هذا البلد هو من أقل دول العالم خصوبةً بمعدل 1,18 طفل لكل امرأة، و24,7٪ من السكان فوق سن 65، ومقابل كل 3 متقاعدين هناك 4 عمال، في الوقت الذي كان فيه في الستينيات يتعين على 7 عمال التكفل بمتقاعد واحد فقط. وأخيرًا، وهنا تكمن المفارقة، فإن 20٪ من الشباب الإيطالي عاطل عن العمل، وهي ثاني أعلى نسبة في أوروبا بعد رومانيا، كما تحتل إيطاليا المرتبة الثالثة بعد رومانيا وبلغاريا من حيث هجرة الشباب، إذ غادرها 600 ألف شاب في السنوات الأخيرة. كل هذا على الرغم من أن البلد يعاني من شيخوخة سكانية حادة جدًا؛ فما قد يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن شيخوخة المجتمع هو أن الشباب لن يعانوا في الحصول على وظيفة براتب جيد، لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا، إذ تؤدي الشيخوخة المرتفعة إلى الضغط على صناديق التقاعد، مما يعني رفع سن التقاعد، وتعقيد التقاعد المبكر، وخفض المعاشات، الأمر الذي يدفع كبار السن إلى الاستمرار في العمل، لا سيما في المهن المكتبية التي تتطلب شهادات عليا. وهنا نصل إلى أحد الأسباب الرئيسية لبطالة الشباب بالاضافة للأزمات الاقتصادية في إيطاليا وغيرها -بما في ذلك دولنا- وهو غياب التنسيق بين التعليم وسوق العمل، الأمر الذي يُفرز جيشًا ضخمًا من حاملي الشهادات العليا التي لا قيمة لها في سوق العمل، غير أنها تمنح أصحابها شعورًا بالاستحقاقية يحول دون انخراطهم في المهن اليدوية والبسيطة، التي يضطر النظام إلى تغطية العجز فيها عبر الاستعانة بالمهاجرين رغم البطالة العالية نظريًا (وهذا ما تجده حتى في دول عربية غير خليجية). من هنا تفهم كيف أن رئيسة الوزراء الإيطالية التي من اليمين المتطرف وأقامت كل حملتها على وقف الهجرة تضطر إلى فتح أبواب الهجرة أمام مئات الآلاف.
الدول الوحيدة ربما التي انتهجت سياسة متميزة في التعامل مع إشكالية بطالة الشباب هي ألمانيا واليابان، حيث نجد تنسيقًا عاليًا جدًا بين التعليم وسوق العمل، مع برامج راسخة للتكوين المهني منذ سن مبكرة. بيد أن هذا ليس حلا سحريًا لمشكلة الشيخوخة، إذ يظل نقص العمالة ظاهرًا جليًا، حتى في قطاعات محورية كالصحة التي تعاني من شُح حاد في الأطباء شأنها شأن سائر الدول الأوروبية، حيث قد يضطر المريض إلى الانتظار ستة أشهر أو أكثر للحصول على موعد لدى بعض التخصصات في كثير من
المناطق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق