الخميس، 28 مايو 2026

شبح الشيخوخة في الدول المغاربية .. بقلم حس سليم

حتى المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) يُطلق التحذيرات من شبح الشيخوخة الذي يقترب من الدول المغاربية — ولا يختلف الأمر في باقي الدول العربية —، وليس ذلك بلا سبب؛ فقد انهار معدل الخصوبة في تونس سنة 2024 إلى 1.53 طفل لكل امرأة، وفي المغرب إلى 1.97، أي دون عتبة تجديد الأجيال المحددة بـ2.1. أما في الجزائر، فيبلغ 2.61 (مع وجود مصادر أخرى تتحدث عن معدل أقل)، لكنها تسير في منحنى تنازلي مستمر، ما يعني أن المسألة مسألة وقت فقط. أما في مصر، فنجد 2.41 طفل لكل امرأة، ضمن منحنى تنازلي أيضًا، كحال جميع الدول العربية.

ورغم أن الدراسة التي نشرها هذا المعهد الفرنسي لم تأتِ بجديد بالنسبة للمهتمين بالموضوع، فإن الحكومات ما تزال في سبات عميق، وما يسمى تجاوزًا بالنخب “المثقفة” لا تزال كعادتها، كالأبقار، تجتر صورًا نمطية بائدة عن العائلة العربية التي تنجب اثني عشر طفلًا، وعن أن تراجع الإنجاب هو المفتاح السحري للنهضة الاقتصادية.

هذا الهراء يردده إما كسولٌ يأبى التفكير خارج صندوق ثقافة الريع وعقلية تقسيم الكعكة الثابتة، وإما مَن تحركه دوافع طبقية، إذ يرى في الطبقات الدنيا منافسًا على الأكسجين الذي يتنفسه، لكنه يُقدِّم ذلك في صورة تفوق أخلاقي: لماذا تنجبون وأنتم فقراء؟ وهناك نوعٌ آخر أشد خطورة: شخص تسكنه عُقَد نقص وكراهية أيديولوجية صريحة لمجتمعه، ويحمل في قرارة نفسه أمنية فنائه؛ فالأوروبي وحده، في نظره، يستحق البقاء. ومع ذلك تُفتح له المنابر، ويُقدَّم باعتباره “مثقفًا” له الحق في الحديث في الشأن العام، بينما هو في حقيقته مجرد روائي لا يُحسن سوى الخطابة والثرثرة الأدبية، وبعيد تمامًا عن المعطيات العلمية والمنهج العلمي الذي يظن المسكين أنه يفكر من خلاله.

هؤلاء جميعًا، ممن يعتقدون أن الإنجاب هو المشكلة، لم يذوقوا بعدُ ما يكفي من نتائج الآثار الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية المدمرة للشيخوخة الديموغرافية، والتي ستكون أكثر قسوة على دولنا منها على الدول الأوروبية التي تمتلك على الأقل الموارد والبنية التحتية والتكنولوجيا الكفيلة بتخفيف وطأتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سيدي علي بلخراج ..

يُعتبر اختيار الولي الصالح **سيدي علي بخراج** الاستقرار في منطقة "الضاية"بدلاً من "مزاورو" جزءاً من النمط الاجتماعي الذي...