السبت، 1 نوفمبر 2025

كتابة التاريخ ... مولود مدي

تقوم معظم المقاربات التقليدية في كتابة التاريخ على فرضية أن التحولات التاريخية الكبرى تنتج عن تراكم طويل الأمد لقوى بنيوية، أو بفعل ضغط اجتماعي متصاعد. هذا التصور، القائم على السببية الخطية، يغفل غالبًا الدور الحاسم للأحداث النادرة عالية الأثر التي تقتحم المسار السابق وتعيد ترتيبه. التاريخ لا تصنعه المتوسطات averages ("المتوسط" في الجزائر سنة 1954 هو: الأغلبية صامتة، موازين القوة لصالح الاحتلال، التوقعات العقلانية ترجّح الانهيار السريع لأي مقاومة.. الخ) ولا العوامل التراكمية دائمًا، بل الأحداث منخفضة الاحتمال عالية التأثير، التي تظهر على نحو مفاجئ وتعيد تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي بصورة لا رجعة فيها. هذه الأحداث لا يمكن فصلها عن الإرادة الفاعلة لأفراد أو جماعات صغيرة تتحمل المخاطرة وتخضع نفسها لعدم اليقين، وهي وحدها القادرة على إنتاج تحولات تاريخية لا تخضع للتوقع الإحصائي ولا لآليات النظام الاجتماعي.
مما سبق، يمكن مقاربة ثورة نوفمبر 1954 كتطبيق عملي لما يسمى في نظرية المخاطر "الرهان اللاخطي" Convex Payoff أي المغامرة التي يقوم بها فاعلون قلّة العدد، ذو قابلية لتحمل الخسائر على المستوى الفردي، مقابل احتمال تحقيق عائد جماعي كبير وغير قابل للعكس irreversible (مثل طرد احتلال، احد اكتشاف علاج .. الخ). في هذه الاستراتيجية، تكون الخسارة محصورة على الأطراف المعرضة مباشرة للمخاطر، بينما يكون الربح في حال تحققه عاماً. بهذا المعنى، لا تمثل الثورة تعبير عن قوة الأغلبية بالضرورة، بل تجسيداً لفعل أقلية مستعدّة للمخاطرة القصوى وليس لديها أي شيء لتخسره، في ظل بيئة يغلب عليها اليقين البنيوي لصالح القوة الاستعمارية ذات القوة الكاسحة على كل المستويات.

القوة الاستعمارية، رغم تفوّقها المادي والعسكري والاحلاف التي تقف ورائها، تظل بنية هشة لأنها استمرار لنمط من السيطرة (عنف، تجهيل، تمييز عنصري.. ) يتطلب استقرار دائم وأي خرق له الاستقرار كاف لإحداث هزة في شرعيتها. اشباه هذه المنظومات غير قادرة على امتصاص الصدمات الداخلية وتحولات الفعل غير المتوقع.. أمّا الفعل الثوري، فيستمد قوته من الفوضى واللايقين، ويملك القدرة على تحويل الصدمات الصغيرة إلى أثر تراكمي يُضعف المنظومة الأكبر ككل. لا تكمن قوة المقاومة "اللامتماثلة" asymmetrical في موازنة القوة عسكريُا، بل في خلق الفوضى الكافية لإرباك البنية المسيطرة بشكل يزيل وهم الاستقرار. لم يكن هدف الثورة النصر العسكري، فالمواجهة لم تكن بين جيشين نظاميين، الهدف دحض أي ادعاء فرنسي بإمكانية فرض الامن والنظام في البلاد المحتلة وعلى دمج الانديجان في مؤسساته.
الفاعلون الثوريون لم يساهموا بالخطاب ونشر الرأي، بل تحملوا شخصياً تبعات الفشل وخاطروا بحياتهم. هذا التحمّل ليس تفصيل أخلاقي، بل هو شرط بنيوي في صناعة التاريخ، لا تحدث الانقلابات التاريخية من دون أطراف مستعدة لدفع ثمن تعرضها للمخاطر. الأغلبية لا تصنع الفعل الثوري، بل تحتضنه. وحدها الأقلية التي تمتلك هذا القدر من الالتزام الوجودي هي القادرة على تحريك التاريخ لأنها الوحيدة التي تقف على حافة الاحتمال، لا على أرضية اليقين.
من هنا، نفهم المشكل مع السرديات والكتابات التي تعيد تأويل الأحداث التاريخية بأثر رجعي، وتحول ما كان مقامرة خطيرة أنذاك إلى نتيجة حتمية أو ضرورة تاريخية فيما يُسمى "وهم السردية" Narrative Fallacy، أي تحويل اللامتوقع إلى حتمي ولا مفر منه، بعد وقوعه. ثورة نوفمبر لم تكن حدثاً مقدّرا في بنية الاستعمار، بل كان انتهاكاً لكل حساب عقلاني. كانت خطوة أقرب إلى الخسارة المؤكدة منها إلى النجاح، غير أن عدم قابليتها للتوقع هو ما سمح لها بأن تكتب صفحة جديدة في تاريخ حركات التحرر. إن ما يُروى الیوم كضرورة لا مفر منها، كان بالأمس يُعتبر مخاطرة كبيرة ولاعقلانية. 
تكمن أهمية ثورة أول نوفمبر في كونها ترجمة سياسية لفكرة في فلسفة التاريخ، هي أن التغيير الجذري لا يصنعه النظام Order، بل الصدمة Shock ، ولا تحركه الأغلبية وتخطيطها الآمن، بل الأقلية المعرضة للمخاطر، وهو لا ينتمي إلى مجال المتوقع، بل يقع على هامش عينة الاحداث الاعتيادية، من خارج الحسابات العقلانية ومن المخاطرة. ما لم يُفهم التاريخ بوصفه نتاجاً لمثل هذه العمليات اللاخطية، سيظل الخطاب التاريخي حبيس الحتميات الزائفة، وأعمى عن القوى التي تصنعه بالفعل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تاريخ التنوير الاوروبي بقلم حس سليم

تاريخيًا، ينقسم التنوير الأوروبي إلى فرعين أساسيين: التنوير الفرنسي، وأهم رموزه فولتير وديدرو ومونتسكيو، وكثيرًا ما يُضاف إليهم ...