الأحد، 23 نوفمبر 2025

نص حر ...

حين لا نُصرّف الضغوط التي تأكلنا من الداخل!

لماذا يصاب الإنسان بالسرطان بعد صدمة مفاجئة؟ ولماذا ننام أحيانًا لساعات طويلة ثم نستيقظ أكثر دوارًا وإرهاقًا مما كنا عليه؟ ولماذا يمرض كبار السن ويموتون منهكين وهل هذا طبيعي؟

أسئلة تبدو متباعدة، لكنها في الحقيقة مشدودة بخيط واحد… وحين نبحث عن جذورها، نحتاج أن نعود خطوة إلى الوراء.

"في الماضي، حين كانت مجتمعاتنا ريفية بالكامل تقريبًا، عاش الناس حياةً صلبة لكنها متوازنة: يركضون وراء المواشي، يحملون التبن، ويعملون في الحقول. وحين يتعبون، ينامون بعمق كالأطفال. الحركة اليومية كانت تتكفّل بتصريف التوتر الطبيعي دون تخطيط أو نية.

لكن كل شيء تغيّر فجأة. اليوم، الإنسان الحديث يعيش مفارقة قاسية: جسده بالكاد يتحرك، حبيس المكاتب والسيارات المكيّفة، بينما رأسه يركض في سباق محموم: اجتماعات، إش3ارات، أخبار متسارعة، ديون، ومؤامرات عمل. ومع هذا الاحتراق الداخلي الصامت، لا عجب أن نسمع عن أصدقاء في الأربعين يسقطون فجأة بأزمات قلبية. فما نراه «فجأة» ليس إلا الانفجار الأخير لتراكم طويل من الضغوط التي لم تُصرّف.

🔹 الطبيب المجري- الكندي جابور ماتي يلخّص هذه المأساة في كتابه «عندما يقول الجسد لا». يؤكد أن من يعجز عن قول «لا» في حياته اليومية، سيقولها جسده لاحقًا على شكل مرض. و«لا» هنا ليست مجرد رد على الناس، بل موقف من عاداتنا اليومية التي تستنزفنا: العمل المفرط، الضغوط التي لا تنتهي، التأخر في النوم، الأكل الانتقامي...كل ذلك تحميل للجسد فوق طاقته، حتى ينهار في النهاية ويُعلن استسلامه بلغة المرض.

👈روبرت سابولسكي وصف ما نعيشه بدقة في كتابه «لماذا لا تصاب الحمير الوحشية بالقرحة؟»: الغزال يهرب من النمر للحظات، يفرغ طاقته، ثم يعود للهدوء كأن شيئًا لم يكن. أما نحن، فقد أبقينا زرّ الطوارئ مضغوطًا طوال الوقت: قلق مستمر، إش3ارات لا تنتهي، سباقات وهمية في الطرقات، وانتظار ردود فورية. صرنا مدمنين على جرعات صغيرة من الأدرينالين نبقي بها أجهزتنا العصبية في حالة استنفار قصوى.

وهذا التجاهل المستمر لآثار الضغط المحتبس هو الذي يقودنا إلى الحقيقة التي نتهرّب منها: الجسد لا ينهار فجأة، بل بالتدريج، بعد أن يرسل لك عشرات الإنذارات التي قررت تجاهلها واحدًا تلو الآخر.

– هل تنام ساعات طويلة لكنك تستيقظ مرهقًا؟ ربما يكون السبب ارتفاع الكورتيزول ليلًا بسبب التوتر المزمن، فيمنع جسدك من الدخول في النوم العميق المرمّم.
– هل يتساقط شعرك بكثرة مؤخرًا؟ الإجهاد المزمن قد يربك دورة نموّ الشعر ويُدخل البصيلات في مرحلة خمول مبكرة.
– هل تشعر برغبة مستمرة في الأطعمة السكرية؟ الجسم يحاول تعويض الضغوط عبر مكافآت سريعة من الأكل.
– هل تصاب بنزلات برد متكررة؟ الضغط المزمن والتغذية السيئة يثبطان جهازك المناعي فيجعلك أضعف أمام الفيروسات.
– هل تشعر أن ذاكرتك القصيرة ضعفت فجأة؟ الإفراط في التوتر يرفع الكورتيزول الذي يؤثر مباشرة على «الحُصين» المسؤول عن الذاكرة.
– هل يهاجمك القولون العصبي؟ قد لا يكون السبب في الطعام الذي أكلته، بل في القلق الذي يأكلك من الداخل.
– هل يبقى وزنك ثابتًا رغم كل محاولاتك لتخفيضه؟ قد تكون إشارة إلى فوضى هرمونية سببها الإجهاد المستمر.

👈كلها ليست أعراضًا منفصلة، بل لغة واحدة تقول: «لقد تجاهلتني طويلًا». العلم اليوم يؤكد أن أكثر من 90% من الأمراض المزمنة ليست قدرًا، بل نتيجة مباشرة لنمط حياة غير صحي وضغط مزمن لم يُصرّف.

هنا يأتي الطبّ الوظيفي ليضع خريطة أعمق: لا يسأل عن الأعراض فقط، بل عن حياتك كلها - نومك، غذاءك، عملك، علاقاتك، ضغوطك - الهدف ليس إسكات الجرس، بل معرفة لماذا يقرع؛ ليس تسكين المرض، بل اجتثاثه من جذره.
والحل ليس في الهروب إلى عطلة مؤقتة، بل في إعادة بناء روتين يومي لتصريف الضغوط عبر أربع قنوات:

• التصريف الجسدي:
الحركة اليومية - مشي، جري، سباحة، أو حتى تنفّس عميق - هي الطريقة الفطرية التي يفهم بها الجسد أن الخطر انتهى. ويمكن أن يكون أيضًا في أنشطة بسيطة مثل تنظيف البيت بوعي، غسل السيارة، صعود الدرج بدل المصعد، أعمال البستنة...

• التصريف العصبي:
النوم العميق المنتظم هو أقوى دواء يعيد للجهاز العصبي توازنه. وهناك وسائل مساعدة مثل القيلولة القصيرة، أو خلق «طقوس ما قبل النوم» (قراءة كتاب ورقي، إطفاء الأجهزة الإلكترونية، تهوية الغرفة).

• التصريف العاطفي:
الكلام الصادق، البكاء، الكتابة، أو الإبداع الفني تفتح قنوات التعبير بدل الكبت. مجرد تسمية مشاعرك («أنا غاضب، أنا قلق») تخفّف نشاط اللوزة الدماغية. ويمكن الاكتفاء بمحادثة صديق، أو كتابة رسالة، ممارسة الإمتنان (حمد النعم)، أو الغناء بصوت عالٍ في سيارتك أو حين تكون وحيدا😄.

• التصريف الواعي:
التأمل، الصلاة بخشوع، الوجود في الطبيعة وغيرها تنشّط العصب الحائر وتعيد الجسد إلى وضع الراحة. ومن الأمثلة: اليقظة أثناء الأكل، فعل الأشياء ببطء، مراقبة الغروب دون هاتف، أو خمس دقائق جلوس صامت مع وعي كامل بنبض قلبك.

قدرة الجسد على التعافي مذهلة. خلايانا تتجدد باستمرار، وأجهزتنا تعيد ترميم نفسها إذا منحناها الفرصة. مهما كانت الفوضى التي عشناها، يمكن للجسد أن يستعيد توازنه بسرعة إذا توقفنا عن إهماله وفتحنا له قنوات للتصريف.

🔹كان هذا نصًا من كتابي "رفاهية هادئة". وفي "تين شوكي" الذي سبقه كتبتُ نقلًا عن الدكتور كريستيان شال - مؤلف أكثر من ثلاثين كتابًا في الصحة قوله:

👈«إذا كنت تأكل أي طعام وتكتم غضبك في الداخل، وتحمل معك مشاعر الكراهية والخوف والرغبة في التحكم بكل شيء، فحتمًا سيقودك هذا الأسلوب السيئ في الحياة، في لحظة ما، إلى ظهور المرض. فالمرض في الحقيقة إشارة تحذيرية، أشبه بمصباح أحمر يومض في لوحة القيادة لينبّهك إلى أن هناك خللًا يجب إصلاحه، لقد أدركتُ شخصيًا أن العلاجات يمكن أن تخفف الألم وتمنح بعض الارتياح، لكن الشفاء الحقيقي شيء مختلف تمامًا.

الشفاء يعني أن نسمح للجسد بأن يتجدد، لأنه يعرف كيف يقوم بذلك. ولأجل أن يتمكن من ذلك، لا بد من اعتماد نهج شامل وكلي، صحيح أن العناية بالجسد ضرورية، لكن من الخطأ الاعتقاد بأنها تكفي وحدها. فحتى لو اتبعت نظامًا غذائيًا صحيًا، وصُمت، ومارست الرياضة، وخضعت لجلسات تدليك… فإن كل ذلك لن يكون كافيًا إذا أهملت جسدك العاطفي.

يمكن أن يمرض الإنسان لأسباب لا علاقة لها بالجسد، بل بسبب مشاعر مكبوتة لم تجد مخرجًا لها. لقد تعلمنا أن نخفي أصواتنا، أن نتوقف عن الصراخ، أن نمنع أنفسنا من البكاء، وأن نتصرف كما فعل آباؤنا ونقول: «لا شيء يحدث». وهكذا ندخل في دوامة من التوتر، ونتأقلم مع قالب حياتي غربيّ يقوم على فكرة أن الحياة صعبة، وأن كل شيء قائم على المنافسة.

ومع الزمن، نفقد القدرة على التواصل مع أجسادنا. وانظروا إلى ما وصلنا إليه: عدد كبير من كبار السن يزداد وزنهم، ويعتمدون على الأدوية، ويعيشون حياة صحية سيئة. بينما في الحقيقة، لم نُخلق لنشيخ ونمرض بهذا الشكل. لا يوجد ما يجعل الشيخوخة مترادفة مع المرض. فإذا كنا نكبر ونمرض، فهذا غالبًا نتيجة لعاداتنا التي تقودنا إلى ذلك.

👈وإجابة عن السؤال الأول الذي بدأ به المنشور :
حين يبحث الأطباء خصوصا في أوروبا اليوم في جذور الأمراض المزمنة - وعلى رأسها السرطان - لا يبدأون بالسؤال عن التحاليل فقط، بل يسألون أوّلًا: هل كان هناك حدث عنيف؟ فقدان شخص بشكل مفاجئ؟ صدمة قوية؟ خسارة فادحة؟
فعندما يواجه الجسد صدمة لا يملك لها مخرجًا، ويُجبر على ابتلاعها بدل تصريفها، يدخل في حالة انهيار مناعي تدريجي. يصبح جهاز المناعة هشًّا ومُنهكًا… وفي هذه اللحظة، يصبح أي مرض عضال قادرًا على افتكاك الجسد بسهولة أكبر.
لهذا تذكّر جيدا : الضغط المحتبس يهيّئ الأرض، والصدمة تسقط آخر الجدران، فحاول تصريف الضغوط داخلك بكل الطرق المتاحة

👈وإن سألتك الآن بكل صدق: كم تقيّم نمط حياتك الصحي من 100؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نص حر ...

حين لا نُصرّف الضغوط التي تأكلنا من الداخل! لماذا يصاب الإنسان بالسرطان بعد صدمة مفاجئة؟ ولماذا ننام أحيانًا لساعات طويلة ثم نستيقظ أكثر دوا...