الجمعة، 4 أكتوبر 2024

احداث اكتوبر 1988.. الجزء الاول .. الاستاذ براء عبد الله

أحداث أكتوبر 1988 
الجزء الأول
الطريق نحو الكارثة
.
واهم من يظن أن حربنا مع فرنسا الاستعمارية انتهت في 05 جويلية 1962 ،حين علا علم الجزائر المستقلة ليرفرف شامخا فوق الرؤوس، والحقيقة أن حربا جديدة بدأ سعيرها يشتد ليصل ذروته في فترة حكم الرئيس هواري بومدين رحمه الله، الذي لم يفوت لفرنسااي مناسبة إلا و أصابها في الصميم، فبدأ باستعادة القاعدة البحرية بالمرسى الكبير عام 1966،  مرورا بسلسلة التأميمات التي كلفت فرنسا خسائر فادحة يصعب حصرها بالتدقيق، وصولا لملف التعريب الذي أراد من خلاله أن يقطع أخر حبل بين فرنسا و الجزائر، إلا أنه أجرى خطوة واحدة للخلف عام 1977، في انتظار حل نزاع الصحراء الغربية، ليتفرغ بعدها ثانية، لملف فك الارتباط مع فرنسا، إلا أن المنية وافته فلم يكمل ما بدأه، و انتقل لجوار ربه إثر إصابته بداء خطير و غريب، قضى عليه في لمح البصر.
 بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، استلم العقيد الشاذلي بن جديد رحمه الله، مقاليد الحكم في الجزائر حاول قدر جهده تهدئة الأجواء بين الدولتين، فقام بأول زيارة رسمية لرئيس جزائري لفرنسا، و فتح المجال للشركات الفرنسية للعودة قصد الاستثمار في الجزائر، و سعى جاهدا لبناء جسر حوار حقيقي، و فعال بين البلدين، و رغم محاولات التهدئة التي انتهجها الرئيس الشاذلي، لامتصاص الغضب الرسمي الفرنسي،  إلا أن الحرب بقيت مشتعلة في الكواليس، و انتهت باحتراق بن جديد، ثم ليصل لهب هذا الصراع الجزائر الفرنسي للجزائر نفسها، فدخلت البلاد في عشرية سوداء، أتت على الأخضر و اليابس.
لقد كان لفرنسا، دور شنيعا في كثير من الأحداث المأساوية، التي عاشتها الجزائر، فعلى سبيل المثال، حين انهارت أسعار البترول عام 1986 ، و فقدت الجزائر أكثر من ثلثي مداخيلها من العملة الصعبة، مما تسبب في أزمة مالية خانقة، جعلت حكومة عبد الحميد الإبراهيمي رحمه الله، عاجزة حتى على توفير المواد الأساسية للمواطن الجزائري، و صار لزاما على الدولة ككل، أن تتخذ إجراءات صارمة لإعادة التوازن للاقتصاد الوطني، الذي أصبح مهددا بالانهيار، اجتمع المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني، بصفته أعلى هيئة سياسية تملك صلاحية اتخاذ القرار في جميع شؤون الدولة،  خلال هذا الاجتماع الساخن، الذي وجه فيه الرئيس الشاذلي انتقادات لاذعة للوزير الأول، و لمسئول الحزب و نعت الحكومة و الحزب، بأنهما أجهزة عاجزة، و فاشلة و غير قادرة على توفير أدنى شروط المعيشة الطيبة للمواطن البسيط، تقرر مراسلة فرنسا قصد إعادة النظر، في سعر الغاز الطبيعي الذي تصدره لها الجزائر، كإجراء أولي سيرفع من مداخيل البلاد من العملة الصعبة، مما سيعطي للدولة متنفسا يمكنها من تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية،  إلا إن فرنسا رفضت الطلب و كان رد حكومتها على الطلب الجزائري، أن سعر الغاز الجزائري الموجه لفرنسا موافق تماما للسعر المعمول به عالميا، و عليه لا مجال للزيادة في الأسعار.
بعد تلقي الحكومة الجزائرية للرد الفرنسي الرافض لإعادة النظر في أسعار الغاز الجزائري، قررت الحكومة الجزائرية لرد فعل عكسي، تقليل الاستيراد من فرنسا، و وجهت الوزارة الأولى تعليمة لجميع الشركات الوطنية تأمر فيها مقاطعة تامة للمنتجات الفرنسية، فما كان من مديري الشركات الوطنية إلا تطبيق تعليمة الوزارة الأولى حرفيا، و امتنعوا كليا عن شراء المنتجات الفرنسية، و استبدلوها بمنتجات من ايطاليا و اسبانيا و ألمانيا، إلا أن الحكومة الفرنسية بقيت مصرة على موقفها، و رفضت فتح الحوار قصد إعادة النظر في سعر الغاز الطبيعي الجزائري. 
تحت وقع الديون الأجنبية، و شح العملة الصعبة، و الرفض الفرنسي بإعادة النظر في أسعر الغاز الطبيعي، قررت الحكومة الجزائرية توجيه ضربة أخرى للضغط أكثر على فرنسا، فقامت بإلغاء النشرات الإخبارية الناطقة باللغة الفرنسية، التي كانت تبثها القناة التلفزيونية الجزائرية (لاحظوا أن بوتفليقة أعادها، و صارت تبث من جديد 25 سنة بعد ذلك) كما قررت الحكومة الجزائرية تخفيض مهول لعدد ساعات دراسة اللغة الفرنسية في جميع المدارس و المتوسطات و الثانويات، كما أخرجت قانون تعميم التعريب من جديد، و بدأت تلوح بضرورة إكمال ما بدأه الرئيس هواري بومدين رحمه الله، في مجال التعريب في إشارة واضحة و جديدة، أن الهدف هو إرغام فرنسا على قبول إعادة النظر في سعر الغاز. حاولت الحكومة الجزائر هذه المرة، أن تضرب على الوتر الحساس، الذي لا تساوم عليه فرنسا، و لا تحب اللعب عليه (اللغة الفرنسية)، إلا أن الحكومة الفرنسية حافظت على خط سيرها الرافض لأي ضغط جزائري.
بعد فشل الحكومة في إرغام الجانب الفرنسي، على قبول طلب إعادة النظر في سعر الغاز، لم يبقى في يد الحكومة الجزائرية أي خيار أخر، سوى قطع التموين على فرنسا، و فسخ المعاهدة التي تربط البلدين فيما يخص تموينها بالغاز الطبيعي الجزائري، إلا أن قرار كهذا، لم يكن لتتخذه الحكومة الجزائرية، دون أن تحسب نتائجه على المدى القصير و المتوسط و البعيد، كما يجب دراسة انعكاسات هذا القرار على جميع شركاء الجزائر التي تمونهم بالغاز الطبيعي، لذلك قرر الرئيس بن جديد، تشكيل لجنة عمل تضم:
1-  الوزير الأول عبد الحميد الابراهيمي.
2- وزير الطاقة بلقاسم نابي.
3-  وزير التجارة محند أمقران شريفي.
4-  وزير الخارجية الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
5- وزير النقل رشيد بن يلس.
6- و مدير ديوان الرئاسة العميد العربي بلخير 
كانت مهمة هذه اللجنة، إيجاد حل يجبر فرنسا على قبول المقترح الجزائري الخاص بإعادة النظر في سعر الغاز. 
لم تجتمع هذه اللجنة إلا مرة واحدة فقط، لم تجتمع بعدها أبدا، حيث اقترح أحد أعضائها فكرة تصيب فرنسا في مقتل حيث قال: إن فرنسا دولة تكره أن تمس لغتها و ثقافتها من أي كان،  فإذا قمنا بغلق الثانويات الفرنسية في الجزائر (وهران، الجزائر و عنابة) فإنها ستعي أن الجزائر تسير في طريق يخرجها عن دائرة الفرنكوفونية، و بالتالي ستفقد فرنسا دولة كانت للغة و للثقافة الفرنسية مكانة مرموقة فيها، دار نقاش حاد بين أعضاء اللجنة، و انتهى بهم الأمر لرفع المقترح للرئيس الشاذلي قصد البث فيه. 
و في 30 جوان 1988 (و بدون علم أغلبية أعضاء اللجنة السابقة الذكر) راسلت الخارجية الجزائرية، نظيرتها الفرنسية لتعلمها أن الجزائر قررت غلق الثانويات الفرنسية الثلاثة الموجودة في الجزائر، لقد كان لهذا القرار وقع قنبلة نووية في الأواسط الحكومة الفرنسية، التي اعتبرت القرار الجزائري انتهاك واضح و صارخ و مباشر، لكل شيء له صلة بالثقافة و الهوية الفرنكوفونية.
في نفس اليوم الذي أبلغت فيه الخارجية الجزائرية نظيرتها الفرنسية (30 جوان 1988 ) أن الدولة الجزائرية قررت غلق الثانويات الفرنسية، في كل من الجزائر العاصمة و وهران و عنابة، مع تحويل المقرات إلى صاحبها الأصلي (وزارة التربية الوطنية الجزائرية) انعقدت دورة استثنائية للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، لدراسة نقطة واحدة فقط مدرجة في جدول الأعمال هي : ملف الوحدة مع ليبيا، المشروع الذي وزع على كامل أعضاء اللجنة المركزية و الذي كان يتكون من 164 صفحة من ضمنها مشروع دستور الإتحاد بين الجزائر و ليبيا يتكون من34 صفحة و يضم 90 مادة تحدد تنظيم و سير مؤسسات الوحدة بين الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية و الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، و جاء في مداخلة الشاذلي بن جديد الأمين العام للحزب الحاكم (حزب جبهة التحرير الوطني)، أنه تم الاتفاق مع الطرف الليبي، على تنظيم استفتاء في كل من الجزائر و ليبيا بعد الدخول الاجتماعي في شهر سبتمبر 1988 دون أن يحدد تاريخ بعينه، و اكتفى بالقول أن الإخوة الليبيين مستعدون لمنح الجزائر رئاسة هذه الدولة الاتحادية، كما إنهم مستعدون ليشغل الجزائريون المناصب السيادية، في الدولة الجديدة متى جرى الاتحاد بين البلدين. 
لقد كان لهذا الخبر وقع قنبلة نووية ثانية هزت أركان فرنسا، فباريس التي كانت تمارس ضغوطات مهولة، و تتماطل في تمويل الجزائر (عن طريق نادي باريس) بالقروض الضرورية لسير اقتصادها، استشعرت أن مصالحها أصبحت مهددة، فالجماهيرية الليبية دولة تمتلك موارد مالية ضخمة لو أضيفت إليها القدرات الاقتصادية و البشرية الجزائرية فإنها ستنتج عملاقا، يمكن أن يتسبب في اختلال التوازن بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، و قد غدت المخاوف الفرنسية القروض التي قدمها العقيد معمر القذافي قبل ذلك للجزائر بقيمة 100 مليون دولار ثم تبعه بقرض ثان بنفس القيمة و قرض ثالث بنفس القيمة أيضا، دون أن يحدد تاريخ للسداد و لا أن يشترط أي شيء مقابل ما قدمه من مساعدات مالية للجزائر، كما قام العقيد القذافي بفتح ليبيا للشركات الوطنية الجزائرية الراغبة في دخول المناقصات الدولية الليبية. و ما زاد مخاوف الغرب من هذا الاتحاد بين الدولتين هو طابعا العربي الإسلامي، ففي المادة الخامسة من مشروع دستور الاتحاد بين البلدين، جاء أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في دول الاتحاد، و في المادة السادسة جاء : أن الإسلام هو دين دول الاتحاد، و هو مصدر من المصادر الأساسية للتشريع فيها، فهل كانت فرنسا و دول أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مستعدة لقيام دولة إسلامية في الجهة الجنوبية المقابل لها من البحر الأبيض المتوسط ؟ طبعا لا. 
جاء أيضا في المادة العاشر من مشروع الدستور : أن الاتحاد مفتوح لكل الدول العربية، و لا يشترط فيه تجانس التنظيم السياسي و الاجتماعي الداخلي لكل قطر ، بمعنى أن الاتحاد مفتوح لأي دولة عربية مهما كان موقعها الجغرافي بعيدا عن الجزائر و ليبيا و مهما كان نظامها السياسي ملكيا أو جمهوري، مما كان سيعطي بعدا استراتيجيا للاتحاد الذي كان ستنظم له بدون أدنى شك كل من تونس و موريتانيا، مما كان سيزيد من قوة تلك الدولة لو كتب لها أن ترى النور. 
لم تتوانى الصحف الفرنسية، و من خلالها الإعلام الفرنسي ككل، بمهاجمة مشروع الوحدة بين الجزائر و ليبيا، و اعتبرت الصحافة الفرنسية هذا المشروع خطرا على المصالح الأوروبية في المنطقة، بحيث سيصعب التعامل مع إتحاد سياسي و اقتصادي يجمع دول المغرب العربي الخمسة، بما لها من موارد طبيعية و بشرية تمكنها من الاستغناء كليا عن القروض البنكية الأوروبية، مما سيعطي لهذه الدول مجالا للاستقلال في اتخاذ قراراتها السياسية، دون الخوف من ردود الفعل الأوروبية اقتصاديا.
في نفس هذه الفترة أنهى مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية (غازي حيدوسي) تقريره الخاص بإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، الذي كلف بإعداده في بداية السنة، حيث أضاف (غازي حيدوسي) كلمة للتقرير لم يفهمها أي أحد حينها، قال غازي حيدوسي بالحرف : (إن أي إصلاح للاقتصاد الوطني غير ممكن في وجود حزب واحد، و إن أي إعادة هيكلة للاقتصاد ،لا يمكن أن تتم ما لم يفتح المجال للتعددية السياسية)، و بمجرد تقديمه للتقرير المذكور خرج غازي حيدوسي في عطلة، و لم يلتحق بمنصبه برئاسة الجمهورية حتى 06 أكتوبر 1988 أي 24 ساعة بعد الأحداث الدموية التي عاشتها الجزائر العاصمة حينها. 
ميز صائفة عام 1988 سخونة مرتفعة جدا، و خرج 90 بالمائة من كبار المسئولين في الحزب و الدولة في عطلتهم السنوية، بينما كانت الجزائر فوق فوهة بركان، لتنفجر قضية رشيد موحوش، و البنك الخارجي الجزائري و يتورط توفيق بن جديد في هذه القضية، التي هزت أركان الدولة، و أثرت سلبا على الرئيس بن جديد، الذي أخذ يستشعر الخطر المحدق به، و مع ذلك ترك الجزائر العاصمة و هي تغلي، و توجه للإقامة الرئاسية في بوسفر بوهران، لقضاء عطلته الصيفية التي استمرت حتى بداية شهر سبتمبر 1988، تاركا شؤون الرئاسة لمدير الديوان العميد العربي بلخير الذي أمسك بشؤون البلاد كاملة، خصوصا و أن الأمين العام لرئاسة الجمهورية مولود حمروش، خرج هو أيضا في عطلة صيفية، فلم يبقى في الرئاسة غير بلخير، الذي  لم يغادر منصب عمله خلال فترة الصيف كاملة.
اشتد حر الصيف و اشتد معها استياء الشعب، فقد اختفت تماما كل المواد الأساسية من المحلات و من أسواق الفلاح، كما ميز تلك الصائفة، الانقطاعات المتكررة و الطويلة للمياه الصالحة للشرب، فلا مياه متوفرة و لا زيت و لا سميد و لا بطاطا، و ما زاد الوضع تعقيدا هو الإشاعات التي انتشرت انتشار النار في الهشيم التي مفادها أن كل ما حدث و ما يحدث مقصود و مفتعل.
الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله لم يكترث كثيرا للوضع القائم في البلاد، و بالرغم من الحالة المتردية للاقتصاد الوطني، و الإشاعات و الأزمة السياسية الخانقة مع فرنسا، أخذ انطلاقا من مقر إقامته ببوسفر بوهران يستقل سيارته الخاصة (سيارة بي أم دوبلفي) بدون سائق و بدون حراسة و لا يصطحب معه إلا ضابط التشريفات واحد، و يقوم بجولات للحدود الغربية قصد الوقوف بنفسه على مدى تقدم أشغال إعادة تهيئة مراكز العبور قصد إعادة فتح الحدود مع المملكة المغربية التي تقررت خلال مؤتمر القمة في زرالدة في 10 جوان 1988، كما كان يتوقف في الطريق ليتكلم مع الناس، و يستمع لانشغالاتهم بعيدا عن البروتوكول و الرسميات و الحرس الذين كانوا يمنعون أي شخص من الاقتراب منه. هذه العملية مكنت الرئيس بن جديد من معرفة الوضع الحقيقي للبلاد بعيدا عن التقارير الطويلة التي كان يجد عناء كبيرا في قراءتها و استيعاب كل ما فيها، لقد كان بن جديد رحمه الله، شخص عادي جدا يفضل الاستماع لمواطن بطريقة مباشرة فيفهم منه ما يشغل باله خير له من قراءة تقارير كاذبة تصور له الوضع على أن الجزائري يعيش في جنة، و إن هذه الزيارات التي قام بها الرئيس منفردا للحدود الغربية، و اختلاطه المباشر بالشعب بعيدا عن الرسميين، أعطت له صورة حقيقية للوضع، و سيكون لها وقعها خلال خطابه في 19 سبتمبر 1988.
يتبع


السبت، 15 يونيو 2024

العيد مع الأنبياء... بقلم البشير عبد السلام

تاريخيا كان العيد مع الأنبياء فرصة لزرع الفرح في الهامش  ومناسبة لإعادة توزيع بعض الثروة في العالم القديم، هكذا إذن قام المسيح الذي عُرف بتمرده على سُلطة الكهنة بحركة تصحيحة تمنح بُعدا وجوديا لقربان الصدقة حين جعلها تُصرَف حصراً لصالح الفقراء  بعدما كان العُشور اليهودي يُخصَّص للكهنة وللمحارق ولا يُصرف منه للفقراء إلا النزر اليسير. ثم أبدع الإسلام مفهوم الزكاة لإعادة توزيع بعض من الثروة  ( هناك من أسلم في عهد النبي عندما أدرك أن توزيع الثروة هو مبدأ جوهري في الإسلام كحال الرجل الذي دخل على النبي وهو بالمسجد وسأله : أنشدك بالله، آ اللهُ أمرَك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنياءنا فتقسمها على فقراءنا ؟ وإذ أكد النبي له سؤاله،  قال: آمنت بما جئت به وأنا رسولُ مَن ورائي مِن قومي ... ) ، كما منح الإسلام مفهوم القربان والصدقة بُعدا تعويضيا إلى جانب بعده التطهيري، ذلك أن الشعيرة في الفترة التأسيسية للأديان التوحيدية لم تكن هدفا في ذاتها بل كانت كالمجاز الذي هو قنطرة الحقيقة. 
هكذا إذن كان فقراء المسيحيين والمسلمين - على سبيل المثال لا الحصر - ينتظرون  عيد المظال أو السكوت  وعيدَي الفطر والأضحى بفارغ الصبر لأنها فرص تعويضية لهم وتطهيرية لإخوانهم الأغنياء.  الآن أصبح الفقراء يخشَوْن اقتراب موعد الأعياد الدينية لأنها أصبحت تثقل كاهلهم أكثر فأكثر، ليس فقط بسبب تأثر الدين بقيم اجتماعية طارئة عليه، ولا بسبب فصل المقال فيما بين الرمز ( الطقوس ) والمرموز ( الايمان ) من اتصال، ولا أيضا بسبب أن  الفكرة قد تؤدي دورا ما في فترة معينة و نقيض ذلك الدور في فترة لاحقة كما يُعلّمنا تاريخ الأفكار ؛ ولكن  لأن مشكلة الدين أنَّه كما يؤثِّر في التاريخ فإنه يتأثر به، ومن ثمَّ فنُسخته التي ترعاها الأنظمة  الاستبدادية التي تغيب فيها العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص- بما فيها فرصة التعليم والتوعية- تحوّله إلى  عبء آخر. والنتيجة هي أن الدين في حالة الاستبداد هو  بدوره استبدادي - بتعبير مونتسكيو -،  إنه خوفٌ  مضافٌ إلى خوف . 
 لكن من جهة أخرى فإن هذا الخوف من اقتراب العيد قد يزول تدريجيا ليس بسبب زيادة الوعي لدى عامة الناس بمعاني الدين وترتيبات التدين،  ولا بسبب تدخل حكومي يجعل الأضحية في متناول الفقراء، بل لأن هؤلاء وقد تقطّعت بهم أسباب الحصول على ثمن الأضحية سيجدون أنفسهم مضطرين لترك هذه الشعيرة بسبب أن خروف الدولة الاجتماعية والقوة الإقليمية والمخطط الأخضر والفانيدي وما يتبعها من شعارات الجدية والحكامة وكل محاولات تغيير الواقع باللغة/اللغو 
 أصبح خروفا له  باااااااااااع طويل لا تقدر عليه الطبقة المستضعفة ، وهنا سيحدث بالتدريج تطبيع مع ترك هذه الشعيرة و نزع لقداستها -المبالغ فيها- في المخيال الشعبي.  وإن كان ثمة من يقف خلف هذا الأمر فطبعا فليس هدفه عقلنة مجتمع القاع وإنما هدفه محاولة القضاء على أي فرصة ولو حولية " من الحول وليس الحولي " تذكر الفرد بأنه ينتمي معنويا وروحيا لجماعة عابرة للحدود ويتقاسم معها أجمل شيء يتمناه الفرد وهو الفرح، وطبعا فهذا الرأي لا ينطبق على مناسبة هذا العام التي تقتضي أن يكون العيد مناسبة للتضامن لا للفرح . وإن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.

الثلاثاء، 16 أبريل 2024

في النقاش حول ابن باريس.. بقلم نوري ادريس



ثمة موقفين لا تاريخيين  من ابن باديس: 

الموقف الاول, يتبناه بشكل عام البربريست واللائكيين,  ويتعلق بموضوع الهوية. "يعادي" هذا التيار ابن باديس لانه في نظرهم  بنى نظرته للهوية الجزائرية علي اللغة العربية والاسلام فقط, وغالبا ما يستحضر بيته  الشعري ( شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب) كحجة  للتأكيد علي أن ابن باديس ألغى البعد الأمازيغي من الهوية الجزائرية.
 يسقط هذا التيار صراعات اليوم حول الهوية على سياق الاربعينات من القرن الماضي.

حين قال ابن باديس ذلك البيت الشعري, فإنه يضع العروبة والاسلام مقابل اللغة الفرنسية والمسيحية( المسيحية ليس كديانة, بل كهوية فرنسية استعمارية), وليس كخصم للأمازيغية.., ثم ان السياق الذي قال فيه ذلك, لم يكن الموضوع الأمازيغي مطروحا بعد, وكان الامازيغ اصلا يعرفون انفسهم على  أنهم مسلمون جزائريون بثقافة عربية امازيغية, أو أن الوعي بموضوع الهوية الامازيغية لم يكن موجودا أصلا ...كما أن  رفضهم لقانون  للظهير البربري ( 1931) في المغرب دليل على تمسكهم بالهوية الاسلامية العربية ورفض اعادة تعريفهم بشكل يفصلهم عن العروبة والاسلام

ميز ابن باديس بين الجنسية السياسية والجنسية الوطنية, كما أنه رحب بإلغاء الخلافة من قبل كمال اتاتورك...كان ابن باديس علمانيا بالفهموم الحديث للكلمة, و اكثر انفتاحا من لائكيي اليوم, وسمح له تمييزه بين الجنسية السياسية والجنسية القومية  للتأسيس لامكانية تعايش ديانات مختلفة داخل الدولة الواحدة ( بالطبع لم يكن ذلك ممكنا لأن فرنسا في الجزائر كان نظاما استعماريا وليست دولة, وهذا ما أدى الي إلتحاق الجمعية بالاستقلاليين بطلب من عبان رمضان)

اما التيار الثاني, فموقفه السلبي من ابن باديس مرتبط بموقف جمعية العلماء من الاستعمار.جزء كبير من هذا التيار يتشكل من التيار الأول, وجزء آخر, يحمل قناعات ايديدلوجية تصطدم مع التيار الاسلاموي, ويؤمن بالتعدد وحرية الاختلاف....

يعتقد هذا التيار ان أداء الجمعية خلال مسار الحركة الوطنية كان سلبيا , وهذا بسبب "الموقف المهادن" من الاستعمار كما يقولون. لايتردد البعض في سل افتتاحية البصائر  كل مرة لإدانة الجمعية ورميها بتهمة الخيانة...

هنا أيضا يجب أن نؤكد أن جمعية العلماء كان موقفها متدرج من الاستعمار, وفضلت أن  تأتي الى الاستقلال عبر المطالب الثقافية الهوياتية, تماما مثلما فعل الاصلاحيين,( udma فرحات عباس,) الذين وصل بهم الطريق الي الانخراط في الجبهة  من خلال المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية في حق الحزائريين. 

في الحقيقة, سواءا أتينا عبر طريق المطالب الهوياتية, أو طريق المطالب السياسية, فسينتهي الأمر الي الاصطدام بالمنطق الاستعماري الرافض للمساواة السياسية وللحقوق الهوياتية, وهذا هو منطق الاستعمار بحكم تعريفه. إنه قائم علي اللامساواة وعلى التمييز الهوياتي( الأبارتهايد).

بالاضافة.الى  أن الجمعية ساهمت في تعليم الجزائريين , فهي أيضا انتهى بها الأمر الى الالتحاق بالاستقلاليين بشكل رسمي  سنة 1956( بطاب من عبان رمضان), وهذا تطور طبيعي لكل مناضل نزيه, بغض النظر عن الوسائل والطريق التي يسلكها.

لا يمكن للجزائريين ان يكونوا بنفس مستوي الوعي الثوري, ولا بنفس التصور لوسائل الكفاح, ولا نفس التصور لمستقبل الدولة. 

العمال والكادحون لم يكن لهم ما يخسرونه, ومنذ البداية شكلوا قاعدة ثورية لحزب الشعب. 
الطبقة الوسطى المتعلمة في المدارس الفرنسية كانت تعتقد أنه بإمكان الانطلاق من المطالبة بالمساواة السياسية, وحين خاب ضنها بعد بلوم فيولت , ثم مجازر 8 ماي , بدأت تلتحق بالراديكاليين في حزب الشعب. 

الثقافيون, بطبعهم يميلون الى الهدوء والنصح و الارشاد والدعوة والتركيز علي القيم والدين والهوية, واستثمروا في التعليم والارشاد الديني, وكانوا في الحقيقة امتدادا للحركة الاصلاحية العربية...انطلقوا من موضوع الهوية وانتهى بهم الأمر في حضن الراديكاليين, لانهم ادركوا أن لكل أمة سياسية هوية قومية خاصة بها, وأن فرنسا اليعقوبية لن تتنازل للجزائريين عن حقوق هوياتية قد تتطور الي المطالبة بحقوق سياسية قومية. 

مشكلة ابن باديس, ان العروبيين والاسلامويين هم استغلوه بصورة بشعة لاقصاء الابعاد الامازيغية من الهوية الوطنية بعد الاستقلال, وهم من يتحمل مسؤولية ذلك, وابن باديس بريئ منهم.

أما البربريست المتطرفون, , فهم أيضا انطلقوا من المطالب الهوياتية كطريق للنضال السياسي بعد الاستقلال , وانتهى الامر ببعضهم إلى المطالبة بالانفصال , والدولة الوطنية تصدت لهم, تماما مثلما فعلت فرنسا مع مطالب ابن باديس الهوياتية, مع التأكيد علي  الفرق بين فرنسا الاستعمارية التي كانت تريد الحفاظ علي الهيمنة الاستعمارية  وموقف الدولة الوطنية من الانفصاليين الذي كان يهدف الي الحفاظ على الوحدة الوطنية.

التنوع في  أساليب النضال خلال الحركة الوطنية يعكس التنوع السوسيولوجي في المجتمع, وكل ساهم انطلاقا من وضعه الاجتماعي ووعيه المنبثق منه في استعادة الاستقلال وتأسيس الدولة الجزائرية. 

الخونة معروفون, وهم أولئك الذين رفعوا السلاح في وجه جبهة التحرير الوطني, وفي وجه الجزائريين خلال حرب التحرير, وبقوا على موقفهم الي غاية نهاية الثورة. 

أما من كانت لهم تصورات مختلفة, ثم تطورت لتذوب في جبهة التحرير فهم كلهم أبطال, ورموز للأمة الجزائرية, نفتخر بهم ويشكلون مرجعية لهويتنا وتاريخنا ودولتنا الفتية.

السبت، 6 أبريل 2024

بين هيجل وابن خلدون ... بقلم .. عماد الدين زناف

بين هيجل وبن خلدون؛
معنى التاريخ، في الفلسفة الهيجيلية والخلدونية! 

عندما نقرأ التاريخ من مصادره المتعددة، نكتشف شيئاً فشيء بأن للتاريخ حركتين واضحتين، الأولى هي التغيّر، دون أن نحدّد إن كان ذلك تغيّراً جيّداً أو سيّئاً، ذلكَ أن التاريخ كعلم لا يخضع للنظرة الأخلاقيّة، ولا نقولبشكل قاطع بأن التغيّر هو نفسه التطوّر، إذ يعني ذلك أننا أخذنا انحيازاً في نظرتنا للتاريخ. ورغم أن التطوّر في ذاته لا يعني تطوّراً إيجابيا، لكن ومع ذلك، يُعتبر مصطلح التطوّر انحيازاً معرفياً يستبق قراءة التاريخ بعين الحياد. التأريخ عمليّة حسّاسة ومُعقّدة، كذلك النظرة إلى التاريخ تعتبر عملية صعبة ومُعقّدة، وأعقد ما فيها أن يتجرّد الدارس من كل عواطفه ليتقبّل الحقائق بعدَ جمعِ المصادر.  بالنسبة للفيلسوف الألماني هيجل، التاريخ خاضع لتسلسل زمني، ولا يمكن بأيّ حال أن نحكم على تاريخٍ مُعيّن من منطلق تاريخ آخر بعده، في ظروف وإمكانيات أخرى، حيث يقول إن ذلك التحوّل والانتقال التصاعدي التاريخي يجب أت يبدأ من نقطة دُنيا ويتصاعد، فهذا هو السبيل الوحيد الذي يعطي للتاريخ معنى ووجهة ومُستقرّ، إذ لا يُفكّر الصّبي كالبالغ والكهل، والتفكير هُنا، ليس هو الذكاء والفطنة، إنّما التفكير على أسس التجارب، حيث يمكن للقوي أن يتحدّث عن مرض ما، لكنّه لم يخبَر ذلك المرض، والفرق بينهما واسع.    إن المنطق الكوني كلّه مبني على التصاعدؤ في صور النمو، من البذرة الدقيقة، إلى الشجرة الفارعة. لأن عيش الطفولة والمراهقة والشباب كاملةً جزءٌ لا يتجزّأ من البلوغ والرّشد، وأن الطفل الذي لم يعش المرحليّة سيعرف اضطراباً في زمن لاحق. 

إن فلسفة التاريخ قبل أن يتحدّث عنها هيجل بعين التطوّر المتأثّر "بالصبى والبلوغ التاريخي"، درسها ابنُ خلدون بشكل منطقي استقرائي قبل ذلك، ومن تلكَ القراءة، علمَ ابن خلدون أن نهاية التاريخ ستكُرّر بدايته، وقال بأنها حلقة مُغلقة، أي، الانطلاق من الأوقات الصعبة، التي تصنعُ رجالاً أشداء وحكماء، بدورهم يعيدون الحضارة إلى أوجها، ومن ثم يعم الرخاء، فيأتي الفساد ثم التقهقر، والذي بدوره يصنع الأوقات الصعبة، التي تصنعُ الأشداء والحكماء.. 

لكن لفريدريش هيجل نظرة أخرى، حيثُ يقول إن الحضارة لا تكفأ عن النمو والنضج، ومن ذكاء الفيلسوف أنه قال بأن ذلك النمو ليس هو الكمال، بل النمور الذي يأتي بعده أنضج، وهو منطق التاريخ في النضج المستمر، فإذا قلنا إننا نعيش أوقاتاً صعبة، فهيجل سيقول أن التاريخ لا يزال يتقدّم، وليس هي مرحلة السقوط، بل كله تقدم.

المُلك، أساس التاريخ؟
في زمن الحضارة البابلية والفرعونية، لم يكن من المعقول أن يتم الحديث عن الشورى والانتخابات، عن تصويت الشعب من أجل القرارات الهامة، فقد كان زمنا يتطلّب التملّك وفرض الأحكام، حتى أننا لاحظنا في القرآن أن الله عز وجل لم يطلب من موسى خلع الفرعون وتأسيس حكم شورى، بل أن يدعوه للإيمان به، أو أن يأخذ بني إسرائيل وأن يغادر مصر فحسب، لا خلع النظام الملكي.
 فأي عملية سياسية لتغيير نظام الحكم في ذلك الزمن،  لم تكن لتُفهم من الطرفين: الملك والعبد. 

الجمهوريات، مِحور تاريخي؟
تغيّر الحال عندما نقَلَ اليونانيون الفكر المصري إلى أرضهم، بحيث دمج الأسلوب المصري مع الفكر الجديد القائم على بناء الدولة المدينة، بنظام جمهوري شبه ملكي يُتيح للناس بعض الممثلين عنهم (برلماناً، بارل parle أي حديث) لينقلوا مشاغلهم، فقد انتقل الحال من الديكتاتورية إلى بوادر التواصل بين الحاكم والمحكوم.

حُكم الأقليات، تطوّر تاريخي؟ 
حكم المجموعات، ما يُسمى "أوليغارشيا" عرفَ تنقّلاً أيضا من مرحلة إلى أخرى، أي هناك عوائل تسيّر وتملك بلداً أو مملكةً، وقد تتيح الحكم لأشخاص آخرين هي تختارهم، بنظام التداول. 

الديموقراطية، قِمّة التاريخ؟
إذا مررنا مروراً مسحيا سريعا عن التاريخ، نرى بأن الديموقراطية هي آخر ما توصّل إليه الإنسان، فقد اتاحت هذه العملية الحرية المطلقة للإنسان في كل المجالات، من رأس النظام إلى آخر عامل.

ما بعد الديموقراطية، عودة إلى النظام الفرعوني أو تاريخ جديد؟ 
إذا ما نظرنا إلى التاريخ، سنشاهد أننا إمـا مع النظرة الخَلدونية للتاريخ، أي أن تُغلق الحلقة ونعود شيئاً فشيء لنفس المنطق البُنيوي التاريخي الذي ذكرته، أو، مع النظرة الهيجيلية للتاريخ، أي أن ننتظر بزوغ نجم نظام جديد، يتماشى وتطور المجتمعات وعقلياتهم.، نظام جديد أو هجين من كل تلك التي سبقته.

طبعا، الأنظمة السياسية متعددة، من البرلماني للرئاسي، للشبه رئاسي للملكي، لكن هناك دائما فلسفة سياسية تحكم الزمن. 

نقرأ يمينا وشمالاً أن في الماضي كان وكانَ، تي "قهر واستبداد وتعصّب وجهل" أو "طيبة ومحبة وعطف ونية وتآزر" ، سواءً كان سلباً أو إيجاباً، فنحن صرنا نعلم الآن أن "معنى التاريخ" قد شرح لنا بأن الأمور تنضج أو تتغير تصاعدياً، من النظرتين، الخلدونية والهيجلية، لكن مُستقرّ التاريخ، أين سينتهي، هو نقطة الاستفهام بينهما. 

وفي الأخير، تتفق الفلسفتان في أن الرجال هم من يقودون التاريخ، وأن التاريخ يعرف تحوّلاً بإرادة الرجال، فمن وجهة نظر هيجل، نابليون أعظم من كريستوف كولومبوس، ذلك أن الأول كان يعلم ما يريده، فقدّ سطّر التاريخ بنفسه، أما الثاني فقد ترك التاريخَ يختارُ له ما يُريد.   ولقد رأينا ان لابن خلدون نفس المفهوم، فالرجال هُم من يوقفون الأوقات الصعاب "بالقرار" وليس الانصياع للزمن والتاريخ والمجرى الواقعي، أي أن مُنعرج التاريخ يأتي إرادةً، فإذا أردت تغيير التاريخ، فغيّره، ذلكَ أن التاريخ لا يتغيّر لوحده، وأن معنى التاريخ لن يكون دون هؤلاء الذين كتبوا له معانٍ جديدة.

#عمادالدين_زناف   مقال.

الأربعاء، 3 أبريل 2024

التصويرية أو الملحد الجديد ... بقلم حسن سليم

التنويري أو الملحد الجديد هو الطفل الأوديبي (عقدة أوديب) الذي قتل أباه (الرب) ليخلو له المجال مع أمه (المسيحية)، يعتقد أن أباه لم يقدر أمه كما تستحق لهذا يستحق الموت، وسيفعل ذلك هو جيدا لو أزاحه، وقد صدق في هذا.
المسيحية بالنسبة للتنويري ليست مجرد دين كبقية الأديان، هي سلفه المشترك المباشر، ما يجعلها في نظره هي الدين الأكثر تحضرا ورقيا، وهي المعيار الذي تقاس عليه بقية الأديان لتعرف هل هي حقاً مجرد أديان أم تحمل إضافات أخرى غير دينية وغير مسيحية، فكل ما يتجاوز الحالة الروحية المسيحية فهو ليس ديناً.
نظرة التنويري للحياة كانت دائما مسيحية، وقيمه وتصوراته وأيديولوجياته المعاصرة كذلك، فهو لم يسقط صدفة من السماء على أرض مسيحية بل خرج من تربتها ولا يعرف مجالا آخر سواها فهو فيها مثل السمكة في البحر، وحتى عندما يبدو وكأنه يعاتب المسيحية فهو لا يعاتبها سوى على أنها ليست مسيحية بالقدر الكاف.

ودوكينز هنا لم يقل سوى الحقيقة، يقول أنه مسيحي غير مؤمن بل مسيحي ثقافة. لكن غير مؤمن بماذا؟ هو غير مؤمن بالله فقط، أما من حيث المسيحية فهو لا يقل عن آباء الكنيسة.

أما التنويري العربي فعقدة النقص لديه أمام المسيحية قديمة، فمنذ القرن 19 وهو يتحسر أن أمه لم تكن المسيحية ويحسد أبناءها عليها ويقسم أنها لو كانت أمه لأبرها أكثر منهم. التنويري العربي لم يستيقظ بعد من صدمة تعرفه على الغرب في القرن 19 ومشاعره ما تزال هناك دون تحديث، وما يزال يعتقد أنه من رقي الإنسان أن يكون مسيحيا لأن الأوروبي كان مسيحيا، وعندما يرى الأقليات المسيحية في بلاده يهرع إليهم والدموع تسبقه ليقول: أحبابي أحبابي يا ليتني كنت منكم. 
طبعا هو لا يقول هذا صراحة، لكن عيون العاشق تقول أكثر من لسانه، لهذا من الصعب أن تجد تنويري عربي مثل دوكينز يقول باعتزاز: أنا مسلم ثقافة، وإن قالها فستكون بنبرة: أنا للأسف مسلم ثقافة. لأن التنويري الأصلي تحركه عقدة أوديب أما النسخة المقلدة فهي مجرد عقدة نقص.
كتبه الأستاذ : حس سليم

حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيرا...