعلامة على الخطر. وفي بريطانيا، تحولت "الهودي" من زي إلى رمز للشباب المخيف في المخيال الإعلامي. أما Burberry فقصتها أن: علامتها الشهيرة ارتبطت بثقافة "التشافز" والهوليغانز، لدرجة أن بعض الأماكن منعت دخول من يرتديها، واضطرت العلامة نفسها إلى تقليل استعمال النقشة لتهرب من الصورة الاجتماعية التي التصقت بها.

الفكرة إذن بسيطة: اللباس ليس بريئًا ولا محايدًا؛ إنه إشارة اجتماعية، بطاقة انتماء، إعلان عن الذوق والطبقة والمزاج والقبيلة الرمزية التي يريد الشاب أن يُحسب عليها. بل هو أكثر من ذلك؛ إنه جزء من الهوية نفسها.

وبالنسبة لي، لا أشتري له هذه الملابس ولا أنصح الأولياء بها لأسباب عدة أهمها : 

🔹 أولًا: الطفل في مرحلة بناء الهوية حاليا، لا يعرف، لا يفهم بعد، هو الآن يجرب، يقلد، ويراقب؛ يبحث عن من لا يسخرون منه، عن من يخافونه، عن من يبدو مهابًا. ثم يبدأ في التقاط العلامات الصغيرة: الحذاء، القميص، قصة الشعر، الكلمات، نبرة الكلام، الموسيقى، طريقة الوقوف. الهوية لا تولد دفعة واحدة؛ إنها تُبنى من هذه التفاصيل المتراكمة، حجرًا فوق حجر.

حين يقول الطفل "أصدقائي يلبسونه"، فهو يطلب أكثر من حذاء؛ يطلب ألا يبقى خارج الدائرة. يستعير هوية جاهزة من الشارع، ويبدأ في تمثيل دور لم يختره بوعي. هذا ما تسميه النظريات الاجتماعية "الهوية الأدائية"؛ يرتدي الدور قبل أن يبني قيمه الحقيقية، وهو في مرحلة هشّة. هنا يبدأ المشكل

🔹 ثانيًا: اللباس يؤثر في السلوك: مئزر الطبيب يعطي صاحبه إحساسًا بالجدية، بدلة الشرطي تمنح حضورًا انضباطيًا، لباس الرياضة يدفع الجسد إلى الحركة، واللباس الذي يوحي بالبلطجة قد يدفع صاحبه، ولو قليلًا، إلى تمثيل الخشونة التي يوحي بها. في علم النفس توجد نظرية "الإدراك الملبوس" (Enclothed Cognition)؛ ومعناها أن اللباس لا يؤثر فينا من الخارج فقط، بل يغيّر شيئًا في طريقة إحساسنا بأنفسنا، بل وفي تصرفاتنا. 
قِس على ذلك حين ترتدي بدلة رسمية (كوستيم) وحين تلبس لاكوست ولاريني؛ العقل يستجيب للزي الذي يغلفه.

🔹 ثالثًا: المجتمع لا يفهم الناس ولا يملك وقتًا لدراسة النوايا: قد يكون ابنك طيبًا، وقد يكون مؤدبًا، وقد لا يعرف شيئًا عن كل هذه الرموز. لكن الشارع لا يحلل النوايا؛ الشرطي لا يملك وقتًا طويلًا للتفريق بين طفل يقلد وآخر ينتمي. الناس يقرأون الإشارات بسرعة، وأحيانًا بقسوة بالغة. في الحياة اليومية، قبل أن تتحدث، يكون الناس قد وضعوك في خانة ما وحكموا عليك. ولهذا لا يكفي أن تقول: "ابني طيب"؛ قد تكون نيته طيبة فعلًا، لكن الصورة التي يرتديها ليست طيبة في نظر المجتمع، والمجتمع يحاكم المظاهر قبل السرائر.

🔹 رابعًا: "الوصم": حين يلبس الطفل زيًّا يربطه الناس بعالم معين، قد يبدأ الآخرون في معاملته على أساس ذلك. ينتبهون له، يشكون فيه أكثر، ويتوقعون منه سلوكًا ما؛ يضعونه (خصوصًا إن كان في سن المراهقة أو الشباب) في خانة "بلطجية الشارع". ومع الوقت، ووفقًا لنظرية "النبوءة ذاتية التحقق" (Self-Fulfilling Prophecy)، إذا كان ضعيف الشخصية أو محتاجًا للقبول، قد يستبطن هذا الوصم ويقول في داخله: بما أنهم يرونني هكذا، فلماذا لا أكون هكذا؟

🔹 خامسًا: ما الذي يريد أن يقوله بملابسه؟ نحن نربي أبناءنا في مجتمع ما زال يربط الرجولة بالصوت العالي، والملامح الخشنة، والقدرة على التخويف، والوقوف في الشارع بلا هدف. بدل أن يتعلم الطفل أن الرجولة نظافة، أدب، صلاة، انضباط، احترام للكبار، حماية للضعيف، مسؤولية، يتعلم ممن أكبر منه أن الرجولة هي أن تبدو خطرًا ومشبوهًا كي لا يقترب منك أحد. وهذا بالضبط ما لا أريده لأبنائنا ككل. أريد أن يفهم أبناؤنا أن الإنسان القوي لا يحتاج إلى لباس صاخب كي يثبت قوته، وأن الرجل المحترم ليس هو الذي يخافه الناس، بل الذي يأمنه الناس، وأن الهيبة التي تأتي من الخُلق أفضل بكثير من الهيبة التي تأتي من قميص وحذاء ونظرة مستفزة.

 🔹 سادسًا: "الامتثال" وأن يصبح جزءًا من القطيع : الامتثال، يحدث حين يتخلى الفرد عن قناعاته وذوقه الخاص ليندمج مع الأغلبية خوفًا من النبذ، حين يصر الطفل على ارتداء ما يرتديه الجميع، هو في الحقيقة يتدرب على إلغاء تفرده. 
نحن بحاجة إلى تربية جيل يملك شجاعة الاختلاف الإيجابي، جيل يستطيع أن يقول "لا" لما لا يناسبه، بدلًا من جيل ينسخ بعضه بعضًا في اللباس، والمشية، والتفكير، ليصبح في النهاية مجرد رقم إضافي في طابور طويل من النسخ المتطابقة ضمن قطيع يتحرك بلا هدف.

🔹سابعا : الذوق يُربى مثل الأخلاق تمامًا: نحن نعلّم الطفل أن يقول شكرًا، ألا يرفع صوته، ألا يرمي الأوساخ في الطريق، وأن يحترم الكبير. لكننا ننسى أن الذوق أيضًا تربية. الطفل الذي يعتاد الألوان الصارخة، والشعارات الضخمة، واللباس النايلوني، يعتاد ذوقيًا على لباس غير أنيق - ولولا رمزيته لما ارتداه أحد - لباس ملون أحيانًا بشكل غير متناسق، ونوعيات رديئة في السوق تجعله يتعرق وقد تسبب الحساسية. لا بد له أن يكون متذوقًا، وأن يتربى منذ صغره على لباس نظيف ومحترم وأنيق مهما كان سنه.

وعودة للعنوان أعلى المنشور : 👈اشترِ لابنك هذا اللباس إن أردته أن يكون مشبوهًا. اشترِه إن أردت أن ينضم إلى عالم أكبر منه بكثير، أن يتصرف مثل من هم أكبر سنًا، أن يستعير هويتهم قبل أن يبني هويته الحقيقية، اشترِه إن كنت تريد له أن يجعل من المهمشين الضائعين قدوة.

لا تصدقني، انظر حولك، شاهد صور الموقوفين الذين يقدمهم رجال الأمن والدرك، لاحظ فيديوهات العنف في الشوارع الني نراها أحيانا، المشهد يتكرر دائمًا: لباس واحد، شعارات واحدة، راية واحدة. 
أمس في البليدة، شاب أوقفه الأمن الوطني في ظرف 24 ساعة، تسبب في سفك دم بغير حق. عودوا إلى الصور، لاحظوا ماذا كان يلبس. ثم قولوا لي: هل هذا صدفة أم لا؟

🔹 ولهذا أنا مع منع هذا اللباس في المدارس والفضاءات التربوية. كما حاربت السعودية "التشوه البصري" لأن الفوضى البصرية تؤثر في الذوق والسلوك، نحن نحتاج أيضا إلى محاربة تشوه أخطر: تشوه يبدأ بلباس وينتهي بسلوك.

لكن المنع ليس الحل الكامل، الحل الحقيقي يتطلب استثمارًا في التربية، في الثقافة، في بناء الإنسان، يتطلب أن نصنع قدوات بدلًا من أن نترك أبناءنا يصنعونها من الشارع. 
يتطلب أن نعطي الطفل أسبابا ليكون فخورًا بنفسه، بعقله، بقيمته الحقيقية، وحين يشعر الطفل أن لديه قيمة، لن يبحث عن قيمة في "لاكوست" و"لاريني". 

 👈هل ترى أنه يجب منع هذا اللباس؟


الخميس، 21 مايو 2026

بشاعة الحرب ..ابو عبد الرزاق

مشاهد الجنود الروس - وأحيانا الأوكران - وهم يركضون مذعورين من المسيّرات، قبل لحظات من تناثر أشلائهم، تفضح الوجه الأبشع الحروب، ذلكم الوجه الذي لا يكتشفه الجندي إلا قبل ثوانٍ معدودة من مصرعه، حينئذ يفطن هذا البائس لحقيقةِ أنه لم يعد سوى جسد متحرّد على شاشة بيد ع د وّه، يرصده لستمتع بلحظات ذُعره، يختار أنسب جزء في جسده... ثم يفجّره بضغطة زر...
هناك... على الجبهات تتهاوى كل السرديات في طرفة عين لا تدع للبؤساء فرصة المراجعة... في تلك اللحظة حينما يدرك الجندي المذعور أنه هالك، تتقلص كل الخطابات الوطنية والإيديولوجية التي جاءت به إلى المفرمة، وينسى جميع الأناشيد الحماسية التي كان يحيي بها الليل مع زملائه أيام تدريبه، سينسى كلّ شيء لصالح غريزة بدائية واحدة...هي محاولة النجاة... هو يعلم أنه هالك، لكنّه يحاول... إنها الغريزة... 
باسم استعادة التاريخ أو بناء المجد يُقتلع أبناء الفقراء ومتوسطي الحال من حياتهم، من بيوتهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأسرهم الصغيرة، ثم يُلقَون في مفرمة لا تعبأ بشيء من أحلامهم وذكرياتهم...
الحر و ب لا ترى الإنسان كما يراه أهله.. إنّه رقم في أعداد الق ت ل.ى يبرِّر القادة هلاكهم بضرورة المحافظة على موقع عسكري أو الاستيلاء على آخر... سيقولون للإعلام: لم نحصل على هذا الموقع إلا بد ما ئنا.. لكنّهم يقصدون د .م ا ء البؤساء... أولئكم الذين كانوا يملؤون أعين أمهاتهم لا تستبدلهم أسرهم بجبال من ذهب، ليسوا في منطق الح . ر.ب إلا أثمانا زهيدة قد لا تتجاوز سعر المسيّرة وذخيرتها، أجساد تُبذل لتتوسّع خطوط السيطرة أو تستقرّ...
أقسى ما في هذه المشاهد، أنّ صنّاعها لن يحضروا احتفالات الانتصار، ستُقدَّم لهم أوسمة لطنّها تعلّق على قبورهم وصورهم...
أمّا القادة فسيحتفلون حتما... وسيتحدّثون عن صُنّاع المجد...

الثلاثاء، 19 مايو 2026

مأساة الرئيس مرسي .. حصاد الثورة

كلما فتشت خلف تفاصيل حكم الأخوان عام 2013 ، كلما زاد تأكدي أن مرسي لم يخطئ على الإطلاق.. خلافا لما كنت أعتقده وأنا في أولى مراحل الوعي..

فحتى تصريحاته عن السيسي والجيش، التي تعتبر دليلا حيا على سذاجته، هي مع احترامي الشديد دليل على سذاجة القائل بها فقط، فالرجل كان لآخر لحظة يسعى لمداراتهم ، وفعل كل ما يمكن أن يفعله رجل وطني لا يتمتع بالسيطرة العسكرية... بل وألمح للمصريين بشكل غير مباشر ، غير أن التلميح لم يصل ، وما يزال متعذرا عن الوصول.

أيضا تصريحات وزير قطر البهيمة عن كونه درويش سياسي، هو مجرد انتقاص لا أصل له، ولا منطق يستوعبه، فالبهيمة هذا نفسه من قال أن الشرع سيفشل في سوريا ، وأن الهيئة لا تجيد فن السياسة وأن سوريا مقبلة على خطر عظيم.. فإذا به بالأمس يكوع صاغرا 😄 فهو مع كامل احترامي ليس أكثر من متفرج. ولو فتحنا ملفه السياسي، سندرك أصلا أنه تعرض للإقالة من منصبه، ولم يتقاعد منه كما يدعي...

مرسي رجل عظيم .. وفريقه السياسي فعل المستحيلات، لكن المستحيلات لم تكن كافية للوقوف أمام أوباش العسكر، والشعب المصري لم يقف بكامل قوته و وعيه مع القائد الا اللهم الثلة الطاهرة التي استُبيحت في رابعة وسجون مصر. وليس طبعا جموع الهبيدة بالمنفى أيضا، الذين تحولوا لشوفيرية كنبات...

البديل عن مرسي لو كان حازما جدا، لأخذ البلاد إلى حرب داخلية ستشيطن الإسلام السياسي لقرون اخرى من الزمن ولن تنتصر أبدا، فمصر تختلف عن سوريا كثيرا وقداسة العسكر تكاد تصل إلى حد العبودية من شعب مصر.

في مصر حاليا، لو أن دابة تعثرت بالطريق لقالوا أن الأخوان هم السبب، فتخيلوا لو أن مرسي أو أي بديل عنه، قد رفع سيفه بوجه هذا اللقيط! 

إذا فسقوط حكم الإخوان تعليله المنطقي الوحيد؛ أن الثورة المصرية لم تصل للحكم أصلا، فالسيادة بهكذا دول، تكون للجيش فقط، والأمر الآخر ، والتفسير الأشد صراحةً وحرجا، أن الشعب المصري لم يكن يملك أي وعي سياسي بالجملة...

رحم الله القائد مرسي، أرجوا من سنافر السياسة من سوريين وعربان ومصريين، أن يتوقفوا عن لومه ونقده، مات وارتاح وما خلص منكم.... هذا الرجل كان أسدا بحق، لكن أسدا بلا قطيع أسود، سيموت وحيدا لا محالة...

الأحد، 17 مايو 2026

الخوارج والخروج ؟؟؟ الموضوع منقول

"الخروج "من أكثر المصطلحات الشرعية التي حرفها المداخلة عمدا 
الخروج عند السلف غير الخروج عند المداخلة .
الخروج عقيدة، والخارجي عند السلف هو من يعتقد اعتقاد الخوارج الذي يتأسس على أصلين : 
1) التكفير بغير مكفر أي التكفير بمطلق الذنوب، فعند الخوارج : السارق كافر والزاني كافر وشارب الخمر كافر والكاذب كافر ....إلخ ويترتب عن هذا الأصل أصل آخر وهو : 
2) استحلال دماء المسلمين ، فلأن الخوارج يعتقدون كفر أصحاب المعاصي وردتهم فهم يستحلون دماءهم .
وجماع هذين الأصلين في قول النبي صلى الله عليه وسلم : 
 " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " .
السلف كانوا يراعون هذا الأمر عند إطلاق وصف خارجي ،لذا ترى كثيرا ممن نابذوا الحكام بالسيف في التاريخ الإسلامي لم يسمهم السلف خوارج .
كانوا يفرقون بين الخوارج والبغاة وأهل الحق والمحاربين 
لو كان مجرد منابذة الحاكم أو معارضته أو الإنكار عليه علنا يسمى صاحبه خارجيا كما يروج المداخلة -لكان الكثير من السلف خوارج والكثير من العلماء خوارج، ولكانت أكثر الدول التي قامت في تاريخ الإسلام دول خارجية ،فما من دولة إلا وخلفت أختها بالسيف بما فيه دولة بني سعود .
عرفنا الخارجي عند السلف فمن هو الخارجي عند المداخلة ؟
 الخارجي عند المداخلة هو : 
• من يصدع بالحق وينكر المنكرات العامة علنا .
• من ينادي بتحكيم الشريعة .
• من لا يعتقد اعتقاد المرجئة .
• من يدندن حول "الكفر بالطاغوت" و"الولاء والبراء" و "الجهاد" و"الحاكمية" ....
• من يجاهد المحتلين ( كمجاهدي غزة الذين هم خوارج عند المداخلة، والذين قاتلوا بشار وإيران في سوريا خوارج والذين قاتلوا الأمريكان في أفغانستان خوارج ....إلخ ).
•من ينكر الظلم أو يكون مجموعة لنصرة المظلوم كما قال رسلان .
•وهو المعارض السياسي كما قال المدخلي المدعو رمزان الهاجري .
•والجماعات الإسلامية العاملة في الساحة أكثرهم خوارج عند المداخلة ، ومن ينصفهم أيضا خارجي ويلحق بهم .
•والعلماء والدعاة والمصلحون الذين في السجون كلهم خوارج عند المداخلة، وسجنهم علامة على ابتداعهم وخارجيتهم !
المداخلة ينعتون ثلاثة أرباع مخالفيهم بالخوارح ليستحلوا دماءهم وأعراضهم مرددين :"طوبى لمن قتلهم وقتلوه ".
ثم يقولوا بلا حياء : نحن أحرص الناس على حقن الدماء ! 

الاثنين، 11 مايو 2026

لماذا تخافون على الدين ؟؟؟ محمد الهامي

لما حذَّر الكثيرون من مركز "تكوين" وأطلقوا عليه حقا "تكوين الملحدين"، خرج عديد من الناس يقول: لماذا تخافون على الإسلام؟ هل الدين ضعيف؟ هل الإيمان هش؟... إلخ!

ولست هنا لكي أرد على هذا، فلقد أوسعهم الناس ردًّا..

ولكن أقول: إن كل الذين يقولون هذه العبارات ونحوها، إنما يعبرون في حقيقة الحال عن أن الإسلام لم يعد مقدسا عندهم، حتى لو أنهم لا يشعرون بهذا، وإنما يُعرف المقدس حقا في نفوس الناس إذا انتفضوا له ولم يتبلدوا بالهجوم عليه!

فمثلا، لو أمسك أحدهم العلم المصري في ميدان التحرير، فأحرقه.. لوجدتَ انتفاضة حقيقية لدى كل من يحب مصر ويقدس هذا العلم.. ولن ترى أحدا منهم يقول: وهل مصر ضعيفة؟ وهل الدولة هشة؟ وهل حرق أحدهم للعلم يشكك الشعب في وطنيته؟!

ومثلا، لو أنشأ مجموعة من الناس مركز ممولا يدعو إلى إعادة المَلَكية، والمناداة بأحمد فاروق ملكا شرعيا على مصر، وانتخب لعضوية هذا المركز ثلة من مشاهير الكتابة والتمثيل والغناء.. ساعتها لن تجد أحدا من محبي الجمهورية متبلدا يقول: وهل الجمهورية ضعيفة؟ وهل إنجازات ثورة يوليو هشة؟ وهل يتصور أحد أن يحن الناس من جديد لعصر الإقطاع؟

فكيف لو نشأ مركز ضخم ممول، بتمويل تركي -مثلا- يدعو إلى عودة مصر -مثلا- تابعة لتركيا، باعتبارها كانت تابعة للخلافة العثمانية، وإنما انفصلت عنها في عهود النفوذ الأجنبي والاحتلال الإنجليزي.. هل يمكن أن ترى "وطنيا" يقف أمام هذا الوضع متبلدا يقول: الشعب أقوى من أن يتأثر بهذه الأفكار السخيفة؟ هل نضالنا الوطني وتراثنا المصري هش وضعيف؟... إلخ!

أستطيع أن أضرب العديد من الأمثلة.. ولكن القصد أن المقدس الحقيقي الذي يخلص له القلب وينفعل معه الوجدان لا يقبل بأدنى مساس، ويتأثر بأقل خدش، وينتفض لأقل إساءة!

وكل إنسان له مقدساته الحقيقية التي لا يقبل المساس بها ولا تعريضها للخطر.. 

فانفعالات المرء وتبدله، كاشفة عن حقيقة مقدساته في نفسه وضميره.. حتى لو غفل هو عن حقيقة نفسه، أو لو غلَّف حقيقة نفسه بشعارات مزخرفة!

الأحد، 10 مايو 2026

صورة وتعليق .. قذائف الحق

الكلام الذي في الصورة قد يبدو ثقيلا على المداخلة،لكن فيه نسبة كبيرة من الحق .
المدخلية تغرس في اتباعها علمانية خفية
 المداخلة لا يعون أنهم علمانيون لأن المدخلية تغلف العلمانية بثوب الغيرة على الدين والسنة.
شيوخ المدخلية يسوغون للعلمنة ويحصنونها ويغذونها بأمور منها :
1) شرعنة الدولة العلمانية ونعت من يرفض النموذج العلماني بالخارجي .
2) التهوين من تعطيل الشريعة ومن الحاكمية، بل محاربة من يركز عليها .
3) غض الطرف عما يحدث من علمنة ممنهجة في القوانين والسياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة ومناهج التعليم وفي الإعلام والفضاء العام ...بحجة التركيز على التوحيد، ولا أدرى أي توحيد هذا الذي يتعايش مع العلمنة ويخضع لها ويزهد في تغيير واقع فاسد ؟!  
4) القول أن منهج الأنبياء هو الدعوة إلى التوحيد وحده وليس الحكم أو إقامة الدولة كما فعل ربيع المدخلي في كتاب "منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله " مكرسا علمانية تفصل بين الدين والدولة وبين التوحيد والحكم .
5)تشويه من يرفض علمنة السياسة وعلمنة الدولة ووصفه بالسروري والقطبي والخارجي ...
6) محاربة الأحزاب الإسلامية التي تزاحم العلمانية وغض الطرف عن الأحزاب العلمانية الصريحة التي تشكل عصب الدولة العلمانية .
 7)حماية الفضاء العام العلماني بإغلاق باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة حرمة الإنكار العلني .
السكوت عن العلمنة التي تلبس ثوب التوحيد من الخيانة لدين الله .

الأحد، 3 مايو 2026

تاريخ التنوير الاوروبي بقلم حس سليم

تاريخيًا، ينقسم التنوير الأوروبي إلى فرعين أساسيين: التنوير الفرنسي، وأهم رموزه فولتير وديدرو ومونتسكيو، وكثيرًا ما يُضاف إليهم روسو؛ والتنوير الأنغلوساكسوني (البريطاني والاسكتلندي)، وأهم رموزه ديفيد هيوم وفرانسيس بيكون وآدم سميث وجون لوك وآخرون. يجتمع هذان الفرعان في الدوافع التي يمكن اختزالها في الأيديولوجيا التقدمية (تحقيق السعادة) والإنسانوية (مركزية الإنسان)، لكنهما يختلفان تمامًا من حيث المنهج، إلى حدّ التناقض؛ إذ ينطلق أحدهما من سؤال: «كيف نبني مجتمعًا مثاليًا؟»، في حين ينطلق الآخر من سؤال: «كيف تعمل المجتمعات فعليًا؟».

التنوير الأنغلوساكسوني تغلب عليه النزعة التجريبية والبراغماتية، إذ يرى أن التجربة الحسية هي ما يحقق المعرفة اليقينية؛ أي إنه يركز على فهم الواقع كما هو، بما فيه من التقاليد والمؤسسات السياسية والدينية التي حافظ عليها، ثم الدفع إلى إصلاحها تدريجيًا، مع التركيز على تطوير الاقتصاد والحقوق الفردية، وبالتحديد حق الملكية والأمان، بوصفهما عاملين أساسيين في نظرهم لتحقيق النهضة والتقدم، بالاستعانة بالبيانات والإحصاءات والبحث الميداني والتجربة الملموسة.

أما التنوير الفرنسي، فتغلب عليه النزعة العقلانية الديكارتية والميل نحو المثالية، إذ يرى أن العقل هو الجدير بالثقة لتحقيق المعرفة اليقينية من خلال الشك المنهجي (التشكيك في كل شيء)؛ أي إنه يركز على وضع النظريات الكبرى الناتجة عن التأملات الذهنية، ثم الانطلاق بها إلى الواقع لإعادة بناء المجتمع من الصفر من خلال الثورة وهدم كل المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية التقليدية. لذلك نجد كثيرًا لدى التنوير الفرنسي وما انبثق عنه—ونتيجة مركزية اللغة والخطاب، لكون الثقافة الفرنسية ثقافة أدبية—ميلًا إلى صك المصطلحات والمفاهيم الكبرى التي قد تعني كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه، مثل: «حرية، مساواة، أخوة»، و«حكم العقل»، و«الجمهوريانية»، و«سيادة الشعب». وقد تطور ذلك مع الزمن ليقدّم المدارس الفكرية التي اشتهرت لاحقًا بالمدرسة النقدية والبنائية والوجودية الفرنسية و«النظرية الفرنسية» (French Theory).

يمكننا أيضًا أن نختصر هذه الفروق بالقول إن التنوير الأنغلوساكسوني يقول إن فهم الواقع كما هو، وتحقيق التقدم الاقتصادي والمادي، ضرورة لخلق بيئة تسمح بإمكانية التطور الاجتماعي؛ في حين أن التنوير الفرنسي يقول إن التطور الاجتماعي والثقافي، ونشر «الوعي» والقطيعة مع الماضي السياسي والديني، سابقٌ للتطور الاقتصادي والمادي. ومن حيث الواقع، حين كان التنوير الفرنسي غارقًا في وضع نظرياته الكبرى وشكل العالم المثالي، كان التنوير الأنغلوساكسوني يساهم في صناعة التقدم الحقيقي ويؤثر في الواقع المادي الذي جعل ما يعتبرونه تقدمًا اجتماعيًا ممكنًا.

بالنسبة للعالم العربي وما حوله، ولسوء حظ هذه المنطقة، فقد تعرّف على الحداثة وعاش الصدمة الحضارية الأولى أمام الغرب من خلال النافذة الفرنسية التي كانت هي في الأساس تمرّ بأزمة، بدايةً من الحملة الفرنسية على مصر، ثم بعثات رواد النهضة العربية إلى فرنسا، وانتهاءً بالاحتلال الفرنسي للمغرب العربي والشام. لهذا فإن من يطّلع على الساحة الثقافية العربية سيجد أن التنوير العربي ما هو سوى نسخة رديئة من التنوير الفرنسي، فلا يجد سوى الثرثرة والجدالات الأدبية، والغلبة للشاطر الذي يصوغ أقوى الجمل لمحق الخصوم، مثل: «أمة تعيش في الماضي لا مستقبل لها»، فيرد عليه الآخر بـ«أمة لا تعرف ماضيها لا مستقبل لها»، وسيل من المصطلحات والشعارات التي يكفي التلفظ بها لينفجر «هرمون الوعي»: «تجار الدين»، و«الجهل المقدس»، و«تحرير الوعي»، و«ثقافة الموت… وثقافة الحياة»، و«سلطة العقل»، و«ثورة العقول ضد الاستبداد والخرافة»، و«أنت ثورة ولست عورة»، و«إن التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل»، وغيرها كثير بعدد المراهقات والكهول. وطبعًا، لن تُحسب على «التنوير» والثقافة ما لم تذكر كلمة «العقل» في كل صفحة ثلاثًا وثلاثين مرة، وإلا فكل ما قد تقوله سيذهب هباءً منثورًا.

لكن، وإن كان هذا «التنوير العربي» يمثل ذروة الثرثرة الأدبية التي لا طائل منها سوى ملء صفحات مواقع التواصل، فإن بقية التيارات أيضًا التي ظهرت بعد «النهضة العربية» لها نصيبها من التنوير الفرنسي، وتحاول منافسة التنوير العربي في صك العبارات الرنانة والشعارات الجميلة وتقديم الحلول السحرية، وهم على هذا منذ قرن ونصف بين القيل والقال، في حين ما يزال الحال على ما هو عليه.

ملاحظة: المنشور فيه قدر من الاختزال لإيصال الفكرة، فلا يأتيني أحد ليقول: إذن التنوير الأنغلوساكسوني هو الحل. وكأنه وصفة دواء تشترى من الصيدلية.

الأحد، 23 نوفمبر 2025

نص حر ...

حين لا نُصرّف الضغوط التي تأكلنا من الداخل!

لماذا يصاب الإنسان بالسرطان بعد صدمة مفاجئة؟ ولماذا ننام أحيانًا لساعات طويلة ثم نستيقظ أكثر دوارًا وإرهاقًا مما كنا عليه؟ ولماذا يمرض كبار السن ويموتون منهكين وهل هذا طبيعي؟

أسئلة تبدو متباعدة، لكنها في الحقيقة مشدودة بخيط واحد… وحين نبحث عن جذورها، نحتاج أن نعود خطوة إلى الوراء.

"في الماضي، حين كانت مجتمعاتنا ريفية بالكامل تقريبًا، عاش الناس حياةً صلبة لكنها متوازنة: يركضون وراء المواشي، يحملون التبن، ويعملون في الحقول. وحين يتعبون، ينامون بعمق كالأطفال. الحركة اليومية كانت تتكفّل بتصريف التوتر الطبيعي دون تخطيط أو نية.

لكن كل شيء تغيّر فجأة. اليوم، الإنسان الحديث يعيش مفارقة قاسية: جسده بالكاد يتحرك، حبيس المكاتب والسيارات المكيّفة، بينما رأسه يركض في سباق محموم: اجتماعات، إش3ارات، أخبار متسارعة، ديون، ومؤامرات عمل. ومع هذا الاحتراق الداخلي الصامت، لا عجب أن نسمع عن أصدقاء في الأربعين يسقطون فجأة بأزمات قلبية. فما نراه «فجأة» ليس إلا الانفجار الأخير لتراكم طويل من الضغوط التي لم تُصرّف.

🔹 الطبيب المجري- الكندي جابور ماتي يلخّص هذه المأساة في كتابه «عندما يقول الجسد لا». يؤكد أن من يعجز عن قول «لا» في حياته اليومية، سيقولها جسده لاحقًا على شكل مرض. و«لا» هنا ليست مجرد رد على الناس، بل موقف من عاداتنا اليومية التي تستنزفنا: العمل المفرط، الضغوط التي لا تنتهي، التأخر في النوم، الأكل الانتقامي...كل ذلك تحميل للجسد فوق طاقته، حتى ينهار في النهاية ويُعلن استسلامه بلغة المرض.

👈روبرت سابولسكي وصف ما نعيشه بدقة في كتابه «لماذا لا تصاب الحمير الوحشية بالقرحة؟»: الغزال يهرب من النمر للحظات، يفرغ طاقته، ثم يعود للهدوء كأن شيئًا لم يكن. أما نحن، فقد أبقينا زرّ الطوارئ مضغوطًا طوال الوقت: قلق مستمر، إش3ارات لا تنتهي، سباقات وهمية في الطرقات، وانتظار ردود فورية. صرنا مدمنين على جرعات صغيرة من الأدرينالين نبقي بها أجهزتنا العصبية في حالة استنفار قصوى.

وهذا التجاهل المستمر لآثار الضغط المحتبس هو الذي يقودنا إلى الحقيقة التي نتهرّب منها: الجسد لا ينهار فجأة، بل بالتدريج، بعد أن يرسل لك عشرات الإنذارات التي قررت تجاهلها واحدًا تلو الآخر.

– هل تنام ساعات طويلة لكنك تستيقظ مرهقًا؟ ربما يكون السبب ارتفاع الكورتيزول ليلًا بسبب التوتر المزمن، فيمنع جسدك من الدخول في النوم العميق المرمّم.
– هل يتساقط شعرك بكثرة مؤخرًا؟ الإجهاد المزمن قد يربك دورة نموّ الشعر ويُدخل البصيلات في مرحلة خمول مبكرة.
– هل تشعر برغبة مستمرة في الأطعمة السكرية؟ الجسم يحاول تعويض الضغوط عبر مكافآت سريعة من الأكل.
– هل تصاب بنزلات برد متكررة؟ الضغط المزمن والتغذية السيئة يثبطان جهازك المناعي فيجعلك أضعف أمام الفيروسات.
– هل تشعر أن ذاكرتك القصيرة ضعفت فجأة؟ الإفراط في التوتر يرفع الكورتيزول الذي يؤثر مباشرة على «الحُصين» المسؤول عن الذاكرة.
– هل يهاجمك القولون العصبي؟ قد لا يكون السبب في الطعام الذي أكلته، بل في القلق الذي يأكلك من الداخل.
– هل يبقى وزنك ثابتًا رغم كل محاولاتك لتخفيضه؟ قد تكون إشارة إلى فوضى هرمونية سببها الإجهاد المستمر.

👈كلها ليست أعراضًا منفصلة، بل لغة واحدة تقول: «لقد تجاهلتني طويلًا». العلم اليوم يؤكد أن أكثر من 90% من الأمراض المزمنة ليست قدرًا، بل نتيجة مباشرة لنمط حياة غير صحي وضغط مزمن لم يُصرّف.

هنا يأتي الطبّ الوظيفي ليضع خريطة أعمق: لا يسأل عن الأعراض فقط، بل عن حياتك كلها - نومك، غذاءك، عملك، علاقاتك، ضغوطك - الهدف ليس إسكات الجرس، بل معرفة لماذا يقرع؛ ليس تسكين المرض، بل اجتثاثه من جذره.
والحل ليس في الهروب إلى عطلة مؤقتة، بل في إعادة بناء روتين يومي لتصريف الضغوط عبر أربع قنوات:

• التصريف الجسدي:
الحركة اليومية - مشي، جري، سباحة، أو حتى تنفّس عميق - هي الطريقة الفطرية التي يفهم بها الجسد أن الخطر انتهى. ويمكن أن يكون أيضًا في أنشطة بسيطة مثل تنظيف البيت بوعي، غسل السيارة، صعود الدرج بدل المصعد، أعمال البستنة...

• التصريف العصبي:
النوم العميق المنتظم هو أقوى دواء يعيد للجهاز العصبي توازنه. وهناك وسائل مساعدة مثل القيلولة القصيرة، أو خلق «طقوس ما قبل النوم» (قراءة كتاب ورقي، إطفاء الأجهزة الإلكترونية، تهوية الغرفة).

• التصريف العاطفي:
الكلام الصادق، البكاء، الكتابة، أو الإبداع الفني تفتح قنوات التعبير بدل الكبت. مجرد تسمية مشاعرك («أنا غاضب، أنا قلق») تخفّف نشاط اللوزة الدماغية. ويمكن الاكتفاء بمحادثة صديق، أو كتابة رسالة، ممارسة الإمتنان (حمد النعم)، أو الغناء بصوت عالٍ في سيارتك أو حين تكون وحيدا😄.

• التصريف الواعي:
التأمل، الصلاة بخشوع، الوجود في الطبيعة وغيرها تنشّط العصب الحائر وتعيد الجسد إلى وضع الراحة. ومن الأمثلة: اليقظة أثناء الأكل، فعل الأشياء ببطء، مراقبة الغروب دون هاتف، أو خمس دقائق جلوس صامت مع وعي كامل بنبض قلبك.

قدرة الجسد على التعافي مذهلة. خلايانا تتجدد باستمرار، وأجهزتنا تعيد ترميم نفسها إذا منحناها الفرصة. مهما كانت الفوضى التي عشناها، يمكن للجسد أن يستعيد توازنه بسرعة إذا توقفنا عن إهماله وفتحنا له قنوات للتصريف.

🔹كان هذا نصًا من كتابي "رفاهية هادئة". وفي "تين شوكي" الذي سبقه كتبتُ نقلًا عن الدكتور كريستيان شال - مؤلف أكثر من ثلاثين كتابًا في الصحة قوله:

👈«إذا كنت تأكل أي طعام وتكتم غضبك في الداخل، وتحمل معك مشاعر الكراهية والخوف والرغبة في التحكم بكل شيء، فحتمًا سيقودك هذا الأسلوب السيئ في الحياة، في لحظة ما، إلى ظهور المرض. فالمرض في الحقيقة إشارة تحذيرية، أشبه بمصباح أحمر يومض في لوحة القيادة لينبّهك إلى أن هناك خللًا يجب إصلاحه، لقد أدركتُ شخصيًا أن العلاجات يمكن أن تخفف الألم وتمنح بعض الارتياح، لكن الشفاء الحقيقي شيء مختلف تمامًا.

الشفاء يعني أن نسمح للجسد بأن يتجدد، لأنه يعرف كيف يقوم بذلك. ولأجل أن يتمكن من ذلك، لا بد من اعتماد نهج شامل وكلي، صحيح أن العناية بالجسد ضرورية، لكن من الخطأ الاعتقاد بأنها تكفي وحدها. فحتى لو اتبعت نظامًا غذائيًا صحيًا، وصُمت، ومارست الرياضة، وخضعت لجلسات تدليك… فإن كل ذلك لن يكون كافيًا إذا أهملت جسدك العاطفي.

يمكن أن يمرض الإنسان لأسباب لا علاقة لها بالجسد، بل بسبب مشاعر مكبوتة لم تجد مخرجًا لها. لقد تعلمنا أن نخفي أصواتنا، أن نتوقف عن الصراخ، أن نمنع أنفسنا من البكاء، وأن نتصرف كما فعل آباؤنا ونقول: «لا شيء يحدث». وهكذا ندخل في دوامة من التوتر، ونتأقلم مع قالب حياتي غربيّ يقوم على فكرة أن الحياة صعبة، وأن كل شيء قائم على المنافسة.

ومع الزمن، نفقد القدرة على التواصل مع أجسادنا. وانظروا إلى ما وصلنا إليه: عدد كبير من كبار السن يزداد وزنهم، ويعتمدون على الأدوية، ويعيشون حياة صحية سيئة. بينما في الحقيقة، لم نُخلق لنشيخ ونمرض بهذا الشكل. لا يوجد ما يجعل الشيخوخة مترادفة مع المرض. فإذا كنا نكبر ونمرض، فهذا غالبًا نتيجة لعاداتنا التي تقودنا إلى ذلك.

👈وإجابة عن السؤال الأول الذي بدأ به المنشور :
حين يبحث الأطباء خصوصا في أوروبا اليوم في جذور الأمراض المزمنة - وعلى رأسها السرطان - لا يبدأون بالسؤال عن التحاليل فقط، بل يسألون أوّلًا: هل كان هناك حدث عنيف؟ فقدان شخص بشكل مفاجئ؟ صدمة قوية؟ خسارة فادحة؟
فعندما يواجه الجسد صدمة لا يملك لها مخرجًا، ويُجبر على ابتلاعها بدل تصريفها، يدخل في حالة انهيار مناعي تدريجي. يصبح جهاز المناعة هشًّا ومُنهكًا… وفي هذه اللحظة، يصبح أي مرض عضال قادرًا على افتكاك الجسد بسهولة أكبر.
لهذا تذكّر جيدا : الضغط المحتبس يهيّئ الأرض، والصدمة تسقط آخر الجدران، فحاول تصريف الضغوط داخلك بكل الطرق المتاحة

👈وإن سألتك الآن بكل صدق: كم تقيّم نمط حياتك الصحي من 100؟

السبت، 1 نوفمبر 2025

كتابة التاريخ ... مولود مدي

تقوم معظم المقاربات التقليدية في كتابة التاريخ على فرضية أن التحولات التاريخية الكبرى تنتج عن تراكم طويل الأمد لقوى بنيوية، أو بفعل ضغط اجتماعي متصاعد. هذا التصور، القائم على السببية الخطية، يغفل غالبًا الدور الحاسم للأحداث النادرة عالية الأثر التي تقتحم المسار السابق وتعيد ترتيبه. التاريخ لا تصنعه المتوسطات averages ("المتوسط" في الجزائر سنة 1954 هو: الأغلبية صامتة، موازين القوة لصالح الاحتلال، التوقعات العقلانية ترجّح الانهيار السريع لأي مقاومة.. الخ) ولا العوامل التراكمية دائمًا، بل الأحداث منخفضة الاحتمال عالية التأثير، التي تظهر على نحو مفاجئ وتعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي بصورة لا رجعة فيها. هذه الأحداث لا يمكن فصلها عن الإرادة الفاعلة لأفراد أو جماعات صغيرة تتحمل المخاطرة وتخضع نفسها لعدم اليقين، وهي وحدها القادرة على إنتاج تحولات تاريخية لا تخضع للتوقع الإحصائي ولا لآليات النظام الاجتماعي.
مما سبق، يمكن مقاربة ثورة نوفمبر 1954 كتطبيق عملي لما يسمى في نظرية المخاطر "الرهان اللاخطي" Convex Payoff أي المغامرة التي يقوم بها فاعلون قلّة العدد، ذو قابلية لتحمل الخسائر على المستوى الفردي، مقابل احتمال تحقيق عائد جماعي كبير وغير قابل للعكس irreversible (مثل طرد احتلال، احد اكتشاف علاج .. الخ). في هذه الاستراتيجية، تكون الخسارة محصورة على الأطراف المعرضة مباشرة للمخاطر، بينما يكون الربح في حال تحققه عاماً. بهذا المعنى، لا تمثل الثورة تعبير عن قوة الأغلبية بالضرورة، بل تجسيداً لفعل أقلية مستعدّة للمخاطرة القصوى وليس لديها أي شيء لتخسره، في ظل بيئة يغلب عليها اليقين البنيوي لصالح القوة الاستعمارية ذات القوة الكاسحة على كل المستويات.

القوة الاستعمارية، رغم تفوّقها المادي والعسكري والاحلاف التي تقف ورائها، تظل بنية هشة لأنها استمرار لنمط من السيطرة (عنف، تجهيل، تمييز عنصري.. ) يتطلب استقرار دائم وأي خرق له الاستقرار كاف لإحداث هزة في شرعيتها. اشباه هذه المنظومات غير قادرة على امتصاص الصدمات الداخلية وتحولات الفعل غير المتوقع.. أمّا الفعل الثوري، فيستمد قوته من الفوضى واللايقين، ويملك القدرة على تحويل الصدمات الصغيرة إلى أثر تراكمي يُضعف المنظومة الأكبر ككل. لا تكمن قوة المقاومة "اللامتماثلة" asymmetrical في موازنة القوة عسكريُا، بل في خلق الفوضى الكافية لإرباك البنية المسيطرة بشكل يزيل وهم الاستقرار. لم يكن هدف الثورة النصر العسكري، فالمواجهة لم تكن بين جيشين نظاميين، الهدف دحض أي ادعاء فرنسي بإمكانية فرض الامن والنظام في البلاد المحتلة وعلى دمج الانديجان في مؤسساته.
الفاعلون الثوريون لم يساهموا بالخطاب ونشر الرأي، بل تحملوا شخصياً تبعات الفشل وخاطروا بحياتهم. هذا التحمّل ليس تفصيل أخلاقي، بل هو شرط بنيوي في صناعة التاريخ، لا تحدث الانقلابات التاريخية من دون أطراف مستعدة لدفع ثمن تعرضها للمخاطر. الأغلبية لا تصنع الفعل الثوري، بل تحتضنه. وحدها الأقلية التي تمتلك هذا القدر من الالتزام الوجودي هي القادرة على تحريك التاريخ لأنها الوحيدة التي تقف على حافة الاحتمال، لا على أرضية اليقين.
من هنا، نفهم المشكل مع السرديات والكتابات التي تعيد تأويل الأحداث التاريخية بأثر رجعي، وتحول ما كان مقامرة خطيرة أنذاك إلى نتيجة حتمية أو ضرورة تاريخية فيما يُسمى "وهم السردية" Narrative Fallacy، أي تحويل اللامتوقع إلى حتمي ولا مفر منه، بعد وقوعه. ثورة نوفمبر لم تكن حدثاً مقدّرا في بنية الاستعمار، بل كان انتهاكاً لكل حساب عقلاني. كانت خطوة أقرب إلى الخسارة المؤكدة منها إلى النجاح، غير أن عدم قابليتها للتوقع هو ما سمح لها بأن تكتب صفحة جديدة في تاريخ حركات التحرر. إن ما يُروى الیوم كضرورة لا مفر منها، كان بالأمس يُعتبر مخاطرة كبيرة ولاعقلانية. 
تكمن أهمية ثورة أول نوفمبر في كونها ترجمة سياسية لفكرة في فلسفة التاريخ، هي أن التغيير الجذري لا يصنعه النظام Order، بل الصدمة Shock ، ولا تحركه الأغلبية وتخطيطها الآمن، بل الأقلية المعرضة للمخاطر، وهو لا ينتمي إلى مجال المتوقع، بل يقع على هامش عينة الاحداث الاعتيادية، من خارج الحسابات العقلانية ومن المخاطرة. ما لم يُفهم التاريخ بوصفه نتاجاً لمثل هذه العمليات اللاخطية، سيظل الخطاب التاريخي حبيس الحتميات الزائفة، وأعمى عن القوى التي تصنعه بالفعل.

سيدي علي بلخراج ..

يُعتبر اختيار الولي الصالح **سيدي علي بخراج** الاستقرار في منطقة "الضاية"بدلاً من "مزاورو" جزءاً من النمط الاجتماعي الذي...