الثلاثاء، 30 يونيو 2026

حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيراني وتحقيقه لنتائج غير متوقعة!

ومن هنا يتجدد السؤالان الكبيران:

إذا كانت إيران استطاعت بالسيطرة على مضيق هرمز أن تحقق هذا الإنجاز، فلماذا لم يستطع أصحاب المضايق الأخرى أن يفعلوا شيئا لغزة ولا حتى لأنفسهم؟

وأقل من شأن إيران، شأن اليمن، فهؤلاء الحوثيون، قد استعملوا سيطرتهم على باب المندب لمنع السفن الإسرائيلية من العبور خلال المضيق، بل هاجموا مدمرة أمريكية، حتى توصلوا مع الأمريكان لاتفاق منفرد لمنع الهجوم دون أي مكسب إسرائيلي!!

الآن: أين الذين يسيطرون على مضايق تيران، قناة السويس، جبل طارق؟!! لماذا لم يخطر ببالهم استعمال هذه المضايق لتعظيم نفوذهم الإقليمي والدولي؟!!

قبل قليل كنتُ أرتب بعض ملفاتي، فوجدت بحثا منشورا في مجلة "فلسطينيات" بعنوان "مضيق تيران في نظر القانون الدولي" كتبه فايز صايغ، في مايو 1967م، أي قبيل النكبة الثانية في يونيو 1967م.. لقد كان بحثا مكتوبا في زمن "المواجهة"، فأما الآن فإن النخبة العربية نفسها هي التي تشرعن عدم سيطرتنا على مضايقنا البحرية، وتخبرنا عن اتفاقيات قديمة (كاتفاقية القسطنطينية) لتقنعنا أنها تسمح لإسرائيل بالمرور في قناة السويس رغما عنا، مع إن إسرائيل نفسها وُجِدت بعد الاتفاقية، بل بعد انهيار الدولة العثمانية كلها!!

لا أدري، هل سيكون الجيل القادم واعيا ليعرف الحقائق، أم سيتساءل بدهشة: لماذا لم نغلق هذه المضايق؟!.. ثم يا ترى كيف ستكون صدمته إذا عرف أننا استخدمنا هذه المضايق، وفوقها ممرات برية بديلة لإنقاذ إسرائيل، وأن شبكة الموانئ والسفن العربية قد نظمت نفسها بحيث لا تتأثر إسرائيل بالإغلاق الجزئي الذي نفذه الحوثي عند باب المندب؟!!

وأما سؤال التفاوض، فهو يجدد في أذهان الناس سيرة السادات، ثم عرفات، ثم الملك حسين، ثم موجة التطبيع الأخيرة: الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ومؤخرا: لبنان!

كل قصة من هذه القصص، هي وحدها بقعة سواد كبيرة تلطخ فاعليها إلى يوم الدين.. وفي كل قصة من العجائب والغرائب والمخازي ما يبدو مذهلا ومثيرا للتقزز.. ولا يحتمله المقام!

والمقارنة هنا بين هذا وبين سلوك المفاوض الإيراني الذي كان العالم يترقب فعليا انهيار نظامه، ولا يزال التهديد النووي قائما، يزيد المرارة في الحلوق، ويطرح السؤال: لماذا لم يكن في هؤلاء القادة متصلبون يحاولون حتى انتزاع المكاسب لأنفسهم.. لماذا فرطوا بهذه السهولة؟ ولماذا فرطوا كل هذا التفريط بغير مقابل حقيقي؟ ثم لماذا لا يزالون متمسكين بهذه الاتفاقيات مع أن الصهاينة أشبعوها خرقا وتمزيقا واستخفافا؟!!

طعم الخيانة مرير كالعلقم! ولكنه يبدو أشد مرارة حين ترى من يتصلب ويدافع عن نفسه ويحفر في الصخر مهما قلّ ما بيده!! ولذلك صدق القائل: ودت العاهرة لو زنت النساء جميعا!!

من كان صاحب غيرة على الإسلام والسنة حقا، فلن تراه يطعن في إيران ويستخف بما فعلت، لكي لا يفتن الناس بالشيعة المبتدعة.. بل ستراه محترقا ملتهبا يسأل: لماذا لم يكن "أهل السنة" مثل ذلك؟.. وساعتها سيعرف مباشرة أن نسبتهم إلى أهل السنة إنما هي زور وبهتان، فما حقيقة انتسابهم إلا إلى الصهاينة والصليبيين!!

وساعتها، لئلا يفتن الناس بإيران أو بالشيعة، سيكون معظما لكل حركة سنية مقاومة، وفي طليعتها: هذه الحركة الخضراء التي تُركت تذبح وتُحرق وتُقطع على مرأى ومسمع -بل بمعاونة ومساعدة- من هؤلاء المنسوبين زورا إلى الإسلام وإلى السنة!!

الأحد، 21 يونيو 2026

خطورة كتمان العلم وتحريف الدين .. بقلم محمد الهامي


إن التحريف والتبديل في غاية الخطورة، أن ترفع شيئا وتضع شيئا لم يقُله الله، بل قال غيره، فترفع أنت ما وضعه الله وتضع شيئاً من عندك! هذا وضع مؤسف وخطير.

إن ثمة من يهاجم السنة النبوية، يقول: لا أدري ما هو الصحيح وما هو الخاطئ، هذا صحيح وهذا ضعيف، فلنترك السنة كلها. إن مثل هذا كالذي لما سمع رجلا يقول: هذا ابني وهذا ليس ابنا لي، قال له: دعك من هؤلاء جميعا، فليسوا بأبنائك!!

إن الاعتراف ببنوة أحدهم ونفي بنوة الآخر، يثبت أن الرجل يعرف أبناءه وأنهم معروفون معدودون، فالحديث إذا قيل: حديث صحيح وحديث ضعيف وحديث حسن وحديث كذا وحديث كذا، فهذا معناه أن الأحاديث معروفة. ولذلك لما أُمِر بقتل زنديق قال لهم: “أين أنتم من ألف حديث وضعتها فيكم أُحرِّم فيها الحلال وأُحلُّ فيها الحرام ما قال النبي منها حرفاً”؟ فقال له هارون الرشيد: “أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً”. فإن العلماء وضعوا علم الرجال فيعرفون مَن روى عن مَن، ومَن سمع مِن مَن.

هل تظن أن الحديث الذي تقرؤه أتى هكذا؟ لا، إنما الحديث الذي يقال معروف مَن سمعه من النبي، ومَن سمعه منه، ومَن سمعه مِن الثاني، وهكذا سلسلة السماع حتى وصلت للكتاب الذي سُطِّرت فيه كالبخاري وغيره، ثم طُبعت وصارت مشتهرة بين الناس.. هذه السلسلة من السند معروف أشخاصها، أسماؤهم وأحوالهم ورحلاتُ سفرهم وما درسوه، وهل مرض قبل موته أم لا، ومنهم -مثلاً- من عاش ثمانين سنة، فنحن نتتبع حياته ولو وجدناه ظل سبعين عاماً صالحاً وتقياً ونقياً وورعاً وإماماً في العلم، ثم غاب عنا خبره وجهلنا تاريخه في العشر سنين الأخيرة من عمره.. هذا الرجل، لو كان موجوداً في سلسلة السند لا تُقبل روايته إلا حين نعرف هل روى هذا الحديث في السبعين عاماً الأولى، وما لم نعرف هذا فلا تؤخذ منه الرواية.

إن علماء الحديث يعرفون رواة السند أكثر مما يعرف الداعية من يحضرون دروسه، أكثر مما أعرف أنا من يحضرون أمامي جميعاً.

هذا التشكيك في الدين يُقصد به اختلال الدين، فانتبهوا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* حازم صلاح أبو إسماعيل، ما لا نعرفه عن رسول الله ﷺ، تحرير: محمد إلهامي، هدية العدد 12 من مجلة كلمة حق، يوليو 2018.

الاثنين، 1 يونيو 2026

عشرة سنوات بعد قيام الخلافة .. محمد التهامي

بعد عشرة أعوام من قيام الخلافة... كيف سيبدو المشهد ..؟
___________
عشر سنوات ليست زمنا طويلا في عمر الأمم، لكنها كافية لتكشف ملامح المشروع الذي قامت عليه الدولة ..وتبين اتجاهها الحضاري والسياسي. فكيف يمكن أن نتصور المشهد لو أن الخلافة الإسلامية قامت واستقرت عشرة أعوام ..؟

لنتخيل طفلا ولد يوم إعلان قيام الخلافة ..وقد بلغ اليوم عام العاشر. هذا الطفل لم يعرف الحدود التي مزقت الأمة ..ولم يترب على خرائط التجزئة التي قسمت المسلمين إلى عشرات الكيانات المتنافسة. نشأ وهو يرى أمة واحدة ودولة واحدة ..وجيشا واحدا وراية واحدة.

بعد عشر سنوات .. تكون الخلافة قد تجاوزت مرحلة التأسيس الأولى ..وانتقلت إلى مرحلة البناء والاستقرار. فتتوحد السياسات العامة ..وتصبح شؤون الأمة تدار من مركز سياسي واحد ..بعد أن كانت موزعة بين عواصم متناحرة ومصالح متضاربة. ويغدو المسلم في أقصى الشرق يشعر أنه ينتمي إلى الكيان السياسي نفسه الذي ينتمي إليه أخوه في أقصى الغرب.

اقتصاديا ..تبدأ ثروات الأمة بالتحول من أدوات للنفوذ الأجنبي إلى وسائل لخدمة الناس وتنمية البلاد ..وتدار الموارد الكبرى باعتبارها ملكية للأمة ..فتوجه لخدمة مصالحها بدلا من أن تكون مصدرا لإثراء الشركات العابرة للحدود أو القوى الدولية المتنفذة.

أما في التعليم، فتظهر ملامح جيل جديد يجمع بين الاعتزاز بعقيدته والتمكن من العلوم الحديثة. جيل لا يرى تعارضا بين الإيمان والتقدم ..ولا بين الانتماء للإسلام والإبداع العلمي ..بل يعتبرهما وجهين لمشروع حضاري واحد.

وفي ميدان السياسة الدولية ...تكون الدولة قد فرضت حضورها بوصفها قوة مؤثرة في العالم ..تحسب مواقفها وتدرس سياساتها .. بعد أن كانت بلاد المسلمين ساحة مفتوحة للتدخلات الأجنبية والصراعات الدولية.

وعلى المستوى الاجتماعي ...تتراجع العصبيات القومية والإقليمية والمذهبية أمام رابطة الإسلام الجامعة ..ويزداد الشعور بالانتماء إلى أمة تحمل رسالة واحدة ومصيرا واحدا.

غير أن هذه الصورة لا تعني أن جميع المشكلات قد اختفت ..أو أن التحديات قد انتهت. فكل دولة تواجه عقبات داخلية وخارجية .. وكل مشروع حضاري يمر بمراحل من الاختبار والصراع. لكن الفارق الجوهري أن الأمة تكون قد استعادت زمام أمرها .. وأصبحت هي صاحبة القرار في رسم مستقبلها وتحديد وجهتها.

إن السؤال الحقيقي ليس كيف سيبدو المشهد بعد عشر سنوات من قيام الخلافة ..بل كيف سيبدو حال الأمة إذا استمرت عشر سنوات أخرى في واقع التبعية والتجزئة والارتهان ..؟ فبين هذين المشهدين يتحدد الخيار ..وتتضح الطريق وتبرز مسؤولية العاملين للتغيير .

#𝓐𝓵𝓲𝓣𝓸𝓾𝓱𝓪𝓶𝓲𓂃𓄿 ✍️علي التهامي

حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيرا...