قبل ست أو سبع سنوات، كنت في إحدى مدن الشرق الجزائري، حين تعرّف عليّ بعض الشبان وقادوني إلى عائلتين فقدتا ابنيهما في مرسيليا.
جلست معهم، وسمعت وجعهم، ولم تكن العائلتان وحدهما؛ فقد عرفت أن عددًا من أبناء تلك المدينة تحديدًا رحلوا في مرسيليا في ظروف غامضة.
حاولت أن أفهم، وأن أجمع ما يكفي من معلومات لإنجاز تحقيق صحفي، لكنني لم أستطع، فنسيت الموضوع.
وقبل أشهر قليلة، شاهدت يوتيوبر روسيًا شهيرًا قرر أن يدخل إلى عالم عصابات الشوارع في مرسيليا.
اقتحم الرجل بجرأة غير معهودة منطقة خطرة ومحظورة على الفرنسيين أنفسهم. هناك التقى شبابًا أغلبهم من أصول جزائرية كانوا يتحدثون معه أحيانًا بالعربية والدارجة، وفي لحظة معيّنة، ذكر أحدهم اسم تلك المدينة الجزائرية في شرق البلاد، ووجّه تحية إلى سكانها. ثم بدأ الشاب نفسه يشرح أنهم في صراع دموي طويل مع عصابة أخرى (كانوا من "دي زاد مافيا" وخصومهم هم عصابة "يودا")، قال الشاب أن كثيرًا من أصدقائه ماتوا أو "رحلوا" في تصفية حسابات، وأن المعركة ما زالت مستمرة.
👈في تلك اللحظة حزنت، لكنني أرويت فضولي الصحفي أخيرا، وفهمت القصة!
أظنني وجدت أخيرًا جوابًا متأخرًا عن سؤال بقي في رأسي طويلًا لسنوات، أولئك الشباب لم يكونوا مجرد مهاجرين ضائعين ينحدرون من أسر طيبة ومتواضعة؛ للأسف، كثير منهم دخلوا بدرجات مختلفة، إلى عالم بلا رحمة، عالم لا يسألك من هي أمك؟ ببساطة : كانوا أفرادا في واحدة من أخطر عصابات أوروبا، ولست أبالغ!
🔹وما شدّني أكثر في فيديو اليوتيوبر الروسي شيء واحد: كان هناك عنصر بصري موحد بين أغلب الشباب الذين ظهروا في الفيديو بوجوه مغطاة.
اللباس، وتحديدا ثنائية : لاكوست - لاريني، أحذية ضخمة، ألوان صاخبة، وشعارات بارزة.
إنه نفس ما يرتديه أبناؤنا اليوم، وسبحان الله تقريبًا طريقة الوقوف نفسها التي تراها في الشرق والغرب والوسط والجنوب، النبرة ذاتها، وحتى الحلاقة؛ كأن كل هؤلاء هنا وهناك يقولون: نحن ننتمي إلى عالم واحد، حتى لو فصلت بيننا البحار.
🔹لا يعني هذا (بما في ذلك المثال من مارسيليا) أن كل من يلبس لاكوست أو لاريني منحرف؛ هذا كلام تعميمي، فهناك أناس عاديون يلبسون هذين العلامتين، لكن اللباس له معنى، له رسالة، وله شيفرة يريد من يرتديه أن تقرأها.
👈إذا عدنا إلى أصله، فإن هذا اللباس هو خليط بين الرياضة والشارع والراب والضواحي الفرنسية.
لاكوست نفسها بدأت كعلامة تنس أنيقة، مرتبطة بعالم مختلف تمامًا عن الحي الشعبي، ثم حدث التحول: شباب الضواحي الفرنسية، خصوصًا في التسعينيات، أخذوا هذه العلامة من رياضة أرستقراطية إلى ضواحيهم المهمشة، فتحولت العلامة من البرجوازية إلى الشارع والهامش.
ثم جاءت أحذية مثل Air Max وTN، الألوان الفاقعة، والشعارات الكبيرة، والحقائب الصغيرة، والحلاقة، وطريقة الوقوف، لشتكّل صورة كاملة يقول من خلالها هؤلاء : نحن أبناء الضواحي، نحن هنا، لسنا نسخة من فرنسا الأنيقة التي تظهر في الإعلانات".
وحين وصل إلينا هذا النمط عبر الكابة، والراب، والمغتربين، لم يصل بكل تاريخه، لم تصلنا معاناة الضاحية الفرنسية، ولا تاريخ الهجرة، ولا صراع الهوية هناك.؛ وصلتنا الصورة شكلا فقط: ثم ملأها واقعنا الخاص: فراغ المدرسة، ضغط الحي، البطالة، نقص الفضاءات الترفيهية، والرغبة الجامحة في الظهور بمظهر القوي.
🔹أمس تذكرت قصة اليوتيوبر الروسي واللغز الذي وجدت له حلًا أخيرًا، تذكرته حين حاولت أن أشتري لباسًا رياضيًا لابني.
هو يحب الملابس الخفيفة المريحة، وهذا طبيعي تمامًا؛ الطفل يريد شيئًا يتحرك به بحرية، لا أريده أن يلبس كموظف صغير، ولا أن يعيش خارج عمره.
لكنني لم أجد في المحلات إلا النسخة نفسها التي غزتنا في السنوات الأخيرة: لاكوست ولاريني، تمساح على الصدر بأحجام متفاوتة، أحذية قرش سوداء أو مزركشة، ألوان فاقعة صارخة.
حمل ابني حذاءً لاريني أسود ثقيل يزن كيلوغرامين وقال لي: "بابا، اشترِ لي هذا. أصدقائي في المدرسة يلبسونه!"
هو محق من زاويته؛ أصدقاؤه يلبسونه فعلًا، وأولياء كثيرون يشترونه دون تردد، وأمهات يدفعن مبالغ أكبر فقط من أجل التمساح أو القرشو بالنسبة لهم هو مجرد لباس "على الموضة"، لا أكثر، لكن الأمر أعمق بكثير؛ إنه رمز في تحول عرفته مجتمعات قبلنا، وعرفناه نحن الآن.
👈 التاريخ يعطينا أمثلة واضحة، في أمريكا في الأربعينيات، لم يكن لباس "الزوت سوت" مجرد بدلة فضفاضة، بل صار رمزًا للهوية والتمرد عند الشباب المكسيكيين والأمريكيين السود؛ وقد تعاملت معه الصحافة والشرطة كعلامة على الخطر. وفي بريطانيا، تحولت "الهودي" من زي إلى رمز للشباب المخيف في المخيال الإعلامي. أما Burberry فقصتها أن: علامتها الشهيرة ارتبطت بثقافة "التشافز" والهوليغانز، لدرجة أن بعض الأماكن منعت دخول من يرتديها، واضطرت العلامة نفسها إلى تقليل استعمال النقشة لتهرب من الصورة الاجتماعية التي التصقت بها.
الفكرة إذن بسيطة: اللباس ليس بريئًا ولا محايدًا؛ إنه إشارة اجتماعية، بطاقة انتماء، إعلان عن الذوق والطبقة والمزاج والقبيلة الرمزية التي يريد الشاب أن يُحسب عليها. بل هو أكثر من ذلك؛ إنه جزء من الهوية نفسها.
وبالنسبة لي، لا أشتري له هذه الملابس ولا أنصح الأولياء بها لأسباب عدة أهمها :
🔹 أولًا: الطفل في مرحلة بناء الهوية حاليا، لا يعرف، لا يفهم بعد، هو الآن يجرب، يقلد، ويراقب؛ يبحث عن من لا يسخرون منه، عن من يخافونه، عن من يبدو مهابًا. ثم يبدأ في التقاط العلامات الصغيرة: الحذاء، القميص، قصة الشعر، الكلمات، نبرة الكلام، الموسيقى، طريقة الوقوف. الهوية لا تولد دفعة واحدة؛ إنها تُبنى من هذه التفاصيل المتراكمة، حجرًا فوق حجر.
حين يقول الطفل "أصدقائي يلبسونه"، فهو يطلب أكثر من حذاء؛ يطلب ألا يبقى خارج الدائرة. يستعير هوية جاهزة من الشارع، ويبدأ في تمثيل دور لم يختره بوعي. هذا ما تسميه النظريات الاجتماعية "الهوية الأدائية"؛ يرتدي الدور قبل أن يبني قيمه الحقيقية، وهو في مرحلة هشّة. هنا يبدأ المشكل
🔹 ثانيًا: اللباس يؤثر في السلوك: مئزر الطبيب يعطي صاحبه إحساسًا بالجدية، بدلة الشرطي تمنح حضورًا انضباطيًا، لباس الرياضة يدفع الجسد إلى الحركة، واللباس الذي يوحي بالبلطجة قد يدفع صاحبه، ولو قليلًا، إلى تمثيل الخشونة التي يوحي بها. في علم النفس توجد نظرية "الإدراك الملبوس" (Enclothed Cognition)؛ ومعناها أن اللباس لا يؤثر فينا من الخارج فقط، بل يغيّر شيئًا في طريقة إحساسنا بأنفسنا، بل وفي تصرفاتنا.
قِس على ذلك حين ترتدي بدلة رسمية (كوستيم) وحين تلبس لاكوست ولاريني؛ العقل يستجيب للزي الذي يغلفه.
🔹 ثالثًا: المجتمع لا يفهم الناس ولا يملك وقتًا لدراسة النوايا: قد يكون ابنك طيبًا، وقد يكون مؤدبًا، وقد لا يعرف شيئًا عن كل هذه الرموز. لكن الشارع لا يحلل النوايا؛ الشرطي لا يملك وقتًا طويلًا للتفريق بين طفل يقلد وآخر ينتمي. الناس يقرأون الإشارات بسرعة، وأحيانًا بقسوة بالغة. في الحياة اليومية، قبل أن تتحدث، يكون الناس قد وضعوك في خانة ما وحكموا عليك. ولهذا لا يكفي أن تقول: "ابني طيب"؛ قد تكون نيته طيبة فعلًا، لكن الصورة التي يرتديها ليست طيبة في نظر المجتمع، والمجتمع يحاكم المظاهر قبل السرائر.
🔹 رابعًا: "الوصم": حين يلبس الطفل زيًّا يربطه الناس بعالم معين، قد يبدأ الآخرون في معاملته على أساس ذلك. ينتبهون له، يشكون فيه أكثر، ويتوقعون منه سلوكًا ما؛ يضعونه (خصوصًا إن كان في سن المراهقة أو الشباب) في خانة "بلطجية الشارع". ومع الوقت، ووفقًا لنظرية "النبوءة ذاتية التحقق" (Self-Fulfilling Prophecy)، إذا كان ضعيف الشخصية أو محتاجًا للقبول، قد يستبطن هذا الوصم ويقول في داخله: بما أنهم يرونني هكذا، فلماذا لا أكون هكذا؟
🔹 خامسًا: ما الذي يريد أن يقوله بملابسه؟ نحن نربي أبناءنا في مجتمع ما زال يربط الرجولة بالصوت العالي، والملامح الخشنة، والقدرة على التخويف، والوقوف في الشارع بلا هدف. بدل أن يتعلم الطفل أن الرجولة نظافة، أدب، صلاة، انضباط، احترام للكبار، حماية للضعيف، مسؤولية، يتعلم ممن أكبر منه أن الرجولة هي أن تبدو خطرًا ومشبوهًا كي لا يقترب منك أحد. وهذا بالضبط ما لا أريده لأبنائنا ككل. أريد أن يفهم أبناؤنا أن الإنسان القوي لا يحتاج إلى لباس صاخب كي يثبت قوته، وأن الرجل المحترم ليس هو الذي يخافه الناس، بل الذي يأمنه الناس، وأن الهيبة التي تأتي من الخُلق أفضل بكثير من الهيبة التي تأتي من قميص وحذاء ونظرة مستفزة.
🔹 سادسًا: "الامتثال" وأن يصبح جزءًا من القطيع : الامتثال، يحدث حين يتخلى الفرد عن قناعاته وذوقه الخاص ليندمج مع الأغلبية خوفًا من النبذ، حين يصر الطفل على ارتداء ما يرتديه الجميع، هو في الحقيقة يتدرب على إلغاء تفرده.
نحن بحاجة إلى تربية جيل يملك شجاعة الاختلاف الإيجابي، جيل يستطيع أن يقول "لا" لما لا يناسبه، بدلًا من جيل ينسخ بعضه بعضًا في اللباس، والمشية، والتفكير، ليصبح في النهاية مجرد رقم إضافي في طابور طويل من النسخ المتطابقة ضمن قطيع يتحرك بلا هدف.
🔹سابعا : الذوق يُربى مثل الأخلاق تمامًا: نحن نعلّم الطفل أن يقول شكرًا، ألا يرفع صوته، ألا يرمي الأوساخ في الطريق، وأن يحترم الكبير. لكننا ننسى أن الذوق أيضًا تربية. الطفل الذي يعتاد الألوان الصارخة، والشعارات الضخمة، واللباس النايلوني، يعتاد ذوقيًا على لباس غير أنيق - ولولا رمزيته لما ارتداه أحد - لباس ملون أحيانًا بشكل غير متناسق، ونوعيات رديئة في السوق تجعله يتعرق وقد تسبب الحساسية. لا بد له أن يكون متذوقًا، وأن يتربى منذ صغره على لباس نظيف ومحترم وأنيق مهما كان سنه.
وعودة للعنوان أعلى المنشور : 👈اشترِ لابنك هذا اللباس إن أردته أن يكون مشبوهًا. اشترِه إن أردت أن ينضم إلى عالم أكبر منه بكثير، أن يتصرف مثل من هم أكبر سنًا، أن يستعير هويتهم قبل أن يبني هويته الحقيقية، اشترِه إن كنت تريد له أن يجعل من المهمشين الضائعين قدوة.
لا تصدقني، انظر حولك، شاهد صور الموقوفين الذين يقدمهم رجال الأمن والدرك، لاحظ فيديوهات العنف في الشوارع الني نراها أحيانا، المشهد يتكرر دائمًا: لباس واحد، شعارات واحدة، راية واحدة.
أمس في البليدة، شاب أوقفه الأمن الوطني في ظرف 24 ساعة، تسبب في سفك دم بغير حق. عودوا إلى الصور، لاحظوا ماذا كان يلبس. ثم قولوا لي: هل هذا صدفة أم لا؟
🔹 ولهذا أنا مع منع هذا اللباس في المدارس والفضاءات التربوية. كما حاربت السعودية "التشوه البصري" لأن الفوضى البصرية تؤثر في الذوق والسلوك، نحن نحتاج أيضا إلى محاربة تشوه أخطر: تشوه يبدأ بلباس وينتهي بسلوك.
لكن المنع ليس الحل الكامل، الحل الحقيقي يتطلب استثمارًا في التربية، في الثقافة، في بناء الإنسان، يتطلب أن نصنع قدوات بدلًا من أن نترك أبناءنا يصنعونها من الشارع.
يتطلب أن نعطي الطفل أسبابا ليكون فخورًا بنفسه، بعقله، بقيمته الحقيقية، وحين يشعر الطفل أن لديه قيمة، لن يبحث عن قيمة في "لاكوست" و"لاريني".
👈هل ترى أنه يجب منع هذا اللباس؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق