المشكلة أن الطرفين، رغم اختلافهما، يرددان في النهاية الرواية نفسها. وهي في الحقيقة بروباغاندا صاغها عصر التنوير (خاصة الفرنسي) عن الكنيسة وأوروبا في القرون الوسطى.
أولًا: هل كانت الكنيسة عدوًا للعلم؟
تقوم الرواية الشائعة على أن الكنيسة كانت تعادي العلم، وأن هذه العداوة تفسر حالة أوروبا خلال القرون الوسطى. لكن هذه الصورة تتجاهل جانبًا أساسيًا من الواقع الأوروبي في ذلك الوقت.
فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، دخلت أوروبا في قرون من الاضطراب السياسي والاقتصادي، وتفككت مؤسسات كثيرة كانت موجودة في العصر الروماني. وفي هذا السياق، كانت الكنائس والأديرة والمؤسسات الدينية المؤسسات الوحيدة التي حافظت على التعليم والمعرفة ونقلتهما وسط كل تلك الفوضى. ولذلك، فإن تصوير الكنيسة باعتبارها مجرد قوة معادية للعلم لا يصمد أمام التاريخ نفسه.
خذ مثلًا روجر بيكون (1214-1292)، الذي كان راهبًا فرنسيسكانيًا ومن أبرز المدافعين عن أهمية الملاحظة والتجربة في دراسة الطبيعة في أوروبا الوسيطة. ثم هناك كوبرنيكوس (1473-1543)، رجل الدين الكاثوليكي وعضو مجلس كاتدرائية فرومبورك، وصاحب النموذج الشهير لمركزية الشمس.
وفي العصر الحديث نجد غريغور مندل (1822-1884)، أحد مؤسسي علم الوراثة الحديث، الذي كان راهبًا أوغسطينيًا، وجورج لومتر (1894-1966)، الذي ارتبط اسمه بنظرية الانفجار العظيم، وكان قسيسًا كاثوليكيًا.
وعدد كبير من العلماء والمفكرين الأوروبيين، مثل نيوتن وديكارت إلى غاليليو، تلقوا تعليمهم في مؤسسات دينية. وأولى الجامعات الأوروبية ظهرت في العصور الوسطى من رحم مؤسسة الكنسية، ومن أشهر هذه الجامعات بولونيا والسوربون وأكسفورد وكامبريدج.
هذا لا يعني، بالطبع، أن الكنيسة كانت دائمًا مؤيدة للعلم، أو أن أوروبا في القرون الوسطى كانت عصرًا ذهبيًا للعلوم. كما لا يعني أن الكنيسة لم تدخل في صراعات مع بعض الأفكار والعلماء. لكنه يكفي لإسقاط الصورة الساذجة التي تجعل «الكنيسة» و«العلم» طرفين متعارضين بطبيعتهما، وكأن الكنيسة لم يكن لها هدف في الوجود سوى قمع العلوم بشتى أشكالها.
دون أن ننسى أيضًا أنها كانت غير متحمسة لنشر المعرفة بين العوام، خشية إفسادهم بسبب عجزهم عن فهمها؛ وهي وجهة نظر نخبوية لم تكن غريبة في ذلك الوقت، ونجدها أيضًا لدى الفلاسفة المسلمين مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد والكندي.
أما الحجة الكبرى التي أقام عليها عصر التنوير هذه السردية، فهي محاكمة غاليليو وإعدام جيوردانو برونو. لكن حتى هاتين القضيتين أكثر تعقيدًا من الصورة الشائعة.
غاليليو لم يُعدم، كما هو شائع بين الناس، وإنما انتهت محاكمته بوضعه تحت الإقامة الجبرية. كما أن القضية لم تكن ببساطة: «غاليليو اكتشف حقيقة علمية، والكنيسة عاقبته لأنه اكتشفها». كانت هناك أيضًا مسألة تفسير النصوص الدينية، وسياق لاهوتي وسياسي معقد، فضلًا عن أن موقف الكنيسة من مركزية الشمس لم يكن ثابتًا منذ البداية.
أما جيوردانو برونو، الذي نشأ كراهب داخل الكنيسة، فقد أُعدم سنة 1600 بعد محاكمة طويلة، لكن قضيته لم تكن مجرد قضية علمية. فقد ارتبطت أساسًا بمعتقداته اللاهوتية والفلسفية وإيمانه بوحدة الوجود، وباتهامات بالهرطقة.
ولا يعني هذا تبرئة الكنيسة كمؤسسة من قمع بعض الأفكار والعلماء. لكن لو جعلنا من هذه الوقائع وحدها دليلًا قاطعًا على أن الكنيسة كانت «ضد العلم» بالمطلق، فعلينا أن نكون مستعدين لتطبيق المعيار نفسه على الأنظمة التي ظهرت لاحقًا باسم التنوير والعلمانية.
فقد أعدمت الثورة الفرنسية أنطوان لافوازييه، أحد أهم مؤسسي الكيمياء الحديثة، خلال فترة الإرهاب، ويُقال إن القاضي الذي حُكم عليه بالإعدام رد على من لفت انتباهه إلى أن لافوازييه عالم استثنائي بقوله: «الجمهورية ليست بحاجة إلى علماء».
وفي القرن العشرين، شهد الاتحاد السوفييتي بدوره مثالًا أكثر وضوحًا، حين ظهرت الحركة الليسينكوية التي حاربت علم الوراثة، وتعرّض علماء الوراثة للاعتقال والسجن والإعدام. وكان من أبرز ضحايا تلك الحملة عالم الوراثة نيكولاي فافيلوف، الذي مات في السجن سنة 1943. والسبب هو اعتبار علم الوراثة علمًا رجعيًا؛ لأنه يتحدث عن توريث الصفات، الأمر الذي يتعارض مع فكرة أن الإنسان هو بناء اجتماعي، التي تقع في صميم الفكر التنويري.
وكذلك يمكننا، بالمعايير نفسها، القول إن المؤسسات العلمية الغربية الحالية معادية للعلم لمجرد أنها تقدم الأيديولوجيا في قضايا التي تمس الجندر والصواب السياسي، وتطرد وتلاحق كل من يصر على إحدى أبسط الحقائق العلمية، مثل: ذكر وأنثى.
فكما أن هذه الأمثلة لا تعني أن الثورة الفرنسية أو الاتحاد السوفييتي أو الأكاديميات المعاصرة هي قوى مناهضة للعلم، فإن سردية أن الكنيسة كانت «ضد العلم» بالمعنى المطلق هي أيضًا سخيفة وأقرب إلى البروباغاندا الأيديولوجية. والحالتان تكشفان لنا فقط إلى أي مدى أن العلاقة بين السلطة والعلم أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية الساذجة والدعائية: «الكنيسة ضد العلم، والتنوير مع العلم».
ثانيًا: هل جاءت العلمانية لإنهاء الحروب الدينية؟
هذه السردية أيضًا تقوم على قدر كبير من التبسيط الذي لا يصمد أمام التاريخ. فالحروب التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم تكن مجرد حروب بين الكاثوليك والبروتستانت، كما أن إنهاءها لم يكن نتيجة لظهور العلمانية.
نعم، كان الدين عاملًا له أثره في الحروب الأهلية والصراعات بين الأوروبيين، لكن المؤرخين أصبحوا حاليًا يتجهون أكثر نحو الأخذ في الاعتبار الأسباب السياسية والسلالية والجيوسياسية. وأوضح مثال على ذلك فرنسا الكاثوليكية، التي تحالفت في مراحل مختلفة مع قوى بروتستانتية ضد إسبانيا وهابسبورغ النمسا الكاثوليكيتين. وهذا وحده يكفي لإظهار أن الانتماء المذهبي لم يكن المحدد الوحيد لسلوك الدول الأوروبية، وأن الأمر كان أكثر تعقيدًا من مجرد صراع ديني.
وأما الذي أنهى تلك الحروب إلى حد كبير، فهو صلح وستفاليا سنة 1648، الذي لم يكن إعلانًا عن فصل الدين عن الدولة، ولم يؤسس العلمانية بالمعنى الحديث. بل كان جزءًا من عملية أطول لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية والدينية، وتثبيت حقوق الأنظمة السياسية والأمراء في أوروبا، ورسّخ مبدأ «لمن الحكم له الدين» (cuius regio, eius religio)، الذي ظهر قبل ذلك في صلح أوغسبورغ سنة 1555، حين مُنح أمراء المقاطعات سلطة تحديد المذهب المعترف به على أراضيهم ضمن ترتيبات معينة.
ثم جاءت تسوية وستفاليا لتعيد تنظيم التوازن الديني والسياسي داخل الإمبراطورية، الأمر الذي انتهى في كثير من الأحيان إلى التضييق على الأقليات الدينية التي تخالف الدين الرسمي للدولة.
وهذا يكشف شيئًا مهمًا: ما كان يجري لم يكن انتقالًا من «الدين» إلى «العلمانية»، وإنما تحولًا تدريجيًا في بنية السلطة الأوروبية؛ من صراع قديم قدم الكنيسة حول من يملك السلطة النهائية: البابا أم الملك، رجل الدين أم رجل السياسة.
وانتهى الأمر إلى ترسيخ سيادة رجل السياسة، واحتكاره حق التشريع والجباية وتعيين رجال الدين وإدارة الشؤون العامة. وفي هذا المسار نشأت الدولة الوطنية الحديثة، وأخذت تفرض سلطتها تدريجيًا على المجال الديني، ولم يكن ذلك أبدًا نتيجة جاهزة لظهور العلمانية.
نشأت الدولة الوطنية الحديثة هي التي أنهت سلسلة الحروب الأهلية في أوروبا وليس العلمانية، لتبدأ بعد ذلك سلسلة الحروب ذات البعد الوطني والقومي التي لم تنتهي إلا بفضل الهيمنة الأمريكية (ابتعدنا عن الموضوع).
ثالثًا: كيف نشأت العلمانية إذن؟
هذا السؤال تمت الإجابة عنه عدة مرات في الصفحة، لكن نعيد ذلك بصيغة مختلفة لمن لم يكن متابعًا.
لا يمكننا فهم نشأة العلمانية دون فهم طبيعة المسيحية؛ فالعلمانية ليست مفهومًا مناقضًا للمسيحية، بل هي جزء أصيل من تكوينها الأول، فهي منذ نشأتها تفصل بين الديني والدنيوي، وتفصل بين الزمني والروحي.
واللفظ في حد ذاته نشأ من داخل الكنيسة نفسها للتمييز بين القساوسة الذين يعيشون بين الناس، والذين اعتُبروا كهنوتًا علمانيًا (Clerus Saecularis)، والرهبان المنعزلين في الأديرة، الذين اعتُبروا كهنوتًا منتظمًا (Clerus Regularis). ولهذا لم تكن هناك مفاجأة في ظهور العلمانية في البيئة المسيحية بالذات، فليس هناك أكثر طبيعية من العلمانية بالنسبة لمسيحي من الفترة المبكرة.
وبالتالي فإن الذي حدث في أوروبا ليس فصلًا للمسيحية عن الدولة، بل هو إما إخضاع لمؤسسة الكنيسة لسلطة الدولة، خاصة في الدول البروتستانتية، أو فصل الكنيسة عن الدولة، خاصة في الدول الكاثوليكية. وفي الحالتين، هو إقصاء لمؤسسة سلطوية أنشأتها روما لتكون أداة في خدمة الإمبراطورية.
أما المسيحية، فلا يوجد فيها ما يمكن إقصاؤه؛ فهي لا تملك كثيرًا ما يمكنها قوله عن الشأن العام، ولا شريعة فيها لحكم المدينة، وتنبذ السياسة، بل إنها تنبذ الحياة الدنيوية كلها. وبعزل المؤسسة السلطوية للكنيسة كما شيدتها الإمبراطورية الرومانية، لم يعد للمسيحية ما تقوله، وعادت إلى أصلها الأول: مجموعة من القيم المثالية + سيرة ذاتية لشخص (المسيح).
أما الإسلام، فهو مناقض تمامًا للمسيحية من هذه الناحية؛ فهو لا يفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ويعتبرهما شأنًا واحدًا، مثل أغلب الأديان الأخرى. كما أن الإسلام لا يعرف معنى مؤسسة دينية ذات شكل هرمي تنازع المؤسسة السياسية على الحكم، كما حدث طوال تاريخ أوروبا، مثل «صراع الكهنوت والإمبراطورية» (Sacerdotium et Imperium).
أما الفقهاء في التاريخ الإسلامي، فهم يمثلون سلطة رمزية وأخلاقية؛ بعضهم يكون في خدمة السلطة، وآخرون معارضون لها. وفي كل الأحوال، ليس لديهم سلطة سياسية حقيقية، والرأي في النهاية للحاكم.
لهذا من السخافة محاولة إسقاط العلمانية الأوروبية على العالم الإسلامي، وستظل هذه النقطة إحدى أسباب الاضطراب السياسي والاجتماعي ما لم يتم استيعاب أننا نتحدث عن تربة مختلفة تماما عن التربة المسيحية، وتحتاج لمنطق تفكير مختلف وأكثر إبداعا من الاستنساخ لايجاد حلول للمشاكل المعاصرة.