من أكثر المغالطات التي تتكرر اليوم القول إن ديغول هو الذي أسس للتعريب في الجزائر وكأن سياسة التعريب التي انتهجتها الدولة الجزائرية بعد الاستقلال كانت مشروعا فرنسيا.
والأخطر من ذلك هو التعامل مع تصريح المجاهد عبد الحميد مهري حول ديغول والتعريب وكأنه دليل على هذه الرواية.
تصريح مهري صحيح من حيث صدوره، لكن تم إخراجه من سياقه التاريخي والفكري بطريقة متعمدة حتى يعطي معنى لم يقصده صاحبه.
مهري كان يتحدث عن سياسة استعمارية فرنسية في السنوات الأخيرة من الاحتلال، وعن محاولة الإدارة الفرنسية توظيف تعليم اللغة العربية في إطار استراتيجيتها لاحتواء الثورة والحفاظ على نفوذها في الجزائر.
ففي 25 يوليو 1961 صدر في عهد ديغول المرسوم الفرنسي رقم 61-794 المتعلق بتدريس اللغة العربية في المدارس العمومية للمرحلة الابتدائية في الجزائر.
لكن هذا لا يعني أن ديغول اخترع فكرة التعريب أو أن التعريب الذي قامت به الجزائر بعد الاستقلال كان مشروعا فرنسيا.
فمطالب تعليم العربية وإعادتها إلى مكانتها كانت موجودة قبل ديغول بسنوات طويلة، وكانت جزءا من مطالب الحركة الوطنية وجمعية العلماء وغيرها من التيارات الوطنية.
بل إن برنامج طرابلس سنة 1962، عشية الاستقلال، أكد على التعريب وإعادة الاعتبار للغة العربية باعتبار ذلك جزءا من استعادة الشخصية والسيادة الوطنية.
وهنا تكمن المغالطة.
هناك فرق بين توظيف الاستعمار لتعليم العربية لأهداف سياسية وبين التعريب كخيار سيادي للدولة الجزائرية المستقلة.
ديغول لم يخترع التعريب الجزائري وفرنسا لم تمنح الجزائريين اللغة العربية بعد الاستقلال.
الجزائريون كانوا يطالبون بلغتهم قبل ديغول وقبل مشروع قسنطينة وقبل مرسوم 1961.
أما عبد الحميد مهري، الذي يُستشهد بكلامه اليوم لإثبات عكس ذلك، فقد كان نفسه من رجال الحركة الوطنية والثورة ومن الذين شاركوا بعد الاستقلال في مسار بناء الدولة وتعريب المدرسة والإدارة.
لذلك فإن اقتطاع جملة من كلام مهري وإسقاط سياقها التاريخي ثم تقديمها على أنها اعتراف بأن "ديغول هو الذي أسس للتعريب في الجزائر" ليس قراءة تاريخية نزيهة.
السياق هنا ليس تفصيلا ثانويا... السياق هو الذي يحدد معنى الكلام.
ومن يريد أن يناقش تاريخ التعريب في الجزائر فعليه أن يقرأه كاملا: مطالب الحركة الوطنية قبل الاستقلال، وسياسة فرنسا الاستعمارية في سنواتها الأخيرة، وتصريحات مهري في سياقها، ثم قرارات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.
أما تحويل تصريح واحد إلى حجة لإلغاء عقود من نضال الجزائريين من أجل لغتهم وهويتهم، فذلك ليس بحثا في التاريخ وإنما توظيف للتاريخ في معركة أيديولوجية معاصرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق