الجمعة، 22 يوليو 2016

«بني عداس» غجر الجزائر المنبوذين ........... بقلم راضية آيت خداش


«بني عداس» أو «عدايسية» هي كلمات توارثها الجزائريون عن الأمهات والجدات لنعت الأشخاص المنحطين أخلاقيا ولكن قليل منهم يدرك أصل هذه التسميات، اللهم عدد قليل جدا من أهل الاختصاص من المؤرخين وطلبة معاهد البحوث التاريخية والمتخصصون في علم الأنساب.
في الحقيقة فإن أصل هذه الكلمات يعود إلى فئة من الناس يتعايش معها الجزائريون بحذر ولكنهم يجهلون تاريخهم وأصولهم، البعض من الجزائريون يطلقون عليهم اسم "بني عداس" و"بني هجرس" والبعض الآخر ينعتونهم ب "الجيطانو" أو "الجواطنة" وتعني الغجر. قد تختلف التسميات من منطقة إلى أخرى، لكن هؤلاء القوم يشترك جميعهم في أسلوب عيش واحد وموحد، هو الترحال المستمر، ويشتركون أيضا في ميزة واحدة وهي أنهم إذا حلوا بأرض عاثوا فيها فساداً. هم رغم وفرة المال عندهم لتربيتهم الماشية من غنم وضأن ومعز وجمال، تجدهم يفضلون الخيام والعربات المتنقلة التي تجرها البغال يستخدمها هؤلاء عادة كمراقد مؤقتة تستجيب لتفاصيل حياة التسكع تحت نجوم السماء بعيدا عن جدران الإسمنت الآمنة .

و

يتميز بني عداس كباقي قبائل الغجر بلباس مميز يختلف عن باقي المواطنين وعلامات الوشم الموزعة عبر أنحاء الجسم ويعرف نساءهم باسم  "القزانات" وتعني المتسولات والمشعوذات، يتظاهرن بالفقر لاستعطاف المارة عن طريق ارتداء ملابس رثة كما يغطي الوسخ ملامح وجوههن. 

"عقلية بني عداس "

 "ترخسي يا الزرقا ويركبوك بني عداس" ... هو مثل آخر يتردد كثيرا على ألسنة سكان الشرق الجزائري و هو يضرب للشيء الغالي حين يرخص ويصبح في متناول رعاع الناس.
والحقيقة أن هذا المثل مرتبط بواقعة تاريخية تعود إلى الأيام الأولى لدخول الاستعمار الفرنسي للجزائر حيث جوبه بمقاومة شرسة من القبائل الجزائرية الأصيلة استمرت عقودا من الزمن دفع فيها الشعب الجزائري كل غال و نفيس, فلم تجد فرنسا من يؤيدها و يدعمها في هذه الأرض المقاومة سوى قبائل بني عداس . و هم قوم من الغجر يعيش رجالهم على السرقة والاحتيال و نساءهم على قراءة الكف و (أمور أخرى).. فألبستهم فرنسا البرانيس والعمامات وأركبتهم الجياد الأصيلة وأطلقتهم على البلاد والعباد ليعيثوا فيها فسادا ويجعلوا أعزة أهلها أذلة.
ووفقاً للواقعة التي دونها المؤرخون، نظر أحد الموطنين الأحرار إلى واحد من هؤلاء الرعاع وهو يمر في كامل زينته متبخترا على فرس زرقاء وقال مخاطبا الفرس التي عز عليه أن يمتطيها حثالة الناس.."ترخسي يا الزرقا ويركبوك بني عداس". فأصبح قوله هذا مثلا يتردد على ألسنة الخلق.
خرجت فرنسا وأصبحت من الماضي، لكن عقلية بني عداس توارثها أهلها.
ولقد ظل وما يزال تعبير "بني عداس" محملا إلى يومنا هذا بشتى المدلولات اللاأخلاقيّة التي تنوب مناب الشتيمة للشخص المراد إهانته، شتيمة عادة ما تُطلق لوصف أصحاب الأخلاق المنحطّة والفئات الرذيلة في المجتمع، ولا غرو أن تسمع أمّا تنعت واحدا من أولادها رفض الانصياع لأوامرها أو توجيهاتها، أو أظهر سلوكا مشينا، بأن تقول له "روح يا بني عداس" أو "روح يا لعدايسي". ومثلها تفعل أمهات أخريات مع بناتها عندما تزّل إحداهن أو تخطئ، فتروح قائلة لها "أيتها العدايسية" ، والاستعمالات جميعها تحيل إلى قلة التربية والحياء.
أصل بني عداس:

يرجح بعض المؤرخون أصل قبائل بني عداس إلى تونس، فيما يقول بعضهم أنهم عصبة من المتشردين واللصوص والشحّاذين والسحرة جاؤوا من الهند، أو أنهم جاءوا من افغانستان في الألف الأول الميلادي.


تروي أغلب الروايات التاريخية أن السلالة البشرية للغجر تعود للقرون الغابرة وهم ينحدرون من الأصول الهندية، انتقلوا إلى أرض اليونان ليتوسعوا في باقي أنحاء أوروبا، اشتهر تعريفهم حتى في الأكاديميات بأنهم جنس رحالة يعيشون في شكل قبلي، يمتهنون التسول والكهانة ولا وجود لأية قيمة اجتماعية عندهم. وجودهم في أوربا لم يقصي وجودهم بالجزائر إذ تمكنوا من الوصول إليها عن طريق رحلاتهم، فمن بين أشهر القبائل الغجرية المعروفة في الجزائر بني هجرس وبني عداس الجزائرية و العمريون على غرار تجمعات منطقة الحاسي بضواحي سطيف، ومناطق أخرى في ولايات من الشرق والغرب مثل ولاية غليزان، تيارت وسعيدة وحتى الجنوب الجزائري ولعل المتتبع لبعض الشوارع الجزائرية يكتشف انتشار العمريون من خلال ما يخترعونه من بدع وطلاسم يحاولون أن يملؤوا بها عقول الناس رغبة في الحصول على المال والاسترزاق.
لا جنائز ولا هويات لتشييع أموات الغجر

نقلت صحيفة "جزايرس" عن الشيخ محمد في الستينات من العمر، وهو من أحد أفراد قبيلة بني عداس في ولاية سعيدة، قوله أنه فيما يتعلق بدفن الموتى، يتوجه الأهالي إلى أقرب المساجد، ويتركون الميت هناك من دون تشييع جنائزه ولا حتى الوقوف على دفنه وتوديعه؟ وتجدر الإشارة إلى افتقاد هؤلاء لوثائق هوية، مأساة تمتد إلى جوانب أخرى، حيث كثيرا ما يضطرون إلى نقل مرضاهم إلى المستشفيات وربما تنتهي القضية بوفاة، فتكون الطامة أكبر، حيث يصعب تسجيل العملية إداريا وإخراج الميت للدفن، فضلا عن عدم معرفة هؤلاء بطرق التعامل مع الإدارة.
والمثير للانتباه أن قبائل بني عداس لا يملكون وثائق الهوية فهم عادة يتزوجون "عرفيا" دون تسجيل زواجهم في الحالة المدنية مما يمنع أطفالهم من الذهاب إلى المدرسة والتعليم كما ليس لهم الحق في الاستفادة من السكنات الاجتماعية وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية.

المصدر    http://www.albayan.ae/editors-choice/varity/2015-09-15-1.2459623

 

الأربعاء، 20 يوليو 2016

شحاذ في سوق بغداد ........ بقلم الصادق النيهوم

قصة البترول في البلاد النامية، مثل قصة علاء الدين والمصباح السحري، رمز شديد الحدة لما يستطيع النهم البشري أن يفعله في مجتمع من الرجال البسطاء. رمز للبطن المتورمة التي لا تستطيع أن تجعل عالم الإنسان مجرد كيس جلدي معبأ بالأطعمة المعلبة.


البترول ومصباح علاء الدين قصتان مضحكتان. والمرء لا يستطيع أن يغالب الضحك عندما تخطر بباله كل الجهود اليائسة التي بذلها الإنسان في قتال بطنه عبثاً.خلال عام 1904 اكتشف أحد المغامرين منجماً للذهب في الآسكا، تلك الصحراء الجليدية الموغلة في القبح عند القطب الشمالي، واشترى لنفسه فأساً وطفق يعبئ جيوبه بالذهب ويحتل مكان الصدارة في الحانات ويدفع حساب بقية الرواد.وكانت الآسكا مجرد جحيم معبأ بالصيادين الفقراء بلغ من سوء سمعتها أن الولايات المتحدة رفضت أن تضمها إلى الاتحاد ست مرات خلال عام واحد. ولكن اكتشاف الذب غيّر خطة واشنطن تجاه (الجحيم) بصورة تدعو إلى الإثارة. ثم غيّر خطط الآخرين أيضاً.وخلال عامين فقط تضاعف عدد سكان آلاسكا ثلاث مرات، وحفر المغامرون ثلاثة عشر ألف منجم، وجاء من واشنطن خمسة آلاف خبير اقتصادي لخدمة الشركات، ونهضت المدن في وسط الجليد، وامتدت الطرق والسكك الحديدية والحانات على طول الدائرة القطبية، وامتلأت الآسكا بالجثث والمسدسات والقصص التي تثير القيء.ثم نفذ الذهب وعاد كل امرئ إلى بيته، ونقص عدد السكان ثلاث مرات، وغطى الجليد كل الطرق.. وعادت الآسكا مرة اخرى جحيماً معبأ بالصيادين الفقراء والقواعد العسكرية. لم يبق شيء من سني الإثارة.لا شيء على الإطلاق سوى أشباح القتلى الذين فقدوا رؤوسهم في المبارزات القديمة عند مناجم الذهب.وفي إيران اكتشف أحد المغامرين ذهباً أسوداً ودعاه البترول. حدث ذلك خلال عام 1906 وبعد ثلاثين عاماً أخرى كانت إيران رابع دولة منتجة للبترول في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وفنزويلا.وجاء الخبراء كالعادة وتضاعف عدد السكان ونهضت المدن على مد العين، وفتح أحد الفقهاء دكاناً للكتابة العمومية ليبيع فيه الخطب الفصيحة بنصف ريال، وازدحمت ميادين طهران بالمستمعين، وتحدث الرجال الفصحاء ثمانية وثلاثين عاماً بلا انقطاع، ولم يقل أحد منهم أنه ارتكب خطأ ما أو وضع قرشاً في غير محله أو أساء التصرف.أما الإحصائيات غير الفصيحة فمازالت تقول: إن نسبة الأمية في إيران تصل إلى 24% وهي من أسوأ النسب في العالم، وأن متوسط دخل الفرد يقل عن مائة جنيه في السنة.. وهو أيضاً من أسوأ الأرقام في العالم، وأن أراضي إيران المزروعة لا تتعدى 2% من المساحة الكلية، وأن إيران – بعد ثمانية وثلاثين عاماً من إنتاج البترول – تأتي في الترتيب السابع والثمانين بين دول العالم في نموها الاقتصادي.أليس ذلك مثيراً للدهشة؟الواقع أن أحداً لم يلق نقود إيران من النافذة. أعني أن أحداً لم يسرق تلك النقود ويخبئها في المحيط. كل ما حدث أن دخل البترول ابتلعته المشاريع الميتة وصار كوماً ميتاً من الحجر، أما الأرض والمصانع والاستثمارات الحية فلم يهتم بها أحد سوى الفقي صاحب دكان الكتابة العمومية.والنتيجة أن ارتفع مستوى الدخل في إيران خلال العشر سنوات الأولى بمقدار الضعف ثلاث مرات ثم توقف خلال عام 1948 ثم طفق ينخفض أيضاً. ومن المتوقع أن يواجه ذلك البلد كارثة اقتصادية تضاهي ما حدث في الآسكا قبل عام 1904 إذا فشلت ثورة الشاه الحالية ضد الإقطاع الرأسمالي، ومع ذلك لا تتركوا يران تستدر عطفنا كله قبل أن نسمع قصة فنزويلا. إنها تملك 6% من بترول العالم، وتملك كل لؤلؤ البحر الكاريبي، ومخازن الذهب الهائلة تحت بحيرة (ماراكيبو) إلى جانب سبعين مليون طن من الحديد الخام في منطقة (البابو)، وجبلاً آخراً من الحديد في منطقة (كيرو بولفاروا).إن فنزويلا بلد ثري من جميع الوجوه. والفقي الذي فتح دكاناً للكتابة العمومية هناك يعرف هذه الحقيقة أكثر من سواه، فقد كتبها في كل خطبة إسبانية فصيحة تردد صداها في شرفات (كاركاس) العاصمة، وكتبها بلغات المواطنين الحمر أيضاً.. كتبها بالفحم على الجدران.وفنزويلا تنتج البترول منذ عام 1920 بهمّة تدعو إلى الإعجاب وتنتج الذهب والحديد وبقية الأشياء الأخرى التي قررت شهرزاد أن تدعوها (مصباح علاء الدين) ومع ذلك.. أعني ورغم كل النوايا الطيبة وخطب الكاتب العمومي فإن الإحصائيات تروي قصة أخرى:نسبة الأمية في فنزويلا 49%.ثمة طبيب واحد لكل عشرة آلاف من السكان.مائة وستون ألف مواطن يملكون 75% من الأراضي المزروعة، وبقية السكان – وهم ثمانية ملايين – يملكون 15%.نسبة الأراضي المزروعة إلى مساحة فنزويلا كنسبة واحد إلى تسعين.لا صناعة على الإطلاق سوى مصنع التبغ المحلي.الماشية نقصت بمقدار النصف، من ثمانية ملايين رأس إلى أربعة ملايين فقط خلال الخمس سنوات الأولى من بدء إنتاج البترول.متوسط دخل الفرد مائة وسبعون جنيهاً في العام.فنزويلا تأتي من حيث نموها الاقتصادي في الترتيب الخامس والستين بين دول العالم.أليس ذلك مدهشاً؟الواقع أن أحداً لم يلق نقود فنزويلا من النافذة، أعني لم يسرقها ويخبئها في المحيط، كل ما حدث أن دخل البترول ابتلعه بناء (كاركاس)، بناء الأورتيوريوم المرمري وحدائق لاغوريا وتماثيل النحاس في سان كريستول والرواتب ونفقات الشرطة وصدقات رئيس الجمهورية على الفقراء.وقد نسي الخبراء في فنزويلا بقية الأشياء الاخرى، ونسوا انهم معرضون للموات في شوارع كاركاس إذا قررت الولايات المتحدة أن تكف عن شراء بترولهم كما حدث خلال عام 1950، ولم يتذكر أحد تلك الحقيقة القديمة حتى طلب الرئيس جونسون من وفد فنزويلا في الأمم المتحدة لصالح إسرائيل أو يمنع عنهم الخبز.وأعطى الوفد صوته كما أراد الرئيس، ونسي القصة مرة أخرى على عادة الفرسان الأسبان القدماء، فالمرء – في فنزويلا أبيض القلب على الدوام.نهاية المطاف.أن البترول ومصباح علاء الدين قصتان مضحكتان. وأن كلاً منهما يستطيع أن يحيل – المرء في لمحة عين – عجوزاً بدوياً نصف متحضر إلى عارض لأحدث الأزياء ويجعله أضحوكة تبعث على السأم، ويغري بالجواري ووسائد ريش النعام. فإذا ضاع المصباح اكتشف علاء الدين أنه مازال شحاذاً في سوق بغداد.ونهاية المطاف:


يا إلهنا! هل ستترك ذلك يحدث في ليبيا.





الأحد، 17 يوليو 2016

الجمال إن حكى ........... بروين حبيب

قال المفكر المغربي محمد إقبال عروي، «إنّ تذوق الجمال يحتاج إلى تغيير في مناهج التّعليم وفلسفة التربية في مجتمعاتنا». وجاء كلامه هذا في سياق مقابلة تلفزيونية ممتازة تناولت موضوعا جد حساس حول جماليات النص القرآني، مع إلقاء نظرة على علم الجمال وما يزخر به التراث العربي من قيم جمالية، وكانت في كلامه دعوة لطيفة وذكية لإعادة قراءة تراثنا من منظور جمالية التّلقي.
وقد تذكرت وأنا أتابع حديث المفكر عروي القليل مما قرأته لعالم النّفس مصطفى سويف حول علم النّفس الإبداعي، وما كشفه لنا من خيوط متينة رابطة بين العلم والفن، وأن هذه المتلازمة هي التي تصنع الأمم المتحضرة.
أن يقفز اسم مصطفى سويف من عمق ذاكرتي وأنا أصغي لمحمد إقبال عروي ليس سوى واحدة من المحفِّزات الفكرية، التي تنشط الذاكرة وتربط بين عناصر متشابهة في بناء الأفراد والجماعات وانبثاق ما يسمى بمجتمعات متميزة وأخرى لا، إذ كثيرا ما أجد الترابط بين أفكار مفكر من المشرق وآخر من المغرب تصب في نظرية واحدة لا يمكن إشباعها وقطف ثمارها إلاّ حين تجمع لإكمال بعضها بعضا.
و كثيرا ما قرأت تعليقات قرائي المحترمين الذين يتميزون بمستوى فكري عالٍ أبهرتني بحجم الإضافات العميقة، التي يثرون بها مقالاتي، ما يجعل تلك المكملات جزءا مستمرا للفكرة المطروحة لا تقليلا من قيمتها. وهذا ما يلزمنا لجعل الفكرة تستمر حتى تبلغ مرحلة تجسيدها على أرض الواقع.
فكرة عروي تقوم على تأمل الجمال الذي يزخر به الكون الرّباني، من خلال قراءة القرآن، وبهذا فهو يدعو لقراءات تأملية للنص القرآني، وقد أعطى نماذج من الآيات التي تذهب بنا بعيدا في ما خلقه الله من عوالم لا نراها، لارتباطنا في قراءاتنا بالمعنى الضيق للكلمة، وبالتفاسير التي بقيت محصورة بالملفوظات المفرغة من روحانيتها واستئصالها لأهداف فقهية محضة عن معناها الجمالي، مع أنّ هذا المعنى له تأثير أعظم وأمتن في النفس البشرية.
لكن ما أشار إليه أيضا في إطار هذا اللقاء الجميل هو أن فعل القراءة عندنا لم ينبش الصور الجمالية لا في النّص القرآني ولا في نصوص أخرى وأهمها النّص الأدبي، ما جعل الأدب يفشل في ملامسة روح أجيال بأكملها وحوّل العلاقة بين مجتمعاتنا وبين الكتاب علاقة عدائية مبنية على الرّفض المسبق ما دامت نصوصا لا ترقى للنص القرآني الرّباني وبالتالي لا فائدة منها للإنسان بحكم غريب لا نعرف من أصدره، وكيف نال من نفوس شعوبنا جيلا بعد جيل. فاعتبر القرآن دستورا يجب التعامل معه كوثيقة قوانين مع أنّه أكثر النصوص نبضا بالحياة وتجددا عند كل قراءة له، حتى أنه عبر الأزمنة والأمكنة بمحتواه الإعجازي.
فكرة أن نبحث في جماليات النص وصلتنا متأخرة وهي فكرة بلاغية قديمة انطفأت بسبب الحروب ودخول العالم العربي في أنفاق مظلمة تبعت تلك الحروب والانتكاسات وانشغال الفرد بأمور مادية كثيرة، حتى أعاد الغرب تدويرها بطريقة معاصرة فدخلت إلينا من أبواب الجامعات من جديد بحلّة هضمها العقل المعاصر وتبناها وعمل على توسيع دوائرها.
و من بين ذلك القديم ما يزخر به كتاب «نهج البلاغة» وما يحويه من جماليات القول للإمام علي رضي الله عليه. أما الأقرب إلينا زمنيا من ذلك القديم القيّم، فهو ما تركه لنا عبد القاهر الجرجاني خاصة في مؤلفيه «دلائل الإعجاز» وكتاب «أسرار البلاغة»، وهما من أعمدة الكتب التي عنيت بجماليات اللغة وتدرّس في الجامعات العربية وغيرها ببالغ الأهمية.
ما يعنينا الآن هو أين أخفقنا حتى أفرغت حياتنا من كل المفاهيم الجمالية؟ ما الذي حوّلنا إلى مجتمعات تأكل لتعيش؟ تركض خلف لقمة العيش ولا تهتم بأدنى مغذيات الرّوح لتحسين طريقة حياتها وتخفف من حجم المنغصّات التي تتخبّط فيها؟
يقول إيليا أبو ماضي «والذي نفسه بغير جمال … لا يرى في الوجود شيئا جميلا» وهذا شق من الجواب عن الأسئلة المطروحة، أما الشق الثاني فيكمن في مقولة دانتي: «الجمال يوقظ الرّوح»..
أرواحنا الميتة المكتئبة المظلمة نتاج تربية قاسية مفرغة من الجمال، بدءا من العائلة إلى المدرسة إلى المحيط الذي لا يعرف سوى ملء قائمة الممنوعات علينا بطريقة قمعية قاتلة. فهل يمكن أن نغير مناهجنا التّعليمية ونفوسنا خاوية من أي مكوّن جمالي؟ أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟
في التجربة الإماراتية نجحت المنظومة التّربوية في قلب الموازين وتحسين مستوى التّعليم وبناء الفرد الإماراتي تكوينا يضاهي ما بلغته الشعوب المتقدمة، وذلك استنادا إلى الخبرات المستقدمة للإمارات. وهذا في حدّ ذاته ينبئنا بأن التّجربة ناجحة ويمكن تحقيقها. إذن ما ينقصنا هو معالجة الرّفض لإقامة الإصلاحات، لأن أغلب مجتمعاتنا ترى أن الاستفادة من أي خبرة أجنبية ليست سوى نوع من الخيانة للذات، وتقليد للغرب الغريب عنا في عاداته وتقاليده، وهذا ما يذهب إليه المحافظون الذين جمّدوا العقول وأوقفوا الزّمن في نقطة واحدة عندنا، حتى أصبحنا نشعر بتقدم العالم حولنا وأننا نعود للخلف.
طبعا نحن لا ندرك أننا لسنا بعيدين عن التجديد والإصلاح، وأننا على سبيل المثال نقدم على شراء بضائع غربية كثيرة بعد الترويج لها بإعلان جيد، يقدم لنا أي منتوج مستورد بجماليات عالية. السيدة الجميلة التي تنشر غسيلها النّاصع البياض على شرفة جميلة مع كلمتين بليغتين مع مقطوعة موسيقية خفيفة تخطف السمع، كلها عناصر جمالية جمعت بطريقة ذكية للتأثير على المشاهد الذي تقنعه هذه المعطيات بالشكل الجميل الذي قدمت به فيهب لشراء المنتوج.
لماذا نحب الجنة ونكره النّار؟
تميل كفّة عواطفنا نحو الجهة التي قُدِّمت لنا بمدلولات جمالية أكثر. وهذا كل ما نحتاج إليه في ثورة تعليمية حقيقية، تتجاوز مرحلة «فكّ الخط» وكل المراحل القاتمة التي تبحث عن طعن الآخر في عقيدته أو في معتقداته السياسية. أمّا فلسفة التربية فقد تحتاج لمجهودات أكبر، فكثيرا ما سمعنا أساتذة يرددون أنهم جيل تربّى بالعصا وأنّهم أفضل من الأجيال التي يتحاورون معها فهل هذه حقيقة أم اعتراف بالفشل في التّحاور مع الآخر؟ فقد أثبتت الدراسات العلمية أن الحوار فن من فنون التعامل بين الناس، وأنه كلما انبثق من ذائقة إبداعية ومعايير جمالية كان أكثر نجاحا في إيصال الفكرة.
يمكنك أن تحمل العصا وتنهال بها على ابنك حتى لا يكذب مرة أخرى، وبإمكانك أن تجلسه قربك وتحكي له قصّة عن الكذابين ومصيرهم السيء في الحياة. إلى يومنا هذا نصدق ونحب قصص كليلة ودمنة وقصص لافونتين ومكتباتنا لا تخلو من كم هائل من القصص، أما إن كان سعرها عاليا وصعبة المنال فإن شبكة الإنترنت ثرية بمختلف القصص التي يسكن أغلبها قعر ذاكرتنا!
ليس صحيحا أننا جيل تمت تربيته بالعصا، وليس صحيحا أن أنفسنا مليئة بالقبح، جميعنا يحمل في قلبه مضمونا جماليا ما، وقرائن إبداعية بمعايير مختلفة، وكل ما نحتاج إليه هو فك قيودها وإطلاق سراحها لنعيش حياة أجمل.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين





دروس سريعة من انقلاب تركيا الفاشل .......... بقلم محمد المهندس

 كانت محاولة الانقلاب العسكري في تركيا ثالث الانقلابات العسكرية التي نرى فشلها مباشرة على شاشات التلفزيون؛ مع الفارق طبعا أن انتماء تركيا إلى محيطنا الجغرافي والثقافي وتداخلها مع واقعنا السياسي جعل متابعة محاولتها الانقلابية الفاشلة أعمق من محاولتي فنزويلا وبوركينا فاسو اللتين حدثتا في العامين 2002 و2015  على الترتيب.
لا شك أن كل محبي الديمقراطية والكارهين للحكم العسكري الغاشم والفاشل قد عاشوا ساعات عصيبة وهم يتابعون أخبار محاولة الانقلاب على الديمقراطية في تركيا على يد حفنة من العسكر الذين عز عليهم أن تُحكم تركيا ديمقراطيا بعيدا عن سطوتهم وفسادهم المعهود.
سنحتاج إلى مزيد من الوقت بالطبع حتى نتعرف على تفاصيل أكثر عما حدث في ليل 15 يوليو 2016، وكيف حدث، ومن رتب له، ومن شارك فيه، ومن دعمه داخليا وخارجيا، وسنحتاج كذلك إلى وقت أكثر حتى نتمكن من تحليل الحدث بشكل أعمق وحتى نستخلص منه دروسا سياسية واستراتيجية بعيدة المدى، ولكن ما شاهدناه على شاشات التلفزيون من أحداث وردود أفعال رسمية وسياسية وشعبية به من الدلالات الكثيرة التي نستطيع أن نتعلم منها دروسا سريعة قد تفيدنا في قراءة ما حدث في مصر في الماضي القريب بشكل هادئ، كما أنها ستفيدنا حتما في تغيير واقعنا السياسي الذي بات مريضا ومنهكا مرض الدولة المصرية ذاتها إن كانت هناك رغبة في ذلك التغيير.

(1)
ستبقى الشعوب الواعية كلمة السر الأولى في القضاء على أي مخاطر تهدد مكاسبها الديمقراطية، ولكن ذلك سيظل مرهونا بتوحد الغالبية العظمى من الشعب حقا خلف الديمقراطية وآلياتها ووسائلها مهما كان الخلاف السياسي؛ لأن الشعوب المنقسمة من جهة وغير الواعية لمفاهيم الديمقراطية ومدلول سيادة الشعب من جهة أخرى لا يمكن لها أن تواجه قوة السلاح ولا أن تجابه الدبابات أو الطائرات التي لها القدرة المطلقة على حسم أي خلاف شعبي أو سياسي عميق.

فشل الشعب التركي من قبل في مواجهة 4 انقلابات عسكرية خلال أكثر من 50 عاما ماضية؛ لأنه لم يجن مكاسب من الديمقراطية وخلافات السياسيين سوى الفقر والصراع السياسي الفارغ بما أهله للرضا أو للسكوت على الأقل بتلك الانقلابات العسكرية المتوالية.

تعلم الأتراك دروسا عدة من انقلابات متوالية لم يجنوا من خلالها إلا مزيدا من الفقر ومزيدا من الفساد ومزيدا من الفشل؛ بما جعلهم أكثر وعيا وأكثر إدراكا بمخاطر الانقلاب على الديمقراطية ومؤسساتها.

(2)
لم يركن القادة الديمقراطيون إلى الثقة المطلقة في قادة الجيش فسلموا لهم الرقاب اعتمادا على تدين ظاهري أو على احترام مغشوش، ولكن ما رأيناه أوضح بما لا يدع مجالا للشك أنه قد كانت هناك خطط ثانية وثالثة ورابعة في حال حدوث أي محاولة انقلابية محتملة؛ فقدرة رئيس الوزراء وبعض من وزرائه على إصدار بيانات سياسية من أماكن آمنة فور توارد أنباء تحركات عسكرية مشبوهة وتصديرها عبر وكالة الأنباء الرسمية وعبر بعض القنوات التلفزيونية، ثم ظهور رئيس الجمهورية على شاشات التلفزيون بعد وصوله لمكان آمن كذلك يعني أن الأمور لم تكن متروكة للصدفة ولا لخيالات "رجالات الذهب" أو أوهام "الرفض الأمريكي" كما حدث في مصر.

لا شك كذلك أن مواجهة الشرطة لقوات الجيش الانقلابية كانت كذلك ضمن خطة معدة سلفا، وأن مواجهتها المباشرة للانقلابيين كانت مفاجئة لهم في وقت توقعوا فيه سيطرة تامة دون أي نوع من الاشتباكات، وهو ما يعني أن القيادات الديمقراطية كانت تملك من الأدوات والوسائل ما يؤهلها للمواجهة ودحر الانقلاب سريعا في حال حدوثه.

(3)
على الرغم من بعض سلوكيات أردوغان السلطوية التي زادت وتيرتها في الفترة الأخيرة بشكل يثير الأسى، إلا أن قوى المعارضة التركية لم تدع الجيش التركي للتحرك وللانقلاب على الديمقراطية، ولم تشكل تلك القوى جبهة إنقاذ سياسي ترفض المشاركة في الانتخابات البرلمانية من جهة بينما تدعو الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في الأزمة السياسية من جهة أخرى كما حدث في مصر مثلا.
لم يقف أمر المعارضة التركية عند ذلك الموقف الملتزم بقواعد اللعبة الديمقراطية وعدم الاشتراك في الخفاء في ترتيبات الانقلاب ثم دعوة القوات المسلحة لإصدار البيان رقم (١) للانقلاب على الديمقراطية كما حدث في مصر، ولكنها زادت فوق ذلك بأن رفضت فكرة الانقلاب فور توارد أنباء المحاولة الانقلابية كما أعلن ذلك حزبا الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية ذوا الثقل الأكبر بين قوى المعارضة التركية.
(4)
القوى الدولية الكبرى ليست نصيرا للشعوب ولا لقيم الديمقراطية كما تدعي دوما، ولكنها لا تبحث إلا عن مصالحها الاستراتيجية والمادية، ولا تحترم إلا القوة وعلى رأسها هؤلاء القادرين على حماية مؤسساتهم وديمقراطيتهم لا أولئك الضعفاء الذين يستجدون تدخلا من هنا أو من هناك.

على الرغم من الموقف المخزي للإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في السويعات الأولى من المحاولة الانقلابية إلا أن قدرة الدولة التركية وقياداتها الديمقراطية على استعادة السيطرة تدريجيا على مجريات الأمور قد أجبر القوى الغربية على إصدار تصريحات تالية داعمة للديمقراطية ورافضة للانقلاب على النظام الديمقراطي كما جرى على لسان الرئيس الأمريكي ورئيس المجلس الأوروبي بعد أن مالت الكفة مرة أخرى.

(5)
الدخول في مواجهة مع قوات الجيش دون امتلاك لأدوات قوة سياسية، ودون استناد إلى حالة توحد شعبي غالبة، ودون أي سيطرة على أي من أجهزة الدولة ومؤسسات قوتها، ودون تقديم أي تنازلات أو حتى القدرة على المناورة السياسية هو انتحار كامل يتحمل وزره الداعون له دون تخطيط ولا ترتيب مهما حسنت نواياهم؛ فسنة الله التي لن تجد لسنتها تبديلا لا تحابي ولا تجامل أحدا أبدا. 



الثلاثاء، 12 يوليو 2016

هل للدولة دين ؟ عقيدة التأسيس ............. الباحث والمحلل السياسي الدكتور رفيق حبيب

تتعدد زوايا النظر لمسألة العلاقة بين الدين والدولة أو الدين والسياسة، بل وتعدد أيضا القضايا الجدلية التي لا يتوقف الجدل فيها، ومن خلال جملة ما يتردد من آراء وأفكار حول تلك المسألة، يلاحظ أن القضية الأساسية لم تحدد بدقة.هل هناك علاقة بين الدين والسياسة؟ وهل العلاقة بين الدين والسياسة تستلزم العلاقة بين الدعوي والسياسي؟ وهل يمكن فصل الدعوي عن السياسي؟ وهل الفصل بين الدعوي والسياسي يؤدي إلى العلمنة؟ فما هي العلمانية أساسا؟إذا حاولنا تفكيك القضية أو تحليلها من خلال بعض مظاهرها، فسوف تغيب القضية الأساسية، مما يعني أهمية البحث في أساس القضية أولا، ومن ثم يمكن تحديد الموقف من الأطروحات المختلفة، والأساس هو البحث في عقيدة تأسيس الدولة.هناك عقيدة تتأسس عليها الدولة وبالتالي النظام السياسي، وعقيدة التأسيس هي أولا عقيدة تنظيم المجال العام بكل ما يشتمله من حركة المجتمع والأفراد في المجال العام، فعقيدة التأسيس ينبع منها النظام العام الحاكم للنشاط في المجال العام.عقيدة تأسيس الدولة، هي بالتالي عقيدة تأسيس النظام السياسي الحاكم، والتي تحدد القواعد الملزمة لكل أجهزة النظام السياسي، وكل السلطات فيه، ومن ثم فإن عقيدة التأسيس تشكل النظام السياسي وتضع له الإطار العام، الذي لا يخرج عنه.عقيدة تأسيس الدولة، هي في الأساس عقيدة تأسيس المجتمع، أو عقيدة إعادة تأسيس المجتمع في مراحل التغير والتشكل الجديدة، والتي تستمد أساسا من موروثه الثقافي والحضاري، وتتجدد وتتحدد في كل مرحلة بكيفية تعبر عن روح العصر.هل يجب أن تكون عقيدة تأسيس الدولة نابعة من الدين، أم أنها لا ترتبط بالدين؟ هذا هو السؤال المتكرر، ولكن السؤال الأصح، هل عقيدة تأسيس الدولة، والتي هي عقيدة تأسيس المجتمع أيضا دين؟ أليس لكل دولة دين؟العقيدة المؤسسة للدولة، هي أولا العقيدة المؤسسة للمجتمع أو الأمة، وبالتالي هي المقدس الذي يستند له الاجتماع البشري، وكل اجتماع بشري منظم يستند لمقدس، لأن المقدس هو الذي يؤسس لنظام قائم على إطار عام حاكم له.المجتمع يستند أساسا إلى نظام عام، يشكل للمجتمع كيانه المتماسك، الذي يمكنه من الحفاظ على استمراره وفاعليته، كما أن المجتمع لا يتشكل بدون انتماء وولاء، والانتماء للمجتمع هو انتماء مؤسس على توافق المجتمع على ما هو مقدس.المقدس، هو المبادئ المتفق عليها والتي تمثل ثوابت النظام العام، وبالتالي ثوابت النظام السياسي والاجتماعي، والتي يتأسس عليها المجتمع وتتأسس عليها الدولة، وهذا المقدس يكتسب طبيعته من مصدره النابع منه.هناك مقدس مطلق، وهو النابع من مصدر مطلق، وهناك مقدس نسبي، وهو نابع من مصدر نسبي، وهناك بينهم حالات مختلفة، حيث قد يكون مصدر المقدس نسبي، لأنه ليس إلهي، ولكن يعتقد مجتمع ما أنه مطلق، وهكذا.في كل الحالات التي عرفتها البشرية حتى الآن، عرفنا المقدس الإلهي والمقدس الوثني والمقدس البشري، وتراوحت حركة المجتمعات وخياراتها بين هذه المقدسات، ولكن لم تتحرك خارج أي مقدس، إلا في مراحل ما قبل التاريخ، وما قبل الاجتماع البشري.إذا اعتبرنا كل مقدس هو الدين الذي يدين به المجتمع أيا كان مصدره، فكل المجتمعات لها دين، وهو الإطار المنظم لحياتها، وكل الدول تتأسس على دين، هو المبادئ والقواعد الحاكمة لها، والتي تمثل الثوابت التي تلتزم بها الدولة.في التشريح العلمي، هناك عقيدة فلسفية تؤسس مختلف الأنظمة، بل وتؤسس مختلف الثقافات والحضارات وتميز بينها، وتلك العقيدة هي عقيدة التأسيس، والتي تشمل العقائد الأساسية، التي يتفق عليها المجتمع، وتؤسس عليها الدولة.يمكن القول: أن عقيدة التأسيس هي التي تشكل الحضارة، كما أنها عماد وجود المجتمع، ومصدر الانتماء في المجتمع، وهي التي تؤسس الدولة وتقيم النظام العام، وتؤسس النظام السياسي والنظام الاجتماعي، أي أنها حجر الزاوية.ما هي العلمانية إذن؟ كنموذج تطبيقي للتصورات السابقة، يمكن النظر إلى المجتمعات الغربية، حتى نعرف كيف تشكلت مرحلتها المعاصرة، والتي قامت أساسا على الخروج من أزمة السلطة بسبب تزاوج السلطة الزمنية والسلطة الدينية.العقيدة الأساس في الحضارة الغربية المعاصرة، تستند على مقولة أن الإنسان مركز الكون، وهي عقيدة تخرج الخالق من التصور العقدي الأساسي المشكل للعقيدة المؤسسة للدولة والمجتمع، ومنها ينبع الدور المركزي للإنسان في تشكيل العقيدة المؤسسة في الغرب.مركزية دور الإنسان، وأنه مركز العالم حسب التصور الغربي تتبعها مقولة العقل الطبيعي، أي القول بأن العقل الطبيعي للإنسان، قادر على معرفة الحقيقة والتوصل للحق، مما جعل العقل البشري هو مصدر المقدس.العقيدة المؤسسة في الغرب إذن، هي عقيدة بشرية تجعل العقل البشري هو مصدر القواعد والمبادئ المقدسة، والتي تأسست عليها الدولة والنظام السياسي في الغرب، وهو ما أسس لدين بشري، يتمثل في الفلسفة المادية.من أهم قضايا المجال السياسي هي مسألة العلاقة بين الأخلاق والسياسية، أو بمعنى أدق مسألة تحديد القيم الأخلاقية الحاكمة للنظام السياسي والحاكمة للمجال العام والحاكمة أيضا للمجتمع، والتي تمنع تحوله إلى الفوضى وحياة الغابة.من أهم قضايا الفكر الإنساني، هي تلك القضية الخاصة بالعلاقة بين الأخلاق والدين، فهناك رؤية تؤكد على أن الأخلاق تنبع من الدين، وهناك رؤية أخرى ترى أن العقل قادر على الوصول إلى الأخلاق بدون الحاجة للدين.يمكن اعتبار مسألة العلاقة بين الأخلاق والدين، بوصفها مسألة جوهرية تحدد العقائد المختلفة والفروق بينها، فعندما تكون الأخلاق والقيم الأخلاقية الأساسية نابعة من الدين، تكون قيما مطلقة، لأن مصدرها مطلق.عندما تكون القيم الأخلاقية نابعة من العقل البشري، تكون بالتالي قيما نسبية، لأن مصدرها نسبي، وهو ما يعني أن الأخلاق لا تطبق بشكل نسبي حسب ظروف التطبيق والحياة فقط، بل يعني أنها نسبية في أساسها.عندما ظهرت في الغرب نظرية أن العقل هو مصدر الأخلاق، أصبحت العلاقة واضحة وربما مباشرة بين الأخلاق والمصلحة، لأن العقل البشري، أو العقل الطبيعي كما يسمي، يفكر في ضوء المصالح والمنافع.الأخلاق المصلحية واحدة من تداعيات مركزية الإنسان، واعتبار العقل الطبيعي مصدرا للعقيدة المؤسسة، وهو ما جعل القيم الأخلاقية تتحور عبر تاريخ الغرب الحديث حسب مسار المصالح، مما يعني أن نسبية الأخلاق، قد تغير مضمون تطبيقها.فما العلمانية؟تمثل العلمانية الخلاصة السياسية للعقيدة البشرية المؤسسة للحضارة الغربية المعاصرة، والتي تمثل التطبيق السياسي للفلسفة المادية، وهي بهذا تمثل اختيارا حضاريا عاما للمجتمع، كما تمثل الإطار المؤسس للدولة.في العلمانية، والترجمة الأدق لها في تصوري هي الدنيوية، يستند النظام السياسي على قدرة العقل البشري على معرفة الحقيقة، وعلى تحديد الأخلاق، وأيضا على تحديد المصالح، من خلال نظر العقل للعالم المحيط به، بحيث تكون مرجعية النظام السياسي هي العقل البشري فقط.قواعد العلمانية تحكم الدولة، وبالتالي تحكم النظام السياسي وكل السلطات، ويكون على كل السلطات الالتزام بتلك القيم والقواعد التأسيسية، والتي تتمثل في عقيدة التأسيس، التي تنبع منها عقائد مقدسة، ثم قيم وقواعد دستورية.الدستور في أي نظام، ليس هو المطلق ولا هو المقدس، بل هو نابع من المقدس الذي يمثل عقيدة المجتمع، ومن ذلك المقدس يوضع الدستور، والذي يكون نصه محددا للمبادئ والقواعد المنظمة للنظام السياسي، والتي تتوافق مع المقدس الذي ينبع منه.يظل النظام السياسي في كل تصرفاته ملتزما بالدستور، وأيضا ملتزما بالعقيدة المؤسسة التي نبع منها هذا الدستور، والتي تتمثل في القيم العليا التي يدافع عنها كل نظام سياسي، ويدافع عنها المجتمع، لأنها حاكمة للجميع.العلمانية إذن، هي محاولة للإجابة على سؤال مركزي، فهل تؤسس الدولة على مرجعية الدين أم مرجعية العقل البشري، أي هل تؤسس على دين بشري أو دين إلهي، أي أن العلمانية إجابة على سؤال ما وراء الطبيعة.هناك منظور يتأسس على أن الحق المطلق يوجد في ما وراء الطبيعة، وهناك منظور آخر يرى أن الطبيعة مكتفية بنفسها، وأن الحق موجود فيها، حتى وإن كان ليس مطلقا بنفس الدرجة، وأكثر نسبية لأنه يتم الوصول له بالعقل البشري.الحالة الغربية توضح مسارا مهما، ففي التجربة الغربية التي قامت على تزاوج السلطة الدينية والزمنية، قامت حركة النهضة الغربية على التحرر من السلطة الدينية، وإحلال العقل البشري محل الدين الإلهي.العلمانية حلت محل المسيحية، بأن أزاحت المسيحية عن أن تكون مصدرا للعقيدة المؤسسة للمجتمعات الغربية، وأزاحت المسيحية عن أن تكون مصدرا للأخلاق، وأزاحت المسيحية أيضا عن أن تكون مصدرا للحق.يمكن القول: أن العلمانية لم تكن ضد الدين، بل أكثر من هذا، أنها حلت محل الدين، وكانت النتيجة لذلك أن أصبح الدين محصورا في المجال الخاص، وتمددت العلمانية في المجال العام، وهو ما نتج عنه انحسار المسيحية تدريجيا في أوروبا والغرب عامة.هناك بالطبع أكثر من رؤية علمانية، فهناك الرؤية المتطرفة مثل النموذج الفرنسي، والتي تتمادى فيها العلمنة لدرجة تؤدي عمليا إلى حصار الدين في زاوية شديدة الضيق، وهناك العلمانية المعتدلة مثل أمريكا، والتي تتيح مجال حركة للدين.المتابع لمدى انتشار الدين في الغرب، يلاحظ عدة ملاحظات هامة، فالغرب المسيحي والذي كان يسمى بالعالم المسيحي، أي المنطقة التي توجد فيها المسيحية دون غيرها، تراجعت فيه أعداد المسيحيين في العقود الأخيرة.لم تعد أوروبا مركز التواجد المسيحي، وتزايدت نسب الملحدين بصورة واضحة في أوروبا، وبدأت في التزايد في أمريكا، بل أن كل الكنائس التي تكيفت مع العلمانية، تراجعت عضويتها بشدة، فالرؤية المسيحية العلمانية تؤدي إلى علمانية خالصة.التجربة تشير إلى أن إزاحة الدين من المجال العام، يتبعها إزاحة للدين من المجال الخاص والفردي، وهي وإن كانت إزاحة اختيارية، فإنها نتاج لعلمنة المجال العام، وهو ما يؤثر على الفرد نفسه، بصورة تؤدي إلى علمنة الفرد.العلمانية في النهاية عقيدة، وهي تؤسس الفرد العلماني، فمعنى تأسيس المجال العام على العلمانية، أي جعل العقل مصدرا للحق والأخلاق والمصلحة، يؤدي إلى تشكل الفرد العلماني، الذي يعتبر عقله مرجعه الوحيد.قد يتسأل البعض عن أسباب حضور المسيحية في الجدل حول المهاجرين واللاجئين، وبالفعل نجد المسيحية حاضرة في تعريف الهوية القومية للمجتمعات الأوروبية وأمريكا أيضا، فهي حاضرة بوصفها ملمح من ملامح القومية.حضور الدين بوصفه ملمح من الملامح المميزة لقومية ما، لا يعني حضوره في المجال العام كمرجعية، ولا حتى حضوره الفاعل في المجال الخاص، بقدر ما يعني أن المسيحية تتحول إلى أحد الملامح المميزة لعرق ما، مثل الملامح الأخرى.في أوروبا خاصة، تعريف المجتمع بأنه يمثل حضارة الرجل الأبيض، مثل أن يعرف بأنه مجتمع مسيحي، فكلها ملامح شكلية لعرق، ولكن عقيدة هذا العرق أو هذه القومية، هي مركزية الإنسان في الكون، ومرجعية العقل الطبيعي.لأن المرجعية الغربية هي الفلسفة المادية، أي أن الغرب دينه المادية، لذا فإن مؤسسة المادية في الغرب أصبحت الدولة، أي أن الدولة في الغرب، تمثل مؤسسة الدين البشري الذي ينتمي له الإنسان الغربي، أي مؤسسة العقيدة المادية.الدولة في الغرب، هي مؤسسة تستند على دين مادي، وهي أيضا المؤسسة المنوط بها حماية هذا الدين والحفاظ عليه، ومنع أي خروج عليه، وبهذا تأسست الدولة القومية القطرية في الغرب، بوصفها حامية الدين المادي، إن صح التعبير.الدولة المستوردةمن المهم أن نسأل عن هذه الدولة العلمانية التي أسسها الاحتلال في البلاد العربية والإسلامية، والتي تمثل استيرادا للدولة كما هي في النموذج الغربي، فهل تم استيرادها كما هي أو حدثت بها تحولات مهمة غيرت من العقيدة التي تستند إليها.عندما أسست الدولة القومية العلمانية القطرية في البلاد العربية والإسلامية، فرضت على المجتمعات ولم تنبع منها، وجاءت بعقيدة مخالفة للعقيدة المؤسسة للمجتمعات، وفرضت تلك العقيدة على هذه المجتمعات.لم تقم الدولة المستوردة بعد الاستيراد على مركزية الإنسان في الكون، بل على مركزية الغرب في الكون، لأنه مؤسس الدولة، فأصبحت دولة تابعة، مؤسسة على نموذج آخر، ومستوردة منه، فأصبح الغرب مركز الكون للدولة العربية المستوردة.لم يصبح العقل البشري أو العقل الطبيعي، هو المرجعية ومصدر المقدس، لأن العقل البشري في المجتمعات العربية نظر له أنه غير عقلاني ومتخلف، ولا يمكن أن يكون مرجعية الدولة المستوردة، فأصبحت الدولة المستوردة تعتبر أنها مرجعية نفسها.بفعل انفصال الدولة عن المجتمع، أصبحت طبقة الحكم الاستبدادي ونخبة الدولة، هي التي تمثل مرجعية الدولة، وهي مرجعية تابعة للمصدر الغربي، تقوم أساسا على تقليد الغرب، مما يجعل التبعية سياسية وحضارية، وهو ما شكل طبقة حكم فوق المجتمع.تأسست الأخلاق في الدولة المستوردة، لا على العقل باعتباره قادرا على التمييز بين الحسن والقبيح، ولكن على طبقة الحكم التي جعلت مصلحتها هي المصلحة العليا للدولة، وهو ما نتج عنه غياب الأخلاق من المنظومة السياسية، ثم من المجتمع.الدولة المستوردة إذن، هي دولة قومية علمانية قطرية، تستند لمرجعية مؤسسة لها في الغرب، مما يجعلها تابعة، ثم تستند لمرجعية من داخلها تتمثل في الطبقة الحائزة على السلطة، مما يغيب دور العقل والأخلاق، بعد تغييب دور المجتمع.الخلاصةفي مسار الثورة والتحرر، تكون البداية والتأسيس متمثلة في إعادة تأسيس الدولة على العقيدة المؤسسة للمجتمع وباختيار المجتمع، وأول سؤال يجب أن يجيب عليه المجتمع، هو حول دور الدين، وهل هو مصدر المقدس، أم أن العقل البشري هو مصدر المقدس؟




الاثنين، 11 يوليو 2016

سعدالله يردّ على الفرنسيين: .......... مراحيضنا.. وحضارتكم .............

سخر المؤرخ والصحفي والروائي الجزائري فوزي سعدالله من ادّعاء الفرنسيين أن استعمارهم للجزائر أضفى عليها حضارة، كما وانتهز الفرصة للردّ على من قالوا إن الوجود التركي في الجزائر كان احتلالا.
وقال سعد الله في منشور على “فيسبوك”.. “كانت مدينة الجزائر تستحم في 33 حمّاما، في فترة لم يكن يعرف خلالها ملوكٌ في أوروبا ما معنى المرحاض”.
وجدير بالذكر أن فرنسا سنت قانونا لتمجيد استعمارها للجزائر وبلدان شمال إفريقيا، وأثار القانون موجة سخط كبيرة في الجزائر، ورغم محاولة نواب في المجلس الشعبي الوطني سنّ قانون مواز لتجريم الاستعمار، إلا أن رغبتهم اصطدمت برفض السلطة، ما اعتبره كثيرون “خضوعا لفرنسا”.
وفيما يلي نص منشور فوزي سعدالله كاملا:
_________________________________________________________________



مدينة الجزائر العثمانية….ضحية “المهمة الحضارية” الفرنسية 1830م…في ذكرى الأيام التي سبقت الغزو كانت تُسمّى جزائر بني مزغنه، باسم القبيلة الأمازيغية التي كانت تعمِّرها، ثم جزائر الثعالبة نسبة إلى قبيلة الثعالبة الهلالية العربية التي التحقت بها منذ القرن 13م و14م، ليُختزَل اسمُها في “الجزائر” فقط، بمعنى: الجُزُر.
ومن “الجزائر” استوحى الفرنسيون اسم “آلْجي” بما يستسيغه لسانهم.
هذه المدينة العتيقة بُنيتْ في شكل مُدرَّج يطل على البحر وفق التقاليد المعمارية اليونانية القديمة، وقد أطلقت أثينا على عاصمتنا حينذاك اسم “إيكوزيس”.
في القرن 18م، الفترة العثمانية من تاريخ الجزائر، كان يعيش في المدينة العاصمة ما بين 100 ألف إلى 120 ألف نسمة، غالبيتهم من المسلمين، لكن أقام بينهم عشرات آلاف اليهود والنصارى. وقد جاء هؤلاء جميعا من مختلف البقاع والأصقاع، مسلمين وغير المسلمين.
كانت مدينة الجزائر توفر الحظ لكل من لم يسعفه الحظ في بلاده أن يعيش حياة كريمة. إيطاليون، ألبانيون،أتراك، يونانيون…وغيرهم من الأقوام تداولوا بمقتضى هذا الانفتاح على حُكم البلاد، من بينهم: الحاج حُسين ميزُّو مورْتُو، الحاج حسان فِينِيزّْيانُو، قُورْصُو، آرْنَاؤُوطْ، وغيرُهم.
هكذا كانت مدينة الجزائر في أيام عزها… أقولها للذين لا يعرفونها ولا يشاهدونها سوى بأعين الذين دَمَّروا ثلثيْها (2/3) خلال الأعوام الأولى للاحتلال بدعوى نشر الحضارة التي كانوا هم أحوج إليها…
كانت الجزائر تنعم بمرافق لم تتوفر في كبريات المدن المتوسطية والعالمية، فقد احتوت على 60 مقهى، على غرار أشهرها وهي القهوة الكبيرة والقهوة الصغيرة وقهوة بحاية وقهوة العريش. وشربت وارتوت من عدد مماثل أو أكبر من العيون والنافورات العمومية، فضلا عن تلك المتواجدة في الديار والقصور. وكانت تستحم في 33 حمّاما، في فترة لم يكن يعرف خلالها ملوكٌ في أوروبا ما معنى المرحاض. وكانت تنام مطمئنة بجنودها الـ: 12 ألف الساهرين على أمنها في 8 ثكنات، عكس ما تُرَدِّدُه النّظريات التي يُسوِّقها مَن يروِّجون لفكرة “الاحتلال التركي” للبلاد…
كما عبدت المدينة الله في أكثر من 120 جامعا ومسجدا وعشرات الزوايا والأضرحة، وأيضا في الكنائس والبِيَع اليهودية. وتَعلَّم أبناء أهل الحاضرة القراءة والكتابة والعلوم في المدارس والزوايا وباحات المساجد والمِدْرَاشْ، بالنسبة لليهود، وطالعوا المخطوطات في المكتبات والورّاقات في حيّ القَيْصرية الذي كان يؤمّه المثقفون والطلبة والعلماء.
وكان في المدينة أسواق شاع ذِكْرُها في البحر المتوسط تمتد من باب عزون إلى باب الوادي، فضلا عن الأسواق الصغيرة الجِوارية في مختلف الحوْمات على غرار حوانيت سيدي عبد الله أسفل حوْمة سيدي محمد الشريف وحوانيت بن رابحة في سور السّْطارة…
وفي قلب “البهجة”، كما كان يُطلق على المدينة، انتشرتْ الفنادق والمخازن بملاهيها وطَبَرْنَاتِها للترفيه عن المسافرين والتجار وعابري السبيل متعددي الجنسيات…
أما خارج أسوار المدينة، فقد تعددت الجنان والبساتين المحيطة بالقصور والفيلات؛ من حيّْ الثغريين في مرتفعات المدينة إلى بوزريعة، ومن باب الوادي إلى مرسى الذبان، لا بوانت يسكاد حاليا، وأيضا من جنان مصطفى باشا الممتد عبْر ساحة أول ماي وتيليملي إلى حيدرة وبئر مراد الرايس وبئر الخادم….
هكذا كانت مدينة الجزائر في أيام عزها… أقولها للذين لا يعرفونها ولا يشاهدونها سوى بأعين الذين دَمَّروا ثلثيْها (2/3) خلال الأعوام الأولى للاحتلال بدعوى نشر الحضارة التي كانوا هم أحوج إليها…

الجمعة، 8 يوليو 2016

القومية والإسلام ........ بقلم المفكر أبو يعرب المرزوقي

توقفت علاقتي مع صديق كنت أتصوره متنورا فاكتشفت افراطي في حسن الظن. وقد بدأ توقفها من جانبه بسبب موقفي من مشروع حزب عروبـي.
كنت ضد حزب عروبي يسعى إليه متجاوز لمدلولها الإسلامي أي الرابطة الروحية الإسلامية أي ضد العروبة الاثنية التي لم ترتق إلى العروبة الحضارية على أساس الرابطة الإسلامية.
وحتى لا أحرجه احتججت صادقا بضرر ذلك على المغرب العربي بخلاف المشرق الذي ظن أصحابه أن الإثنية أمتن من الوحدة الروحية الإسلامية وبين التاريخ الخطأ.
فعندي أن العروبة بوصفها إثنية قد أدت إلى نكوص المسلمين إلى القوميات العرقية والى الشعوبية واضطهاد كل قومية للأخرى لفرض نفسها عليها في القرنين الأخيرين.
من ذلك أن محاولة تعريب الأكراد في المشرق والأمازيع في المغرب وكلا الشعبين من أهم من خدم الإسلام أفسد العلاقة بينهم وبين العرب فضلا عن جعل البعض يتعامل مع الإسلام وكأنه احتلال ثقافي عربي.
ومثله التفريس والتتريك وكل السياسات القومية العنصرية التي ورثتها النخب من الاستعمار لأن كل هذه الشعوب كانت متجاوزة للأمر وتعمل بوصفها مسلمة بلا تمييز.
فطارق بن زياد وصلاح الدين وجل علماء الإسلام في المغرب العربي وفي المشرق العربي ليسوا بالضرورة عربا ومع ذلك فقد خدموا الإسلام ولغة القرآن أفضل خدمة.
والرابطة الدينية ليست بريئة مما يشبه ذلك. لكن أحداث الصراعات الدينية في الإسلام لم تسقط في العنصرية. وإذا حصل فسببه النكوص ما قبل الإسلام.
ولا يقتصر ذلك على علاقة العرب بغيرهم بل بين العرب. فنعرة البابلي والفرعوني والفينيقي والقرطاجني إلخ..فضلا عن المقابلات الاثنية كلها تقليد أعمى للغرب.
وكما قال ابن خلدون فإن النسب حتى القريب إذا تجاوز أربعة أجيال يصبح من مجال الوحدة الرمزية لا الوحدة العضوية ناهيك عن النسب العرقي لشعب.
الأحزاب القومية نكوص بالإنسانية إلى الحيوانية وهي مصدر النكبات الإنسانية التي عرفتها أوروبا قبلنا والتي آلت إلى التصفيات العرقية بين الشعوب.
وبهذا المعنى فالحروب التي تبدو دينية في اقليمنا ليست دينية بل هي عرقية: الصهيونية والصفوية ذاتا نزعة عرقية خالصة تنتقم ممن حرر البشرية منها أي الإسلام.
والدليل أن كل الفرق المسيحية القديمة وحتى اليهودية وحتى الأديان غير السماوية لم يبق لها وجود إلا في الأرض العربية وفي العراق والشام خاصة. والاحتلال الأمريكي والاسرائيلي والإيراني هو الذي يكاد يقضي عليها
فما تفعله إيران في الهلال (العارق والشام) لا علاقة له بالدين أولا لأن التشيع ليس دين بل هو تحريف دين بعكس كل قيمه وجعلها تفيد عكس ما بلغه القرآن.
وثانيا المحرك الأساسي -رغم غباء مليشياتها العربية بالقلم والسيف- ليس التشيع حتى لو قبلنا به دينا بل العرقية الفارسية سعيا للثأر من العرب.
وهو طموح سخيف: فالعرب مهما نامت أنظمتهم ونخبهم العميلة أمة لا تقهر بخصالها الحربية وبرسالتها الأسلامية التي أعطتها الطموح التاريخي الكوني فضلا عن وزنها المادي الذي لا نسبة ولا مناسبة بينه وبين ضآلة وزن إيران.
وإسرائيل لا علاقة لها بالدين أصلا لأنها تحريف دين موسى إذ جعلته دين قبيلة بدائية همها الحياة الدنيا واعتبار البشر الآخرين عبيدا لهم: جوهيم.
ومن ثم فحربهم على الإسلام والعرب ليست دينية بل هي عنصرية: هم يتصورون أنفسهم شعب الله المختار ويريدون أن يحققوا في الشرق ما حققوه في الغرب.
يعلمون أن عددهم لا يكفي لاستعمار الأقليم حتى لو صدقنا كسينجر المستشار الخرف الذي يزعم أنها ستحتل سبعة بلدان عربية هي تريد الحكم الخفي كما في الغرب.
ولما كان لا أحد (فرعون وبابل والروس والألمان) في التاريخ الإنساني منذ نشأة هذه القبيلة المريضة روحيا ونفسيا هزمها إلا الإسلام فإنها اليوم تخوض المعركة النهائية وستهزم.
صحيح أنها استطاعت ان تسيطر على كل العملاء من الأنظمة والنخب. لكن ذلك بحد ذاته يجعلها شديدة الهشاشة لأنها به جعلت التحرر منها يبدأ بهم.
بعبارة أوضح حلمها الخفي صار علنيا وهو متعين في العملاء من الحكام والنخب ومن ثم فالثورة الأخيرة هي بداية النهاية لها ولهم. لذلك تضامنهم.
والهزيمة ستكون هذه المرة القاضية لأنهم في وضع بفلسطين معاكس لوضعهم الذي يقصه القرآن في مصر: لن تكون معركة ضد موسى واسلامه بل ضد عبدة العجل الذين خانوه وكفروا بربه.
واجتماع العنصريتين باسم الشعب المختار والأسرة المختارة (الأيمة المزعومين معصومين لكأن العصمة موروثة) لحكم بقية البشر الذين يعتبرون عبيدا لهم مالهم وعرضهم هو بداية النهاية للعنصريتين.
وذلك ما يمثل رسالة السنة الذين هم ممثلو الإسلام والذين لا يؤمنون بالقومية والعنصرية بل الرابط الوحيد الذي يؤمنون به هو الرابط الروحي.
وهذا الرابط الروحي حددته الآية الأولى من النساء (الأخوة البشرية) والآية الثالثة عشرة من الحجرات (المساواة بين البشر) وحصرالتفاضل في التقوى.
لم يفهم الصديق هذا المعاني فقلاني وما كنا صديقين حميمين بل كان تقديرا متبادلا في النضال ضد الهيمنة رغم أني كنت أتصور أن التعاون في ترجمة أمهات الفلسفة الألمانية الذي اقترحته عليه قبل محنة الوزارة كان يمكن أن يكون أساس علاقة أفضل.
ولا أريد الاحراج فتركته فلعل طموحه السياسي وحبه السلطة هو الذي يمنعه من فهم هذه المعاني لإيمانه بالقومية وهو حقه المطلق الذي لا أجادله فيه.
وأترك للقراء حزر المقصود بهذا الصديق. فهو رجل ذو جاه وسلطان قد لا يكون في صالح الثقافة العربية. لكن الجاه والسلطان الدنيوي ليس مما اعتبره دليلا على تحقيق غايات الإنسان الحر.
وختاما فالبشر لا ينتبهون للعلاقة بين شروط الاستعمار في الأرض وشروط الاستخلاف فيها: فغياب الأولى يحول دون وجود الثانية لأنه يؤدي إلى الشرك حتما.
أعلم أن أغلب من يقبل بلسطان أصحاب الجاه والسلطان دافعهم هو الشرك أو عبادة العباد بدل عبادة رب العباد.والتحرر منهم هو شرط الإيمان.
فآية تبين الرشد من الغي والحرية الروحية تحرر من الإكراه في الدين وتعتبرالكفر بالطاغوت الروحي والمادي شرط الإيمان بالله والاستمساك بالعروة.
وهذا هو الذي يحرر البشر من الرابطة العرقية والطبقية فيؤمن بالأخوة البشرية وبالمساواة التي لا تفاضل فيها إلا بالاخلاق القرآنية أي بالتقوى.
فالآية الأولى من النساء تحدد مستويين للرحم: الكوني (من نفس واحدة) والجزئي (الأرحام التي تساءلون بها تقديرا لتعدية فعل التساؤل لمفعول ثان) وتصل الأول بالربوية والثاني بالالوهية.
وفالرحم غير الاختياري مقدم على الرحم الاختياري بدليل الكلام المربوبية التي لا خيار فيها قبل الكلام على الآلهية اختيارا حرا للمكلف المؤمن.
والآية الثالثة عشرة من الحجرات تبدأ مثلها "يا ايها الناس" لتؤكد على أن الأخوة البشرية تنفي العنصرية والطبقية وتحافظ على معيار واحد للتفاضل: التقوى.
ذلك هو الإسلام فهو بالآية الأولى من النساء يحدد الإسلام الفطري وبالآية الثالثة عشرة من الحجرت يحدد الإسلام الواعي بما يقتضيه الإسلام الفطري من خلق.
فمن لم يفهم ذلك فقد فسدت فطرته ومن لم يعمل به فقد فسد وعيه بفطرته. فجعل القرآن نهجه مضاعف: نقد التحريف المفسد للفطرة وتربية وسياسة ترجعانها خلقيا.
أحمد الله على ما من به من فهم وحسن قصد وآمل أن يكون كل شباب الأمة بجنسيه مدركا لثورتي الإسلام الروحية والسياسية لجعلنا شاهدين على البشرية.


الأربعاء، 6 يوليو 2016

مداخلة الدكتور أبو يعرب المرزوقي : الندوة الفكرية " الدّين والدّولة وال...

حوار شيق مع الدكتور اسماعيل مهنانة حول الفلسفة في عصر العلم .......... قام به الصديق خالد بن سكيم


حوار شيق مع الدكتور اسماعيل مهنانة حول الفلسفة في عصر العلم..هل بقي شيء للفلاسفة يقومون به غير تدريس تاريخ الفلسفة ومذاهبها بعدما احتكر العلم تقريبا كل أسئلتنا؟؟
Khaled Bensekaim
ماذا تقصد بأن العلم لا يفكر في كتابك العرب ومسالة الاختلاف؟
Smail Mehnana
نعم، العلم يصف فقط، لا بفكر ولا يفسر حتى، العلم يعلل بمعنى يبحث عن العلة التي تسبق الظاهرة ويجرب عدة مرات ليقول انها سبب تلك الظاهرة
لكنه لا يبين كيف انتقلت القوة من العلة الى المعلول.Khaled Bensekaimلكن هذا نوع من التفكير، تفكير علمي، قصدك لا يتفلسف؟Smail Mehnanaاقصد لا يفسر لماذا انتقلت الحالة من العلة من المعلول، مثلا لما يقول لنا النار تحرق الورق لانه يصف علاقة متكررة بين وجود النار ووجود الورق بقربها، لكنها لا يقول ما معنى الحرق مثلا، العلم يفسر كل شيء بالمادة لكنه لا يقول لنا ما هي المادة؟ او ما هي الجاذبية الموجودة بين الاجسام، وما هي الطاقة؟Khaled Bensekaimالماهية والغاية..Smail Mehnanaبعيدا عن سؤال الماهية والغاية، هذه اسئلة دينيةKhaled Bensekaimلكنك طرحتها الانSmail Mehnanaالماهية هي الطريقة التي يوجد الاشياء في الزمن، هل تقول لنا السيكولوجيا ما هي النفس او ما هو الدماغ.Khaled Bensekaimالسيكولوجي ليس علمSmail Mehnanaاو ما هو المجتمع بالنسبة لعلم الاجتماع، حتى الفزياء لا تقول لنا ما هي المادة وما معنى الطبيعة. وحتى البيولوجيا لا تقول لنا ماهو الكائن الحي ولا الكمياء تقول ما هو التفاعل ولا الرياضيات تقول ما هي العلاقة المنطقية بين الاعدادKhaled Bensekaim
هذه ليست علوم بمعنى science.. لكن هذه اسئلة تفترض وجودا ما ورائي؟
Smail Mehnana
ما معنى ما ورائي؟
Khaled Bensekaim
ميتافيزيقي
Smail Mehnana
هي أسئلة تفرض نفسها على الفكر.
Khaled Bensekaim
المعنى افتراض غير طبيعي..
Smail Mehnana
أسئلة مشروعة بحكم الفكر نفسه.
Khaled Bensekaim
نعم مشروعة لكن هل يمكن الاجابة عنها بالعلم او بغيره؟ لا لذلك العلم استبعدها.
Smail Mehnana
هي نفسه الأسئلة التي تحرك العلم نحو التطور لم يستبعدها العلم حتى انشتاين حاول ايجاد علاقة بين الكتلة والزمن والمتحرك وضبطه في معادلة لكنه لم يفلح.
Khaled Bensekaim
علاقة منطقية تقصد؟
Smail Mehnana
نعم علاقة رياضية
Khaled Bensekaim
هذا يبقى ضمن مجال الفيزياء
Smail Mehnana
نعم
Khaled Bensekaim
لكن السؤال عن معنى العلاقة هو ما تطرحه أنت
Smail Mehnana
انا اطرح مسألة ان العلم يبقى يحتاج الى التفكير من خارجه لان العلم لا يفكر وهذا ليس عيب في العلم ولكن طبيعة العلم التعليلية هي التي تمنعه من التفكير، العلم يعلل الظاهرة وقد اكتملت.
Khaled Bensekaim
اشعر ان الفلسفة تعرض خدماتها على العلم في نهاية حياتها.. ما فائدة سؤال لا اجابة له؟
Smail Mehnana
كل كلام من خارج العلم هو فلسفة، فائدته هي تحريك العلم نفسه اولا ثم فائدته الاساسية هي بناء علاقة الانسان مع العلم.
لا تنسى ان علاقة الانسان بالعلم لا تزال غامضة ومرتبكة.
Khaled Bensekaim
علاقة تضفي روحانية علئ العلم؟
Smail Mehnana
لا ليس بالضرورة ولكنها علاقة تضع العلم في خدمة الانسان. ولا تجعله نشاط مستقل كما هو الآن.
Khaled Bensekaim
كيف تتصور ذلك؟
Smail Mehnana
العلم الآن يتطور في نسق مستقل عن الوجود الانساني ومحكوم بآليات التقنية.
Khaled Bensekaim
وهذا ما جعله ينتج.
Smail Mehnana
نعم جعله اداة انتاج في يد الآلة الرأسمالية وليس امتدادا للكاءن الانساني ككل.
Khaled Bensekaim
اقصد انتاجا معرفيا، يجب ان نفصل بين العلم والتكنولوجيا.
Smail Mehnana
الان لا يمكن الفصل بينها، العلم خاضع للتقنية رغم انه هو من انتجها.
Khaled Bensekaim
لا ابدا..ابدا التقنية سبقت العلم كثيرا.
Smail Mehnana
كيف سبقت في التاريخ؟ لا.
Khaled Bensekaim
في الزمن نعم
Smail Mehnana
العلم ظهر قبلها مع غاليلي، التقنية ظهرت مع الثورة الصناعية بعد ذلك بقرنين لكن سرعان ما التهمته وسيطرت عليه.
Khaled Bensekaim
تقنيات الزراعة في الحضارات الزراعية الاولى وتقنيات التحنيط والبناء، تقنيات الري...
Smail Mehnana
لا تلك لاعلاقة لها بالتقينة الحديثة..
Khaled Bensekaim
لكنها تكنولوجيا.
Smail Mehnana
تلك ادوات بسيطة كانت متصالحة مع البيئة.
Khaled Bensekaim
التليسكوب لم يخترعه العلم لكنه استخدمه
Smail Mehnana
هناك فرق بين التلسكوب الذي استعمله غاليلي وبين التليسكون الحديث التي اخترعته التقنية، فرق جذري وليس مجرد تطور كذلك فرق بين استعمال الطاقة المائية في تحريك الدولاب القديم واستعمالها في توربينات توليد الكهرباء.
Khaled Bensekaim
فرق في الاداء فقط
Smail Mehnana
الفرق يكمن في اربع وظائف
Khaled Bensekaim
لكن لماذا تفصل الحديث عن القديم؟
Smail Mehnana
هي التخزين والمصادرة والتحويل والانتشار، التكنولوجيا المعاصرة تخزّن الطبيعة تصادرها وتحولها وتنشرها، مثلا الطاقة النووية تخزن تفاعل كيمئائي طبيعي في بطاريات قد تبقيى طاقة مخزنة لقرون وتحول من الطبيعة نفسها تستفز فيها طاقتها الهائلة مثلا كأس ما يقدر يولد طاقة تضيء مدينة بأكملها.
Khaled Bensekaim
لكن دور العلم انتهى عند نشره الورقة العلمية.
Smail Mehnana
لكنه ايضا ينشر الطبيعة وينتهكها
نعم لكن تلك الورقة كتبها العالم تحت طلب التقنية.
Khaled Bensekaim
ليس بالضرورة.
Smail Mehnana
التهرب من المسؤولية نفسه يدخل ضمن ان العلم لا يفكر.
Khaled Bensekaim
لكن طريقة الاستغلال ليست مسؤولية العلم.
Smail Mehnana
كل المخابر والعلماء اليوم يجرون ابحاثهم تحت رعاية التقنية والشركات ليس فقط طريقة الاستغلال العلم الحديث ينتهك سر الطبيعة بشكل غير مسبوق وقد يدمر كوكب الارض في اية لحظة.
Khaled Bensekaim
العلم يدفعه الفضول للاكتشاف ولن يتوقف اذا كان ذلك الاكتشاف يمكن ان يستعمل للتخريب
Smail Mehnana
لم يعد الفضول هو ما يحرك العلم، العلم ليس هاوي بل عمل احترافي محكوم بنسق فرضيات معقدة.
Khaled Bensekaim
هل يصح ان نلوم المنهج العلمي على الاسلحة النووية؟
Smail Mehnana
لا طبعا اللوم لا يحل المشكلة اصلا ولكن العلماء الان يحاولون انسنة العلم من الداخل.
Khaled Bensekaim
مالذي سيتغير في المنهج؟
Smail Mehnana
المناهج لا تتغير لكنها تنفتح اكثر على سؤال الانسان بعيدا عن الدين طبعا.
Khaled Bensekaim
لكن العلم لن يمكنه الاجابة عنها
Smail Mehnana
لكنه طريق الانسان الوحيد للاجابة على اسئلته الدين لم يعد يستطيع .
Khaled Bensekaim
ما فهمته من هذا الطرح ان على العلم ان يتقبل الفلسفة كشريك رسمي في المنظومة المعرفية، شريك موازي.
Smail Mehnana
نعم رغم أنه لا توجد خصومة بين العلم والفلسفة في الغرب كلاهما تحالفا ضد الدين.
Khaled Bensekaim
هناك خصومة بين العلماء والفلاسفة، قرات احد العلماء يقول ان العلم يحتاج إلى تلخيص للتفاهات حتى لا يخوض فيها والفلسفة قامت بهذا الدور.
Smail Mehnana
غير صحيح
Khaled Bensekaim
هذا رايه طبعا
Smail Mehnana
كبار العلماء فلاسفة كلهم هيزنبرغ لديه كتابات فلسفية وهنري بوانكريه ونيلز بور وانشتاين..
Khaled Bensekaim
لكنها كما يقول فلاسفة الدين اختصاصات غير متداخلة، نظامان متوازيان، العالم في مخبره لا يتفلسف.
Smail Mehnana
نعم التأملات الفلسفية للعالم تأتي بعد العلم كنوع من الاسئلة حول نظرياته، كل النظريات تطرح اسئلة فلسفية مثلا كيف تصنف كتب ستيفن هوكينغ ومداخلاته الاعلامية؟ هي اسئلة فلسفية وليست تجارب علمية.
Khaled Bensekaim
Skepticism, Anti-pseudoscience
Smail Mehnana
نعم الشكية او الريبية هي نظرة فلسفية للعالم وليست علمية.
Khaled Bensekaim
لكن افهم من هذا الطرح ان المشكلة ليست في العلم وانما في الفلسفة.
Smail Mehnana
في العلم ايضا
Khaled Bensekaim
الفلسفة هي التي خيبت حلم الانسان في المعرفة..لم تعطه جوابا واحدا على اسئلته والانسان يهمه الجواب لا السؤال.
Smail Mehnana
العلماء يجدون انفسهم مجبرين للخروج من المخبر لقول اشياء لا ستطيعون قولها داخل المخبر.
Khaled Bensekaim
لكن السؤال الذي يشغلني هو: هل الاسئلة الفلسفية (غير القابلة للاجابة بكل الطرق) لها معنى؟
Smail Mehnana
نعم لانها اسئلة الانسان، انت واهم اذا كنت تريد تعويض الوعي الديني بالفكر العلمي حتى وان فعلنا ذلك فعن طريق الفلسفة.
Khaled Bensekaim
هل كل سؤال يطرحه الانسان ذو معنى؟ هناك اسئلة غبية وساذجة
Smail Mehnana
هناك اسئلة وجيهة لا يجيب عنها العلم حتى وان كانت تبدو من تخصصه مثلا ما هو مصدر حركة القلب الذي بدوره يحرك كل الجسم؟
Khaled Bensekaim
هل هي repondables اذا كانت هذه الكلمة موجودة في اللغة الفرنسية؟
Smail Mehnana
نعم موجودة.
Khaled Bensekaim
مثلا سؤال الهدف من الحياة.. هل هو question repondable؟
Smail Mehnana
نعم ولكن ليس اجابة واحدة.
Khaled Bensekaim
بماذا تفسر كثرة المذاهب الفلسفية التي لا يمكن إحصاؤها تقريبا؟
Smail Mehnana
على كثرتها ، الفلسفة لديها سؤال واحد فقط، يتكرر في كل عصر ويأخذ صيغ كثيرة، السؤال على بساطته أكثر تعقيدا مما نتصور: ما هو الوجود؟ اي مالذي يحدث في كل لحظة من تعاقب الزمن الذي نعيشه الآن ، وكل لحظة تذهب ولا تعود ؟
Khaled Bensekaim
هل هذا سؤال وجيه؟ او على الاقل مصاغ بطريقة صحيحة؟
Smail Mehnana
ربما ليس مُصاغا بطريقة بيداغوجية، للمبتدئين، لكنه سؤال مفزع ومخيف ، لأننا فعلا نموت في كل لحظة تمر ولا تعود، وحتى تعاقب العلل في العلم لا يمكن تفسيره إلا بهذا الانسحاب المريع للزمن إذا لم يثيرك سؤال الموت في كل لحظة فهذا يعني أنك لا تزال تحافظ على أمل في الخلود، وهو أمل ديني ومخدّر كما تعرف.
Khaled Bensekaim
سؤال الموت يمكن طرحه فلسفيا كما يمكن طرحه علميا، لكن ما أراه مشكلة في الفلسفة هو أنها تطرح السؤال بدون مساءلة السؤال. عندما بدأ العلم بدراسة الحياة خارج الأرض طرح السؤال: ما هي الحياة أولا؟ لو طرحت ناسا سؤال الحياة فلسفيا لبقت مركباتها على الارض.
Smail Mehnana
بالعكس، كل فيلسوف، ولكي يستحق اللقب، عليه ان يبرر وجاهة سؤاله وشرعية طروحاته كلها تنحدر من وجاهة السؤال. حتى عمل ناسا ينحدر من سؤال فلسفي.
Khaled Bensekaim
سؤال فلسفي معَلمن، براغماتي ان صح القول
Smail Mehnana
السؤال هو: لماذا لا يستطيع الانسان تقبّل فكرة انه وحيد في هذا الكون؟ أولا: والسؤال الثاني لماذا البحث عن الحياة في كواكب أخرى؟ ولمذا كوكبنا هو الوحيد لحد الآن الذي له قابلية الحياة؟
Khaled Bensekaim
هذه الاسئلة يمكن الاجابة عليها علميا..الأول بدراسة سلوك الانسان..لماذا البحث عن الحياة؟ أو البحث عن كوكب صالح للحياة؟ لاننا نبحث عن بديل للأرض..أما الثالث فلا نعرف إن كان هو الوحيد القابل للحياة أم لا.
-----
ما رأيك فيما قاله جيمس فرايزر في الغصن الذهبي: البشرية مرت بأربعة مراحل، الأولى كان السحر والتفكير السحري هو المسيطر على ثقافة ووعي العالم، الثانية مرحلة الدين، الثالثة مرحلة الفلسفة، والآن مرحلة العلم.
اذا صح هذا أليس العلم هو زبدة الفكر البشري؟ والنسخة المنقحة للفلسفة؟
Smail Mehnana
نظرية فريز ، وحتى نظرية كومت حول مراحل التفكير نظرة ميكانيكيةلا تفسر الواقع لان في عصرنا يتجاور التفكير العلمي مع الديني مع الفلسفي وحتى السحري وحتى في المجتمعات المتطورة، حتى في مجتمع ما بعد حداثي مثل اليابان والنرويج هناك اعتقاد راسخ بالسحر ، ناهيك عن الفلسفة.
Khaled Bensekaim
ألا يمكن أن يكون هذا من مخلّفات وبقايا الفكر البدائي؟ فلول النظام السابق؟
Smail Mehnana
نعم،، لكن هذه نظرة تاريخانية للبدائية، نحن لم ولن نتجاوز البنى البدائية في الثقافة وفي التفكير ، البدائي انساني ولا يرمز بالضرورة للتخلف ، كما تروج له النزعة التاريخية.. لا نزال بدائيين لا تقلق الحضارة قشرة فقط (اخشوشنوا فإن الحضارة لا تدوم) كما قال نبي العرب.
Khaled Bensekaim
اقصد بالبدائي زمنيا
Smail Mehnana
لا يوجد بدائي زمني، هذا اختراع الانثروبولوجيا الكلاسيكية
Khaled Bensekaim
أنت هنا تضع العلم والدين والسحر والفلسفة في صف واحد.
Smail Mehnana
البدائي لا يزال حاضرا بقوة في سلوكنا ويحدد طرائق تفكيرنا لست انا من يضع انماط التفكير الاربعة في صف واحد، انها موجودة وحاضرة بشكل متعاصر.
Khaled Bensekaim
الفلسفة طرحت سؤال الارادة منذ آلاف السنوات وبقيت تراوح مكانها حتى جاء علم الاعصاب وأبعد الفلسفة عن الحي..كيف تقرأ هذا؟
Smail Mehnana
غير صحيح طبعا، النورولوجيا لم تجب لحد الآن عن سؤال الإرادة، وحتى سؤال الدماغ الذي هو اختصاصها لم تجب عنه، لان الدماغ يعطي الاوامر لكل خلية في الجسم، لكن من اين تأتي تلك الاوامر الى الدماغ؟ وما معنى أمر هنا؟ النورولوجيا لا تجيب.
Khaled Bensekaim
البروفسور في جامعة هارفرد ستيفين بينكر المتخصص في علم النفس والغويات والإدراك ينفي مبدأ حرية الإرادة ويقول بأنه وهم لا حقيقة له وأنه بوضع بعض الأسلاك في جسم الإنسان يمكن التنبئؤ بما سيفعله وأنه لا يملك حرية في فعله.
Smail Mehnana
لاثبات ذلك سيكون عليه ان يثبت تلك الاسلاك في جمجمته أولا ، ثم يرى إن كان حرا في نزعها أو ليس حرا.
Khaled Bensekaim
حسنا هذا موضوع معقد
Smail Mehnana
جدا
Khaled Bensekaim
ساعطيك بعض آراء العلماء والفلاسفة حول الفلسفة واعطني رأيك فيها.
Smail Mehnana
اوك.
Khaled Bensekaim
"لم يبق من أغراض الفلسفة في العصر الحالي سوى تحليل اللغة". لودفيغ فتغنشتاين.
Smail Mehnana
لكن اللغة هي مسكن الوجود الانساني، وهي ظاهرة معقدة كثيرا، وليست مجرد بنية نحوية أو منطقية ، كما حاول اثبات ذلك فيتغنشتاين في كتاب "التراكتاتوس سنة 1921" قبل ان يتراجع عن الفكرة سنة 1947 في كتاب "النحو الفلسفي" حين أقرّ يوجود ذات متكلمة وقصدية واعية خلف الكلام.
Khaled Bensekaim
انت تثبت صحة كلامه..اللغة ليست مجرد نحو وأبجدية ..وهذا الذي يقبع خلف جميع اللغات أصبح الآن مجالا لعلم الإدراك والاعصاب، حتى ما كان لودفيغ يظن أنه المجال الأخير للفلسفة أصبح مجالا علميا..فماذا بقي للفلسفة؟ الأخلاق؟؟
عالم الأعصاب في جامعة ستانفورد "سام هاريس Sam Harris" يقول في كتابة مشهد الأخلاق The Moral Landscape بأن الأخلاق يمكن تحديدها من خلال مبدأ حساب رفاهية وصحة المجتمع والعائد العام وليس على مبدأ ويل ديورانت مثلاً في أن الأخلاق هي فقط ما يجيزه مجتمع معين يناسب وضعه.
Smail Mehnana
سؤال الذات المتكلمة لم يتسلمه العلم بعد، ولا يزال سؤالا فلسفيا، طبعا، بالإضافة إلى سؤال الاخلاق والفن اما سؤال الاخلاق فهو أكثر تعقيدا من طرح حساب الرفاهية، لأن الاخلاق تتأسس أولا على الإرادة الحرة والمسؤولة، والتي بقيت مسألة ميتافيزيقية منذ ايمانويل كانط.
Khaled Bensekaim
في نهاية كتابه (تاريخ مختصر للزمن - 1988م) وعد الفيزيائي (ستيفن هوكنغ) بأننا نقترب كثيرا من الإجابة عن ماهية الكون، وأننا عندما نعرف ذلك يمكننا أن نجيب عن سؤال الفلاسفة عن السببية..كما قال قولته الشهيرة: الفلسفة ماتت على يد العلم.
Smail Mehnana
نعم، هو يقر أن السببية هي أوعص مشكلة واجهها الفكر البشري لحد الآن، لكنه لم يجب بعد عن ماهية الكون، لان ذلك مشروط بالجابة عن سؤال: ما هي المادة؟
Khaled Bensekaim
اذا لن نعرف إجابة هذا السؤال أبدا..مادامت الفلسفة لا تجيب والعلم لا يعير انتباها له.
Smail Mehnana
العلم عمره 4 قرون فقط، وهي لاشيء مقارنة بعمر البشرية ناهيك مقارنة بعمر الكون، والعلم لم يفسر لحد الآن أثر من 1 على مليون من ألغاز الكون والمادة، الانسان كائن هش وضعيف، ومجرد عاصفة عابرة في تاريخ الكون ، يوما ما سيختفي في ظرف عام، قبل أن يجيب عن أسئلته، ويبقى الكون بعده يسبح في اللامعنى




مأساة أهل السنة .. محمد ألهامي

‏المشكلة الحقيقية المزمنة لأهل السنة أنه ليست لهم دولة مخلصة فعلا للدين والسنة، وإنما الأنظمة المنتسبة للسنة علمانيون ومتصهينة!! ‏لذا ترى أه...