الثلاثاء، 7 يونيو 2016

هل الغني حر بماله ..... بقلم الباحث ابن قرناس

ثقافتنا الحالية تعتبر جمع المال غاية بذاتها، ونقيس نجاح الإنسان بقدرته على ذلك.


والمفهوم السائد اليوم هو أن الغني لو سكن قصرا جدرانه مطلية بالذهب وأوانيه من الذهب وسيارته بملايين الريالات ولبس أغلى المجوهرات، فهذا من باب إظهار نعمة الله عليه والتحدث بها مصداقاً لقوله تعالى : وأما بنعمة ربك فحدث.
فهل هذا ما تقوله الآية، وهل للغني الحق بصرف ماله كيفما يشاء؟
والمعتاد بيننا الآن هو أن أصحاب الأموال يوصون إخراج الثلث من أموالهم لتصرف – بعد موتهم – في أعمال يظنون أنها خيرية، وكأنهم بهذا أدوا ما عليهم في أموالهم لله. ولن نتحدث عن هذا لأننا سبق وبينا خطأ هذا المفهوم، في موضوع خاص بالوصية وأنها ليست للميت ولكنها للوالدين والأقربين.


وهنا سنحاول استعراض بعض الآيات ونرى ما الذي تقوله في الأموال، وهل لصاحب المال الحق في صرفه كيف يشاء وأين يشاء، كما يلي:
يقول تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً{26} إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً{27} وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً{28} وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً{29} إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً{30} بني إسرائيل.
الآية 26 تأمر بإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل (وكل محتاج) وتصف هذا الإيتاء بأنه حق مفروض لهم وليس تفضل من الغني، إن شاء فعله وله أجر وإن شاء منعه وليس عليه ذنب. بل هو واجب عليه.
وتنهى بشدة عن التبذير، في أي مجال.


وتصف الآية 27 المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، وكفروا بما أمر الله (الذي نهاهم عن التبذير).
ونهت الآية 29 عن التقتير والبخل على النفس والآخرين.
فالصرف المعقول على النفس والغير هو المطلوب.


ويقول تعالى في سورة النور:
{وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{22}.


الآية واضحة المعنى فهي تنهى أصحاب الأموال من الامتناع عن إيتاء أولي القربى والمساكين والمهاجرين (وكل أهل الحاجة). فهي تؤكد أن المال لصاحبه ما صرفه في ما أمر الله وفي وقت الحاجة للمحتاج، وليس بعد موته.
ويقول تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{31} قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{32} قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{33} الأعراف.
الآية 31 تأمر بالتزين لحضور المساجد، وتأمر بالأكل والشرب بالمعقول، وتنهى ألا نصل للإسراف في الأكل والشرب وغيره.
الآية 32 تقول أن التزين في الملبس حلال (ما دام في حدود المعقول) فيمكنني أن البس لباساً أنيقاً نظيفاً لكن سعره لا يصل للإسراف (اللبس يدخل في ذلك الساعة والمجوهرات والعطور ونحوها). ويمكن الأكل والشرب والمركب والمسكن بالمعقول كذلك. هذا هو الحلال البعيد عن الإسراف الحرام.


وسورة الزمر تؤكد أن كسب المال ليس غاية في الدنيا وعلى من يملك المال صرفه بالحق، وليس حفظه وجمعه:
{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ{47} وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون{48} فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ{49} قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ{50} فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ{51} أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{52} الزمر.
إذاً، المال هنا ليس أداة للتفاخر، ومن لا يصرفه في حقه فسيتحول فتنة لصاحبه وعذاب له يوم القيامة.
وتخبرنا سورة سبأ أن أصحاب المال والجاه هم من يحارب الدين لأنه يحد من تصرفهم بأموالهم كيفما يشاؤون:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ{34} وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ{35} قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{36} وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ{37} وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ{38} قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{39} سبأ.
الآية 34 أصحاب المال والجاه ضد الدين لأنه يحد من فسقهم.
الآية 35 قد يصل بالغني التفكير الخاطئ أنه يمكن له أن يصرف قليلا من أمواله في بعض مجالات الخير وسوف يغفر له الله ذنوبه وفسقه وتكبره ويدخله الجنة.
الآية 36 المال ليس مقياساً لأي صفة نبيلة.
الآية 37 المال لن يقرب صاحبه من الله إلا إذا صرفه فيما أمر الله وابتعد عن كل تصرف أو مظهر محرم.
الآية 38 من فعل غير ما أمر الله بالمال ففي العذاب محضرون.
الآية 39 الغنى والفقر ليس مقياساً للإنسانية والإنفاق واجب على الغني.
وتخبرنا سورة القصص عما قال القرآن عن قارون، الذي هو رمز لكل من يملك رؤوس الأموال الهائلة ويتباهى بما يملك ويشعر بالكبر والخيلاء نتيجة لذلك (أو بمعنى مفهومنا الشائع الآن عن إظهار النعمة والتمتع بها كيفما يشاء):
{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{76} وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{77} قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ{78} فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{79} وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ{80} فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ{81} وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ{82} تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{83} القصص.
الآية 76 تصف قارون بأنه من أصحاب الأموال الطائلة، وكان يتباهى بذلك (فرح).
الآية 77 وكان عليه ألا يتباهى بل ينفق ثروته بمجالات الخير، ويبقي منها ما يكفيه في حياته (ولا تنس نصيبك من الدنيا)
والمال عادة يؤدي لأنواع الفساد في مجالات كثيرة وشراء الذمم.
الآية 78 تظهر منطق قارون وهو مطابق لمنطق كل قارون في كل زمان ومكان (المال مالي وأنا حر في صرفه كيفما أشاء) وهذا المنطق مرفوض من الله.
الآية 79 تظهر قارون في صورة من صور التباهي، والتي عادة ما تأسر قلوب الفقراء والمحرومين ويتمنون لو كان لهم ما لقارون.
الآية 80 العقلاء يعلمون أن مظاهر الدنيا ليست هدفا بحد ذاتها.
الآية 83 الجنة لن يدخلها من يتعالى في الأرض (يتكبر) ويفسد أو ينشر الفساد، وهو ما يقوم به عادة أصحاب المال والنفوذ.
وكان عليهم أن يعلموا أن ميزان التفاضل بين الناس ليس الجاه والمال والسلطة والنفوذ، ولكن إتباع شرع الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ{13}الحجرات
وخلاصة كلامنا السابق توجزه سورة البقرة بالقول أن البر الذي يفخر به المسلم هو إقامة شعائر الدين و إيتاء المال برغم تعلق النفس به (في كل مجالات الخير والتنمية وليس بجمعه أو التباهي به أو صرفه كيفما يشاء بأشكال مبالغ فيها لدرجة التبذير):
{لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ{177}البقرة.
وتفرض سورة النساء قانون الحجر على من يبذر ماله ولو بطرق مشروعة في الأصل، وتنعته بالسفيه: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً{5} النساء.
ونختم بالتذكير بالمقصود بقوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) في الأسطر التالية:
الآية ورد في سورة الضحى: {وَالضُّحَى{1} وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى{2} مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى{3} وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى{4} وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{5} أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى{8} فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ{9} وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ{10} وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{11}.


والسورة نزلت في وقت اشتد فيه الأذى النفسي على رسول الله من قريش، وذلك لتشد من عضده وتذكره بأن الله معه وقد أسبغ عليه الكثير من النعم، والسورة تقول:
أن الله لم يترك (3)، وسيجزيك خيرا في الآخرة (4) حيث ستنال في الجنة ما يرضيك (5).
وبالنسبة للدنيا فمن نعم الله عليك أن يسر لك المأوى وأنت يتيم في صغرك (6) وهداك لدينه (7) وكنت في ضائقة مالية فأغناك (8).
فلا تقهر اليتيم (9)ن ولا تنهر السائل (10)، وبنعم الله المختلفة عليك حدث من باب الشكر والعرفان (11).
فكما ترى نعمة ربك فحدث لا تعني التباهي بالمال والأملاك ولكن بشكر ما يسر الله للرسول خلال مراحل حياته.
وبالتالي فالاستشهاد بها على صرف المال كيفما نشاء بلا ضوابط فقط لأننا نملكه هو استشهاد في غير محله
.
إذا يمكن القول أن تنمية المال مطلوبة في الإسلام لكي يصرف على بناء الأمة ومشاريعها وقوتها وعزتها وحرب الفقر والفاقة. ويحرم جمع المال من مجموعة من قارون يتلاعبون به ويتكبرون على غيرهم ويكون المال مجال للإفساد وفساد غيرهم كما يحرم اعتبار المال صفة للجاه والسلطة وتقسيم الناس بناء على مقدار رأس المال إلى بشر وأنصاف بشر.
والسلام.

القلق على الإسلام من أهله وليس من الأعداء .... بقلم الباحث ابن قرناس


الأخ فخري أحمد أرسل لي الرسالة التالية:السلام عليكم...... هذا مايحاول اعداء الاسلام تسويقه ضد الرسول محمد صووضع لي رابط  إنتهت الرسالة

وكأن الأخ فخري يريد أن أرد على ما ورد في الفيديو


ومنهجي ليس ملاحقة كل من يتهجم على الإسلام ومحاولة الرد عليه، ولا ملاحقة طوام كتب التراث والرد عليها. لأن هذا نشاط عقيم ولا يفيد بشيئ، ولا يحق حقاً ولا يرد باطلاً. لأن التهجم سيتكرر ويتكرر معه رد آخر ولن يلتفت أحد من المتهجمين على الردود السابقة.ولأن هناك عامل أهم وهو أن كل المسائل التي يتهجم بها غير المسلمين على الإسلام ليست هي المشكلة ولكنها نتيجة للمشكلة التي ابتلي بها الإسلام في القرن الأول ونتج عنها ظهور كتب التراث والمذاهب وتوفر المواد التي استغلها المتهجمون. فالواجب علينا أن نتخلص من كتب التراث لنتخلص من المواد التي يهاجم بواسطتها الإسلام.وكمسلم عليك أن تفهم دينك أولاً، ومتى فهمته فستتضح لك الصورة وستعرف كم هي سخيفة وسطحية كل المزاعم التي يتهجم بها غير المسلمين (وأكثرهم حماساً المسيحيين) على الإسلام.لكن إن كنت تفهم الإسلام بالمفهوم المذهبي – أياً كان مذهبك – فدينك هش. وما يقوله أعداء الدين يعتمدون فيه على ما تقوله عقيدتك، ولم يكذبوا أو يتجنوا عليها او يتقولوا عليها.. وقد سبق ونشرنا عدة مواضيع كأمثلة مما في كتب الحديث والتفسير من صور مسيئة لله والرسول والدين اعتمدها واقتبسها غير المسلمين للتهجم على الإسلام.لذا واجبنا أولاً تطهير الإسلام من داخله، وذلك بالخطوات التالية:أولا: نبذ كتب التراث كلها بلا استثناء.   ثانياً: اعادة قراءة القرآن وفهمه كما نزل، وذلك بمراعاة ترتيب السور حسب النزول.ثالثا: قراءة السورة من القرآن على أنها رسالة نزلت في وقت واحد، ولم تنزل على شكل آيات متفرقة.رابعاً: القرآن ليس كتاب تشريع فقط، وآياته التي فاقت الستة آلاف آية لا تزيد آيات التشريع فيها عن بضع مئات. والباقي آيات تعنى بالأحداث وقت نزول السورة وتتفاعل معها. أو قصص لأمم سابقة موجهة لقريش لعلها تعتبر أو لبني إسرائيل لتأكيد أن محمد عليه الصلاة والسلام رسول لله وإلا ما عرف تفاصيل تاريخهم.خامساً: معرفة سياق الآيات.سادساً: التعرف على أسلوب القرآن.سابعاً: معرفة المخاطب الذي تخاطبه السورة.ثامناً: لا وجود لناسخ ومنسوخ، وكل سورة تنزل تُعنى بالأحداث وقت نزولها ولا تلغي تشريعات سبقتها.تاسعاً: كل أسباب النزول في كتب التراث مختلقة، وسبب نزول كل سورة هو الأحداث الجارية وقت نزولها والتي يمكن أن تعرف من قراءة السورة ذاتها والتي تخبرنا عما تتحدث عنه.وعوامل أخرى.لو تعرفنا على القرآن وفهمناه فسيتضح لنا كم هي بالفعل سخيفة ادعاءات المتهجمين.وسأضرب مثلاً لذلك بالفيديو الذي أرسله الأخ فخري أحمدومدته 1:29:03 لكن الموضوع الذي يدور حوله الحديث يتضح في الدقيقة الأولى وهو: أن سورة المسد التي تتكون من خمس آيات نزلت بحق عم الرسول أبو لهب (تلعنه وتشتمه – حسب كلام مقدم البرنامج) لأنه وقف معارضاً لدعوة محمد. فكيف بسورة قالها محمد بحق عمه المعارض أن تكون جزءً من القرآن يتعبد المسلمون بها في صلواتهم.ودقيقة أخرى من الدقيقة: 02:17 إلى 03:17يبين فيها المقدم ما يعتبره أدلة على أن سورة المسد دليل على أن القرآن من صنع محمد وليس من الله . وما هو سوى كتاب يصفي فيه محمد حساباته مع الناس (المخالفين له) على لسان الله. ويحكم به على هذا بالجنة وعلى هذا بالنار كيفما يشاء. ويفرغ حقده على عمه في سورة خاصة وكأن الله ترك العالم كله وتفرغ لشخص في شبه الجزيرة العربية اسمه أبو لهب وحط رأسه من رأسه ونزل فيه شتيمة. إله الكون كله خصص حصة مهمة من اللوح المحفوظ فقط لإبي لهب وامرأته.وإذا ما تجاوزانا تراهاته مثل محاولة قول أن سورة المسد تعتمد على وجوب نهاية الآيات بالباء ثم يفاجأ بآخر آية وهي لا تنتهي بالباء بل بكلمة مسد فيتلعثم ... ما يهمنا هو صلب الموضوع، حسبما أورد المقدم، والمتمثل بالتالي:سبب نزول سورة المسد نقله من تفسير الطبري ولم يكذب، ونصه: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذات يوم الصفا، فقال: «يا صَباحاهْ» فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ قال: «أرأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمَسِّيكُمْ، أما كُنْتُمْ تُصَدَقُونِنَي؟» قالوا: بلى، قال: «فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، فقال أبو لهب: تَبًّا لك، ألهذا دعوتنا وجمعتنا؟ فأنزل الله: تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ إلى آخرها.إذاً ليس مقدم البرنامج هو من انتقص القرآن وصور محمداً عليه الصلاة والسلام بالكاذب بل هي كتب التراث وما تحمله من قصص مختلق.فهذه القصة المختلقة المروية على لسان ابن عباس هي التي تقول أن سبب نزول سورة المسد هو ردٌ على أبي لهب لما قال: تباً لك ألهذا دعوتنا.وبقية الفيديو تعليقات على رد لعدنان إبراهيم يظهر كم أن عدنان إبراهيم متمسك بكتب التراث - كونها تحمل حقيقة الدين - فحاول الدفاع عنها ولو بقصص مختلق ففضحه مقدم البرنامج.ولو أن عدنان إبراهيم وغيره من المسلمين عادوا للقرآن بالضوابط التي ذكرنا آنفاً لوجدوا أن القرآن تنزل سوره لتتفاعل مع الأحداث وان سورة المسد نزلت في آخر مرحلة من مراحل الدعوة في مكة عندما كانت قريش تعذب المستضعفين بشتى أنواع التعذيب لردهم عن دينهم ومن ذلك الحرق بالنار وهو ما تكلمت عنه سور عدة كالعنكبوت والبروج والمسد. والمسد تقول أن ابا لهب تبت يده (خسرت وخسر هو) لأنه كان يوقد النار ويعذب المستضعفين من المسلمين. وتتوعده السورة بالنار وامرأته التي كانت تجمع الحطب لتلك النيران وتحمله على جيدها الذي سيحرق في جهنم.. لا لعن ولا سب ولا شأن لمحمد بهذا.وهذا هو الرابط للفيديو


...http://www.youtube.com/watch?v=KV4VfaOdZjY&feature=youtu.be 


وهناك آلاف المقاطع مثله وكلها تصرخ فينا بضرورة تطهير دين الله من كتب التراث التي أضرت بالدين وحجبت حقائقه الرائعة عن الناس.    فهل نحن منتهون؟أقترح على الأخ فخري أن يعود لموضوع تدبر سورتي المسد والبروج


https://www.facebook.com/notes/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D9%82%D8%B1%D9%86%D8%A7%D8%B3/%D8%AA%D8%AF%D8%A8%D8%B1-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%88%D8%AC-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AF/444811242267403 


وموضوع المتنصرونhttps://www.facebook.com/notes/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D9%82%D8%B1%D9%86%D8%A7%D8%B3/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%88%D9%86/202190583196138    وموضوع قس ونبي


https://www.facebook.com/notes/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D9%82%D8%B1%D9%86%D8%A7%D8%B3/%D9%82%D8%B3-%D9%88%D9%86%D8%A8%D9%8A/122427221172475 


وليثق هو وكل مسلم أن الإسلام الذي نزل على محمد عليه الصلاة والسلام حجر ألماس يخدش ولا يُخدش. وأن كل ما يحاول غير المسلمين خدشه هو كتب التراث، ونحن نلتقي معهم في منتصف الطريق.




حساب الباحث على الفايسبوك   https://www.facebook.com/ebnqirnas

الاثنين، 6 يونيو 2016

في نقطة تفتيش .. من هو النظام ؟ بقلم اسماعيل مهنانة


يصرّ الجميع، مُعارضةٌ وسلطة، على تشخيص الوضع السياسي بدلالة “النظام” حيث يعلّقون عليه كل فشل في مؤسسات الدولة، كانتشار الفساد، والقمع بكل أشكاله، في إحدى مراحله على الأقل، والإخفاق في تحقيق التنمية.. إلخ. كما يصرّ هؤلاء على الفصل بين النظام والدولة وبين النظام و”الشّعب”، لكنّ قليلة هي الأسئلة الجذرية التي تُطرحُ في هذا الصدد: من هو النظام؟ ومن هو الشّعب؟ وهل توجد فعلا في الجزائر حدود فاصلة بين النظام والدولة؟ وهل يوجد فعلا واقع مٌعيّن يمكن أن يقابل لفظة “الشّعب”؟  أم أن كل هذه الألفاظ مجّدر تجريدات سياسية؟
دائما كانت الدولة أداة طبقية، وسواء كان النظام شرعيا أو غير شرعيّ فإن الدولة تظل في يد طبقة تتحكم بها في مصير بقية الطبقات، الطبقة المتحكّمة في الاقتصاد والمنتفعة أكثر من الثروة في أي بلد، ويزداد هذا الوضع حدّة بقدر ما يكون النظام غير شرعيّ وبقدر ما كان الاقتصاد ريعيا، أما اذا جمع السيئتين كما هو الحال في الجزائر فيمكن أن نحصل على أكبر حقل تجارب لكل أشكال التلاعب وتزييف الوعي والتجريد السياسوي.
النظام ليس مجرد زمرة أو عصابة حاكمة كما تسوّق المعارضة في كلّ مرّة، بل هو طبقة بأتمّ المعنى لكلمة طبقة لأنه يشمل قطاع واسع من الحكّام وكبار المسؤولين وضبّاط الجيش ورجال الأعمال والموظّفين الكبار في الدولة والأغنياء والأسر النّافذة في المجتمع، والأعيان وشيوخ القبائل ورؤساء الأحزاب، ورجال الإعلام، وكل هؤلاء مستفيدون بصورة مباشرة من أي نظام سياسي قائم، ويدافعون عنه بحكم المصلحة دون النظر إلى فساده أو ديكتاتوريته.
ولهذا، فإن الصراع في جوهره كان وسيظلُّ طبقيا، لكنّه قد يأخذ أشكالا أخرى أو يتمّ توجيهه وتصريفه إلى وجه أخرى، كالصراع بين الأقليّات الثقافية واللغوية أو بين تيارات إيديولوجية. إن الطبقة الحاكمة والمُهيمنة وحدها تملك مفتاح توجيه الوعي نحو أشكال مزيّفة من الصراع المجتمعي، لهذا فإن كشف آليات الهيمنة وأشكال الخطاب التي تتخذها، يبقى عملية في غاية التعقيد. إن الهيمنة ثاوية في كل تلافيف الوعي والخطاب الإعلامي والسياسي. ربّما تكون الحالة الجزائرية أكبر حقل تجارب يتمُّ فيه تحريف الصراع الطبقي نحو صراعات هامشية أخرى جهوية ولغوية وإثنية وإيديولوجية، فمنذ الاستقلال تشكّلت طبقة بيرو-اقتصادية تتحكم في كل مفاصل الدّولة والثروة بإيديولوجية شبه وطنية، عبارة عن مزيج من القومية الهلامية، وقد سعت منذ البداية في تشكيل كل الوسائط الاجتماعية على مقاسها، حزب واحد، ونقابة عمّالية مركزية ولواحقها من المجتمع المدني (جمعيات، منظمات، وسائل إعلام) كل ذلك كان واجهة شكلية لدولة حديثة، أمّا خلف العلامات وفي العمق فقد ظلّت العلاقة مباشرة بين النظام والشعب المُتخيّل، والدليل أنه قدّ تمّ إقصاء ونفي وتهجير كل صوت مخالف لسياسة النظام العامة. وهنا أيضا نعود إلى تشريح أورويل للظاهرة حين قال: “إن جوهر حكم القلّة ليس وراثة الابن لأبيه، وإنما هو استمرارية رؤية للعالم وأسلوب حياة يفرضهما الموتى على الأحياء، وتظل الفئة الحاكمة حاكمة ما دامت قادرة على تعيين خلفائها، ولا يهتمّ الحزب بإبقاء سلالة بعينها وانما يهتمّ بتخليد مبادئه، فليس مهمّا من يتولّى السلطة طالما أن التركيب الهرمي للمجتمع لن يمسّ وسيظل على ما هو عليه.”
الدولة الوطنية الحديثة هي تلك التي تؤمن بالتناقضات داخل الجسم الاجتماعي الواحد و تسمح بنشاط الوسائط الاجتماعية ولا تعتبرها أدوات تشويش على علاقتها المباشرة بالشعب المتخيل، بل أدوات تعينها على ضبط تلك التناقضات. لكن في الجزائر ظلّت الطبقة المهيمنة توظّف تلك الوسائط في تعميق تلك التناقضات، وبقيت تصادر تلك الماهية الاختلافية للمجتمع باسم مقولة الشّعب الشمولية، وبدل ان توظّف تلك الوسائط الاجتماعية في تذويب التناقضات داخل مفهوم الأمّة راحت تختزلها الى واجهة شكلية تغلّف بها النعرات الجهوية واللغوية والإثنية.


اسماعيل مهنانة


المصدر   http://www.tariqnews.com/2016/06/06/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D8%AA%D9%81%D8%AA%D9%8A%D8%B4-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%9F-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%B9/



 


رمضان واشياء اخرى

السبت، 4 يونيو 2016

هوس العرب الأول: نظريـة المؤامرة .. هل هي حقيقة أم تزييف ؟



المؤامرة، مصطلح دائماً ما يستخدمه الجانب الأضعف في أي معادلة إنسانية لوصف المحاولات المستمرة للجانب القوى لإقصائه من المعادلة. ولكن هل من الممكن بأي حال من الأحوال أن تكون المؤامرة هي لعبة الجانب الأقوى؟!
هل من الممكن أن يقوم القوي بكشف نفسه أمام الضعفاء (بل ووصف نفسه بما ليس لديه)؟ ألا ترى أن المصادر المقروءة ومقاطع الفيديو نفسها تعطى لما تسميهم النخبة قوة توازي الألوهية؟
 هل هم كذلك؟ أم أنها مجرد بروبجاندا للغرب لجعلك خائفاً منهم طيلة الوقت؟ لا أحد يعلم، و لكن تابعوا تحليل الموقف في هذا المقال.

أمثلة و تأملات في نظرية المؤامرة

بدأت نظرية المؤامرة وتشعباتها في الظهور في الوطن العربي في 2008 بالأخص حيث العام الذي انطلقت فيه أشهر سلسلة تناقش الأحداث والنبوءات المتعلقة بالمؤامرة وهي سلسلة “القادمون”، والتي شرحت بالأدلة في بعض الأحيان وبالتكهن في أحيان أخرى بتاريخ النخبة المتآمرة منذ أيام الحروب الصليبية حتى الآن.
arrivals
العيون إشارة للماسونية، والحملات الصليبية، وفرسان الهيكل، والأهرامات تنتظر الماسون الأعظم .. إلخ
تعالوا نلقي الضوء باختصار على أهم أفكار النظرية ثم نحللها:
  • أصول تاريخية: يعتمد هذا الجزء من النظرية على استعراض التاريخ الخفي غير المكتوب (الذي لم تخبرنا به الكتب) عن مجموعة من الأشخاص استطاعوا عن طريق كتب السحر والشعوذة المدفونة في القدس منذ عهد سيدنا سليمان أن يجمعوا ثورات وموارد هائلة مكنتهم فيما بعد من التحكم في العالم. ويطلق عليها الكثير من المسميات: فرسان الهيكل، الماسونيين، والمنتورينilluminati.
  • السياسة والاقتصاد: الجماعة السابق ذكرها تمكنوا من التحكم في العالم الحالي من ثروات وموارد من خلالها قاموا بالتأثير على الإعلام وتمويل الحروب العالمية، كلها تعمل لخدمة أهدافهم وهي إقصاء الأديان وتحقيق مخططات شيطانية.
  • التحكم بالعقل: من الأفكار الشائكة بالنظرية، ففي هذه الجزئية، تسعى النخبة إلى زرع أفكار بداخل عقول العامة لتصنع أجيالاً فاسقين جاهلين وغير قادرين على إنجاز أي شيء. فمثلاً تضع إيحاءات جنسية في داخل أفلام الكرتون لكي تجعل الأجيال تعتاد على المشاهد الجنسية منذ الصغر، وكذلك الأمر مع العنف وتغيير العقائد.
  • الأبحاث العلمية القاتلة: تتطرق هذه الجزئية لما توصلت اليه النخبة من تقدم تقني وعلمي حتى يصل البعض إلى القول أنهم متقدمين عن العالم بأكثر من 200 عام. فتجد أنهم اخترعوا أطباقاً طائرة لتزييف هجوم فضائي سيحدث قريباً – وفقاً لأقوالهم – وأنهم اخترعوا جهازاً يتحكم في المناخ تحت مسمى مشروع HARRP، وأنهم لديهم خطة تسمى “الشعاع الأزرق Blue Beam” من خلالها ستقوم باستخدام تكنولوجيا الهولوجرام لكي تظهر شخصيات دينية – لكل دين شخصيته الخاصة – تقنعهم باتباع النخبة!!
  • المرجعية الدينية: يستند أهل هذه النظرية إلى أن المؤامرة تدار عن طريق المسيح الدجال وإبليس شخصياً. وهناك شهادات لأشخاص كانوا من النخبة ثم تركوها فيما بعد تثبت ذلك، بل وتفضح مخططاتهم. ولن يقدر أحد على محاربتهم حتى يظهر الإمام المهدي فيقتل الدجال ويتلوه نزول سيدنا عيسى الذي يصاحبه القضاء على يأجوج ومأجوج.

المؤامرة بين الحقيقة والتزييف

conspiracy-150x1501
النظرية تبدو أكثر تشويقاً إذا تابعتها من خلال بعض السلاسل على اليوتيوب مثل القادمون أو عصر الاستيقاظ. هناك الكثير من المقاطع التي ستجبر عقلك على التصديق بكل ما يبث لك. ولكن هل كل ما يسرد يجب تصديقه؟ هناك بضع ملاحظات على النظرية بالمجمل:
نحن نعلم أن هناك حكومات فاسدة تسرق وتنهب وتقتل من أجل مصالحها، هذا يحدث منذ قديم الأزل. وكذلك أن القوى العظمى تتآمر للقضاء والاستيلاء على ثروات الدول الصغيرة والضعيفة والقضاء على الأديان بصفة عامة. هذه أيضاً إحدى سنن الله في الأرض.
لايوجد أدلة كافية لإثبات ما يتعلق باستخدام النخبة لسحر الجن – الذين تلوا فترة سيدنا سليمان – لجني الثروة، بل وأن فرسان الهيكل هم الذين يحكمون العالم الآن. كل الأدلة التي تقدمها السلاسل ضعيفة جداً. خصوصا الأدلة التي تربط العائلة الملكية البريطانية بالفراعنة!!
كل الأبحاث العلمية التي تتحدث عنها النظرية تحتاج إلى كم هائل جداً من الموارد المالية والمعدنية والبشرية والفكرية، ومدة لا بأس بها لكي تحصل على نتائج مبدئية لمشروعاتهم. وأيضاً لا يوجد إثبات مادي على الوصول الفعلي للنتائج الملموسة في هذه المشاريع، حتى الصور والمقاطع لجهاز مشروع هارب وغيره لا تثبت أنه يحقق النتائج المطلوبة (مجرد مقاطع عشوائية).
موضوع التحكم بالعقل هو امر نعيشه ولا جدال فيه. فمصطلح مثل الإعلام الموجه والإيحاءات الجنسية هي من المصطلحات الأكثر شيوعاً في الفترة الأخيرة، بالرغم من ذلك فإن المؤامرة تستعرضه بشكل مبالغ فيه لدرجة أنها تتحكم في نشأتك وبالتالي مصيرك .. فإذا تحكمت في مصيرك، فكيف سيحاسبك الله على هذا الأساس؟!!
الرابط الديني في المؤامرة خطير جداً. فهو لا يدعو القارئ إلى أى شيء سوى الانتظار .. متى سيأتي المهدى ليخلصنا (والموضوع بالمثل في الجانب الأمريكي من المؤامرة حيث ينتظرون المسيح بدلاً من إحداث أي تغيير). نحن بلا حيلة بدون المهدي لذلك علينا انتظاره، وأي محاولة للتغيير قبل مجيئه سنفشل فيها بلا محالة.
 
 ملحوظة: أنا لا أشكك في النبوءات الدينية، ولكن هناك شيء مريب فى ربط المؤامرة بالدجال وبالتالء انتظار المهدء. واجهنا الكثير من المحن على مر التاريخ وقمنا باجتيازها .. ألا توافقني الرأي؟

لماذا قد يوجد تزييف في نظرية المؤامرة؟

moamra
فى عالم نظرية المؤامرة، ينقسم الناس أمامها فرقاً عديدة:
الأول: هو رافض تماماً لها ويعتقد بأن الدول المتقدمة تسعى للسلام العالمي الدائم وديموقراطية الشعوب المستضعفة وغيرها من المصطلحات الوردية، ذلك الفرد يصدق كل ما يقال له في التلفاز ويقرؤه في الصحف.
الثاني: يصدق أن الغرب شرير ولكن ليس لهذه الدرجة. وهو في غالب غير مهتم ويعتقد أن هناك أمور أكثر أهمية في الحياة من هذا.
الثالث (يتنامى يشكل مريب): هو متفق تماماً معها بل يتابع آخر مقاطع ومقالات ونظريات المؤامرة ويربط أي حدث عرضي يظهر بالأخبار بأنه من فعل المؤامرة بحيث تصل في بعض الأحيان تحكم النخبة في مقاليد العالم إلى درجة الألوهية. فهم يشنون حروباً مدبرة بين الشعوب ويتحكمون في عقول شعوبهم لدعم تلك الحروب، ويستخدمون العلم ليصنعوا زلزالاً في منطقة كذا وفيضاناً في بلد كذا، ويحدثون خللاً اقتصادياً في بلد كذا وجفافاً في بلد كذا ورفع درجات الحرارة في بلد كذا وبالتالي التأثير على المحاصيل الزراعية.
نحن لا نختلف على أن أغلب الفريق الأول ساذج جداً، والفريق الثاني يرى أن هناك خلل في الرواية لكنه غير مهتم بالتدقيق والبحث بل وقد يقوم بإخفاء خوفه خلف عباءة عدم تصديق ما يحدث. ولكن تعالوا نحلل ما الذي يحدث مع الفريق الثالث:
مبدئياً، هو قام بنسب دور الإله إلى النخبة المتآمرة فهي – معاذ الله – تحيي وتميت ، وتطعم وتسقي، وترزق وتتحكم في العقل، وتتحكم في الجمادات وفي الظواهر الطبيعية. لذلك كثيراً ما أتساءل: ماذا تبقى لهذا الفريق من إيمان في قلوبهم؟
تجد أغلب المنتسبين لهذه الفرقة يظنون أنه يفهم كل شيء ولكنه في نفس الوقت يائس خائف مترقب – بالرغم من أن المعرفة هي القوة – و هو لا يقوم بأي شيء نافع في حياته لأنه يعلم أنه مهما فعل فإن فعله سيصب في مصلحة النخبة أو أنه إذا حاول الإصلاح فإن النخبة ستمنعه.
momra
أصحاب هذه الفرقة لا يسعون لتطوير قدراتهم أو مهاراتهم لأنهم يعتقدون أن الناجحين والمتميزين هم مجرد تروس صغيرة في آلات عملاقة سخرت لخدمة النخبة.
هناك سؤال أنا أعتقد شخصياً أنه سؤال المليون دولار. وهو ” كيف ولماذا خرجت كل هذه المعلومات عن المؤامرة العالمية إلى العامة؟” وماذا لو أن هذه المعلومات تسربت عمداً؟ وما هو الهدف؟ ..
 
 “من يخاف من الذئاب لا يذهب إلى الغاب” مثل روسي
ما الهدف من أن أخبرك أن هناك وحش في الغابة سيأكلك بمجرد دخولك الغابة؟ الهدف هو أنني لا أريدك أن تذهب أبداً إلى الغابة، وما الهدف من أن أخبرك أن هناك نخبة لديهم نفوذ قوي ويتحكمون في كل موارد العالم بل ويحددون من سوف يتقلد المناصب الكبرى ويختارونه بعناية؟ الهدف المباشر هو أن تفضحهم وتنشر مؤامرتهم، لكن الهدف الحقيقي هو اأا تقوم بفعل شيء في حياتك بدافع انعدام جدوى هذا العمل، والخوف من أن تكون هدفاً للنخبة.
نعم، الخوف في حد ذاته غاية، فطالما أنت كذلك فأنت بالأحرى ميت.
 
 تبدأ حياتنا فعلاً إذا توقفنا عن الشعور بالخوف الدائم .. دورثى تومسون، صحفية أمريكية
أنا لا أدعي أن كل المؤامرة كذب ولكن أقول أنها أخرجت للعامة بشكل متعمد كما أنها اختلطت ببعض الزيادات والتجويدات التي تعطي لها الرونق والهبية والحبكة المطلوبة بحيث لا تجد مخرجاً ولا تستطيع التغيير.

دور الأشخاص تجاه المؤامرة

“الخوف يجعلنا نركز على الماضي ونقلق بشأن المستقبل. إذا اعترفنا بوجود هذا الخوف بداخلنا، سندرك حينها أننا ما زلنا بخير وعلى قيد الحياة وأجسامنا تعمل بشكل رائع وأعيننا ما زالت قادرة على تأمل السماء. وآذاننا قادرة على سماع الأشخاص الذين نحبهم”  سيث نات هانه، معلم ومؤلف وناشط فرنسي.
مقطع فيديو (كيف تحرر نفسك من الخوف؟  د.مصطفى محمود)
أنا لا أطلب منك أن تبتعد أو تغفل عما يدور حولك من أحداث ومؤامرات، بل يجب أن يكون جزء من التراكم المعرفي لديك. ولكن الأهم من معرفة معلومات عن النخبة والمؤامرة هو التعرف على اسباب تواجد هذا الكم من المعلومات عن المؤامرة على الإنترنت وعدد السلاسل بالعشرات وكله ينقل الكلام من الآخر وكأنها حلقة مفرغة.
كل هذا يرسل لك رسالة واحدة “أنت لست قادر على فعل شيء”، بل والمقزز في الموضوع أن بعض الفرق بدأت تستخدم الخوف المتنامي في التسويق لأفكارهم وأنفسهم تارة ولبيع سلعهم الرخيصة تارة أخرى.
 
 الناس من خوف الفقر في فقر، ومن خوف الذل في ذل .. محمد الغزالي
ما أطلبه منك هو ألا تصدق قبل أن تفكر، وإذا صدقت لا تخف، واعمل واجتهد وطور من ذاتك وتعلم مهارات جديدة وانجح وسافر وتعرف على ثقافات أخرى،  ولا تكتفي فقط بالتعرف على العالم عن طريق التلفاز … و ربما للحديث بقية. 

http://www.maktaba-amma.com/2015/10/blog-post_28.html

سنغافورة ... لماذا نجحت وفشل العرب؟ .... بقلم خالد الحروب

سنغافورة ... لماذا نجحت وفشل العرب؟



زيارة هذا البلد الجميل الذي قدم لدول العالم النامية نموذجا مُعجزا في التقدم والقيادة الرشيدة تولد في الحلق مرارة إن كان الزائر عربياً وتأمل في قصة النجاح بعض الشيء. هنا تكاتف الاصرار على الاستقلال والاعتماد على النفس مع روح جماعية مُدهشة وقيادات سياسية مخلصة لوطنها قدمت مصلحته على اية انانيات فردية، فأخرج هذه المدينة التي كانت مجرد ميناء خدمات استعمارية طيلة ثلاثة قرون من قيود التبعية، وحولها إلى شعلة من الوهج المُبهر. لم يدر بخلد السير ستامفورد رافلز الذي بنا معبر السفن سنة 1826 كجزء من النشاط الاستعماري لشركة الهند الشرقية ان تتحول هذه النقطة القصية إلى دولة ناجزة كما هي عليه الآن. ولم يتوقع احد ان يطوي ذلك الميناء الرث، ليفربول الشرق كما كان يُسمى، ماضياً مر به البرتغاليون والهولنديون واحتله البريطانيون واليابانيون واشتغل فيه السكان الاصليون المختلفون إثنيا ودينيا عمالاً سخرة للاجانب، ثم يتحول إلى طاقة جماعية مُذهلة من العمل والانجاز. 

عندما استقلت سنغافورة عن بريطانيا عام 1963 كان العديد من الاستقلالات العربية قد أُنجزت ومضى عليها بضعة عقود. بل إن دولا مثل مصر والعراق وسورية والمغرب والاردن كانت قد ترسخت انظمتها واقتصاداتها، ومصر تحديدا من بينها كانت تقوم فيها جوانب نهضة واعدة من الصناعات الثقيلة إلى صناعة السينما. اليوم يصل الناتج القومي العام لهذا البلد الصغير بملايينه الخمسة والنصف (ومنهم 40% اجانب) الى 308 بليون دولار متجاوزا نظيره المصري حيث عدد السكان يفوق سنغافوره ب 15 ضعفاً. وتتقدم دول العالم في معايير التنمية الانسانية سواء في التعليم او الصحة الاولية او انخفاض نسبة البطالة. كما تتصدر المدن الاكثر جذبا للاستثمار والكفاءات، والمستقبلة للتكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى امتلاك الغالبية الكاسحة من السكان بيوتهم. الكفاءة والنظام والنشاط هي بعض من العناوين التي يراها الزائر، مُضاف إليها لطف الناس وتواضعهم وترحابهم. لا تتوقف قصة النجاح السنغافوري عند الاقتصاد وإن كان هو عنوانها. فهناك ايضا عبقرية السيطرة على التنوع الإثني والديني الذي كان يحبل بكل انواع الانفجارات عشية الاستقلال، ويهدد بمواصلة انفجاراته ليشل البلد وسكانه عقودا طويلة. عوض ذلك تحول هذا التنوع الى مصدر قوة وقُلمت اظافر الشوفينيات القومية والدينية وصهرت في مشروع المواطنة السنغافورية. يتوزع الناس هنا إلى من هم من أصول صينية 74% من السكان، ومالاوية (مسلمة) 14% وهندية 9% اضافة الى مجموعات اخرى اقل عدداً. في وسط المدينة القديمة تتجاور الجوامع والمعابد الهندوسية والبوذية بشكل أخاذ. قائد الاستقلال وباني نهضتها لي كوان يو كان من الاغلبية الصينية لكنه رفض سيطرة الاغلبية على الاقليات وصمم على تأسيس مواطنة سنغافورية تساوي بين الافراد. نحى ايضا إغراء التبعية والولاء للصين الكبرى الوطن الاصلي له ولغالبيته. رفض منطق الغالبية والأقلية وانهمك مع حكوماته في محاربة ذلك المنطق، بل وفي الانخراط في شكل من اشكال "الهندسة الاجتماعية" التي استهدفت تأسيس هوية سنغافورية وطنية جامعة. لم يكن ذلك من دون اكلاف طبعا، ذلك ان الالتزام المتشدد ولد اتهامات بالدكتاتورية والسلطوية الابوية. لكن الماضي الطويل للسيطرة الكولونيالية البريطانية على جنوب شرق آسيا والتي كان من ضمنها ثلاث سنوات ماحقة من الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، من 1942 إلى 1945، عزز في توليد نزعة استقلالية عميقة وراديكالية عند نخبة الاستقلال، وعلى رأسها كوان يو نفسه، في الاصرار على تخليق ولاء وطني يهمش كل الولاءات الاخرى.

الترسخ التدريجي للمواطنة والإيمان الجمعي بالولاء للدولة الناشئة ودحر الولاءات المنافسة، إثنية كانت ام دينية ام اممية بعيدا عن المقدمة هو الاساس المتين الذي وفر لقصة النجاح السنغافوري ان تستمر. وفي الآن ذاته اشتغل التقدم الاقتصادي والوفرة المالية، التي لم تستند إلى موارد طبيعية بل إلى نشاط الافراد ويقظة الحكومات وتشجيعها للإستثمار واتباع سياسات منصفة وغير محابية لأية شريحة في المجتمع، على تعميق الإنتماء عند الناس واحساسهم بالمساواة. اعتماد الكفاءة والمساواة في الفرص meritocracy خلق مناخاً تنافسيا قاعدته الاهلية والتحصيل، وليس الزبائنية والقرابة او الانتماء الطائفي او الاثني. ليست الصورة مثالية بطبيعة الحال وكان ثمة دوماً احتقانات هنا او هناك، وفشل نسبي في قطاع ما او مرحلة معينة، لكن الصورة العامة للنجاح المتواصل هي التي تشد المرء، خاصة عندما يقارنها بصور الفشل المرير الذي تقلبت فيه دولنا ومجتمعاتنا العربية. 

ربما لم يكن لسنغافورة ان تنجح لو لم تمنحها الاقدار قيادة فريدة ممثلة ب لي كوان يو ورفاقه. كوان يو الذي كان رئيس وزرائها الاول واستمر في المنصب خلال عقود التأسيس الحساسة والهامة، من اواخر خمسينيات القرن الماضي (اي خلال السيطرة البريطانية) إلى اواخر تسعينياته، يُعتبر الاب الروحي لسنغافورة الحديثة. هو من اسس وقاد حزب العمل الشعبي الذي قاد الاستقلال، ووقف في وجه الصين واندونيسيا، ثم قاد تنمية البلد. بعد تخليه عن رئاسة الوزراء سنة 1990 اشتغل كوزير ومستشار للحكومات التالية حتى وفاته سنة 2015. قراءة إرثه السياسي والفكري الذي سجله في عدة كتب اهمها مذكراته: "من العالم الثالث إلى الاول: قصة سنغافورة 1965ـ2000" (From Third World to First: The Singapore Story 1965 2000) يجب ان يكون واجباً مدرسيا على كل مسؤول عربي يريد ان يتلمس مدارك القيادة الرشيدة والناحجة. يحتاج الكتاب إلى اكثر من مراجعة مطولة لكن ربما يكفي هنا الإشارة إلى بعض الإطلالات السريعة الدالة. اولها ان مذكراته التي كتبها على مدار عدة سنوات اشاد بها اكثر من 28 رئيس دولة او وزير او سياسي من العالم، كما هو مدرج في الصفحات الاولى من الكتاب، ليس منهم اي مسؤول عربي! الثانية هي ان صفحة الشكر التي تصدرت الكتاب تضمنت 32 اسماً امتدت من اصغر باحث او سكرتيرة ساهمت في تقديم اي معلومة للمؤلف وصولا إلى اكبر واهم الارشيفات العالمية. ومن ضمن المشكورين عدة اشخاص قرأوا المسودة الاولى للمذكرات وعلقوا عليها اما اضافة او اقتراحاً بتعديل او شطب، ومنهم عدة مالاويين ثقات اراد منهم ان يراجعوا ما كتبه عن ماليزيا نظرا لحساسية الموضوع خاصة خلال فترة الاندماج مع ماليزيا في الستينات ثم الانفصال عنها. ثم هناك الاقرار المتواضع بأن كوان نفسه ما كان بإمكانه انجاز ما انجز لولا العمل الجماعي والعمل مع رفاق الدرب، وهم الذين يصفهم ب "الرفاق القدامى الذين من دونهم ما كان بالإمكان ان نصنع قصة سنغافورة" وإليهم اهدى الكتاب وهم: غو كينغ سوي، س. راجاراتنام، هون سوي سن، ليم كيم سان، ايدي باركر، تو شن شي، اونغ بانغ بون وعثمان ووك. في مكان ما في الكتاب يقول كوان: لم اكن يوما ما حبيس اي نظرية من النظريات. النظرية التي كنت اتبناها هي التي تخدم سنغافورة وتساهم في بنائها. هوسه في التعليم جعل سنغافورة في مقدمة البلدان في التحصيل المدرسي والجامعي والعملي. 

كيف نتعلم من القصة السنغافورية إذن؟ هناك بدايات عديدة، ومنها ربما قد تكون استعادة قصة التاجر اليمني الناجح والشهير سيد عمر الجنيد ابن حضرموت الذي وصل إلى سنغافورة سنة 1816. قصة الجنيد، وكما تعرضها جداريات المتحف الوطني هنا، تقول بأن كان واحدا من اهم التجار الذي جابوا البحر الاحمر والمحيط الهندي وصولا إلى ارخبيل الجزر المالاوية، وممن تتمتعوا بثقة الجميع استناداً إلى نسبة النبوي وحمله لقب "سيد". استقر الجنيد في سنغافورة وهناك ازدهرت تجارته الامينة وعلاقاته الجيدة واحبه الناس، وبنى اول جامع في سنغافورة "مسجد عمر كامبونغ ملكا" سنة 1820. الى جانب ذلك تبرع بالأرض التي بُنيت عليها كاثدرائية سانت اندروز ومستشفى شهير إلى جوارها. الجنيد ساهم في تأسيس التعايش والمواطنة السنغافورية التي خلقت تاريخاً من الوئام ووفرت جزءا من الارضية التي تقوم عليها سنغافورة اليوم. عندما يتبرع احد اغنياء المسلمين اليوم لبناء كنيسة نكون قد بدأنا المشوار الحقيقي في المواطنة!


الجمعة، 3 يونيو 2016

هل تقبل "النخب العلمانية" برفع وصاية الدولة على الدين؟ بقلم الاستاذ عادل عبد الله

تصدير: بالتزامهم الصمت تجاه وصاية الدولة الوطنية على الشأن الديني أحيانا، وبتنظيرهم لتلك الوصاية وشرعنتها أحيانا أخرى ، فإن العلمانيين هم أول من حال ومازال يحول دون فصل الدين عن السياسة وذلك على عكس الفكرة السائدة. 


كان المؤتمر العاشر لحركة النهضة الذي انعقد مؤخرا في تونس سببا في تكثيف السجال العمومي حول العديد من القضايا المرتبطة أساسا بحركات الإسلام السياسي، وما تثيره من أسئلة وتحديات على العقل السياسي "الحديث". ولو شئنا اختزال تلك الأسئلة والتحديات وردها إلى رهان رئيس، لقلنا إن ذلك الرهان هو كيفية تدبر العلاقة بين الديني والسياسي في ظل وجود حركة النهضة، فهذه الحركة تنتمي-من جهة أولى-  إلى الحقل السياسي"القانوني" و"المعلمن" واقعيا، ولكنها-من جهة أخرى- تعلن صراحة أنها تعتمد مرجعية الإسلام إلى جانب مرجعية الدستور، دون أن ترى في هذا "التلازم" ما يحتاج إلى تأصيل يتجاوز الإنشائيات والعموميات ويتموضع في دائرة  التعليل العقلاني البعيد عن الاعتباطية. 

سبق هذا المؤتمر لغط كبير داخل الأوساط النهضوية وخارجها حول ضرورة القيام بمراجعات كبرى و"تونستها"، حتى تتأقلم أو تطبّع مع الحقل السياسي التونسي الذي مازال يتوجس خيفة من كل حركات الإسلام السياسي، بل مازال الكثير من رموزه في اليسار الثقافوي يؤمنون بإمكانية "تونسة" السيناريو الانقلابي المصري، أكثر مما يؤمنون بإمكانية التعايش مع الحركات الإسلامية ضمن مشروع مجتمعي واحد، فالمشروع "المجتمعي التونسي" مازال عند هذه النخب مشروعا نابذا بالضرورة للنهضة ولغيرها من حركات"الإسلام السياسي". 

لمّا كانت النخب العلمانية -أو المنتمية إلى "العائلة الديمقراطية" والمتعاطفة مع أطروحاتها البورقيبية أو القومية أو اليسارية - تهيمن على إنتاج المعنى السياسي، "الصحيح" و"القانوني" منذ بناء الدولة الوطنية على يدي "الزعيم" الراحل الحبيب بورقيبة، ولمّا كانت حركة النهضة هي "الطارئ" أو "الغريب" على الحقل السياسي "القانوني"، فقد كان من الطبيعي أن نشهد صراعا غير متكافئ من الناحية الرمزية أو النفسية بين النخب العلمانية والقيادات النهضوية. فرغم أن الثورة قد قامت على نظام "حداثي" و"معلمن"، ورغم أن العلمانية التي تبنتها تونس منذ الاستقلال هي اللائكية الفرنسية التي هي من أكثر صيغ العلمانية صدامية و"شمولية"، رغم ذلك كله، فإنّ النخب العلمانية لم تر داعيا إلى القيام بأية مراجعات في مسألة علاقة الدولة بالدين أو دور الدين في المشهد المجتمعي العام. 

بحكم العلاقة اللامتكافئة بين النخب العلمانية وحركة النهضة-وهو لاتكافؤ غذّته السمعة السيئة للإسلام السياسي في مراكز القرار الغربي خاضة بعد ظهور داعش، كما غذته المخاوف التي استبطنتها حركة النهضة من إمكانية تونسة السيناريو المصري في ظل سياق إقليمي ودولي، يميل إلى معاداة الحركات الإسلامية بصرف النظر عن اختلافاتها من جهة العلاقة بالدولة الوطنية، أو بالقانون الوضعي أو بمبادئ العقل السياسي الحديث-، بحكم ذلك اللاتكافؤ الواضح، كان من اليسير على النخب العلمانية أن تصوغ إشكالياتها وأن تفرض مفرداتها وجملها، وأن تحدد سقف الخطاب وغاياته النهائية، بل كان في استطاعتها أيضا أن تمعن في أطروحات أحادية الصوت -رغم ادعاءاتها المتكررة لثقافة الحوار وتعددية الأصوات ونسبية الحقيقة-، بحيث تقترح على حركة النهضة نوعية الحلول"المقبولة" وتحذرها من بعض"الممكنات" النظرية الأخرى. وهو ما يعني واقعيا أن تلك النخب تصر على أن تؤدي دورين متناقضين، ولا يمكن الجمع بينهما إلا في حقل سياسي ومسار انتقالي مأزوم، هما دور الخصم والحكم. 

لعل من أهم المواضيع التي تدخل في باب"اللامفكر فيه" أو "المقموع" في الخطابات الحداثوية التونسية هو علاقة الدولة بالدين واقعيا، وليس في مستوى الادعاء الذاتي أو "الوهم المعمم" داخل النخب الحداثية؛ فالدولة الوطنية التي يروّج الحداثيون لنجاحها في الفصل بين الدين والسياسة،  لم تكن في الحقيقة بهذا النجاح أو بهذه الحيادية "المتخيلة" تجاه الشأن الدينية، فقد قامت عملية التحديث وما رافقها من أنظمة رمزية على فرض تمثل معين للدين، كما عملت الدولة عبر أجهزتها الأمنية والإيديولوجية على محاربة كل التمثلات المنافسة، خاصة إذا صدرت  وذلك بوصمها بمحاولة الخلط بين الدين والسياسة. وهو ما يعني أن الدولة-ومن ورائها النخب الحداثية الحاكمة-  لم تكن تسعى إلى الفصل بين الدين والدولة، بل كانت تسعى إلى احتكار المعنى الديني"الصحيح" ومقاومة كل المواقع التي قد تنتج معاني دينية ذات نفس احتجاجي أو معارض لثالوث الزعيم-الحزب-الدولة. 

من باب التدقيق المفهومي، قد يكون علينا أن نتحرر من هيمنة الخطابات الحداثوية ومن المحدودية التي تحكمها بحكم آفتي الأدلجة والتسييس. وهو ما يعني في هذا السياق أن نتخارج مع مسلمات تلك الأطروحات، وأن نضعها موضع التساؤل والنقد. من ذلك أن علينا في هذا السياق الانتقالي الهش أن نتحدث من جهة أولى عن الفصل بين الدولة والدين، أو عن الفصل بين الحزب الحاكم (او الائتلاف الحاكم) والمنابر الدينية، أي إنّ علينا أن نُبعد الخطاب المسجدي عن التجاذبات السياسية وعن التوازنات الهشة، التي يمكن أن تفرزها أي انتخابات قادمة. أما من الجهة الثانية، فإن علينا الفصل بين الحزبي والديني، وهو ما يجب أن نطالب به كل الأحزاب وليس حركة النهضة فقط، فلا يمكن أن ننسى التجاء أغلب مكونات "العائلة الديمقراطية" إلى الزوايا للتعبير عن تمثيلها للإسلام "التونسي"، بل اعتماد هذا النمط الديني أداة للتحشيد الحزبي وللدعاية الانتخابية ولفرض جملة من الاصطفافات الثقافوية التي غيبت جوهر الصراع الاجتماعي والاقتصادي، وأساسا إعادة التوزيع الأكثر عدلا للسلطة وللثروات المادية والرمزية. 

أما الفصل بين الدين والسياسة فهو مجرد مغالطة وسفسطة؛ لأن الفصل بين الديني والسياسي يفترض بيان الحدود التي ينتهي عندها الدين وتبدأ السياسة، كما يفترض نشوء إجماع مبدئي وقابل للمأسسة حول هذا الفصل "الهندسي". وتفترض عملية الفصل كذلك منطقا سياسيا علمانيا صريحا، أي يفترض حيادية الدولة في المسألة الدينية بحيث تترك الحقل الديني يشتغل وفق قانونه الذاتي. وهو ما يعني عودة السلطة إلى جمهور المتدينين وليس إلى النخب المعلمنة المشرفة على إدارة الشأن الديني. كما أنّ على الدولة أن تترك للمتدينين حرية التصرف في فضاءاتهم عبر من يختارونهم هم، وليس عبر من تختارهم أجهزة الدولة ممثلة في البوليس العقائدي، الذي هو أقرب إلى التكنوقراط العلماني منه إلى رجل الدين، وهي الصورة النموذجية لكوادر وزارة الشؤون الدينية التي كانت مجرد ملحق "ديني" بوزارة الداخلية والتجمع في عهد بن علي، وتسعى النخب الحداثية بعد الثورة إلى إعادتها إلى تلك الوظيفة الأصلية بحجة مقاومة الإرهاب وتجفيف منابعه. 

لو طلبنا الوضوح أكثر لقلنا إن الفصل بين السياسي والديني هو مطلب مستحيل في ظل دولة ترفض الاعتراف بأنه لا يحق لها احتكار "سوق النجاة الأخروية"، ولا أن تكون فاعلا دينيا من جملة الفاعلين المتنافسين على إدارة السوق الدينية، كما لا يحق للدولة أن تدعيَ امتلاك المعنى الأوحد للدين "الصحيح" والمعترف بشرعيته وقانونيته، وهو ما يعني أنّ استمرار وصاية الدولة على الحقل الديني سيجعل من كل حديث عن الفصل بين السياسة والدين مجرد "خرافة" أخرى، تنضاف إلى الخرافات المؤسسة "للنمط  المجتمعي التونسي". وهو ما يجعلنا نتساءل عن مدى جدية القوى الحداثية في مطلب فصل الدين عن السياسة حقا، خاصة أن تلك القوى لا تظهر أي نقد حقيقي وجدي لهيمنة الدولة على المنابر الدينية وعدم حياديتها في هذه المسألة، بل إن من تلك النخب من يدعو صراحة إلى مزيد هيمنة الدولة على المساجد. 

ولكنّ الذهاب بالتحليل إلى تحييد الدولة عن الدين باعتباره مدخلا ضروريا لتحييد الفاعلين السياسيين عن المنابر الدينية، والحد من استقوائهم بها في صراعات دنيوية بالأساس، لا يجب أن يجعلنا نغفل عن تحد واقعي قد تواجهه هذه الفرضية، ألا وهو المآلات الواقعية لتحييد الدولة عن المنابر الدينية في ظل واقع يغيب فيه أي "توافق ثقافي عام"، وفي ظل واقع تسيطر فيه الخطابات السلفية الوهابية بصيغتيها العلمية والجهادية على الوعي الديني، أي كيف يمكن الاطمئنان إلى المنطق الذاتي للحقل الديني في ظل هيمنة الخطاب السلفي، وانعدام أي بدائل حقيقية قادرة على مواجهته في قدرته على تفعيل الموروث الديني ضمن استراتيجيات تهدف إلى الإشباع النفسي أكثر مما تطلب الإقناع العقلي. 

ختاما، يبدو من المشروع أن نتساءل إن كان الإسلاميون "فقط" هم من يرفض "علمنة" الدولة واقعيا –باعتبار عملية العلمنة هي واقع ثقافي معيش بصور مختلفة، وليس بالضرورة بصورة واعية أو معترف بها-، وباعتبار العلمنة هي أساسا حيادية الدولة في الشأن الديني لا عداؤها للدين بالضرورة كما هو رائج بين عموم المواطنين، نتيجة للتاريخ/السمعة السيئة للائكية الفرنسية التي تحوّلت إلى أداة للتسلط  ورؤية شمولية للعالم، تنافس الأنساق الدينية التقليدية أكثر مما تسعى إلى الاعتراف بالاختلاف القيمي والمرجعي وإدارته بصورة فعّالة. 



مأساة أهل السنة .. محمد ألهامي

‏المشكلة الحقيقية المزمنة لأهل السنة أنه ليست لهم دولة مخلصة فعلا للدين والسنة، وإنما الأنظمة المنتسبة للسنة علمانيون ومتصهينة!! ‏لذا ترى أه...