الاثنين، 17 مارس 2025

امثلة عن بعض الحدود الشرعية والأحكام في الجزائر ابان الحكم العثماني

امثلة عن بعض الحدود الشرعية والأحكام العرفية عند عدد من قبائل الشمال القسنطيني في العصر العثماني:

المجلة الإفريقية، العدد 7 (REVUE AFRICAINE 1863). من ص 73 الى 78
الحمد لله
هذا تعريف عواید قبایل زواغة و اراس واولاد حاية واولاد عيدون وبني خطاب وغيرهم وما كانوا يصنعون مع الفارط وأن لكل عرش من أعراشهم جماعة تفصل قضاياهم على حسب العادة السالفة يعينون من كل قبيلة رجلا او اثنين او اكثر يختارون العقلاء والمسنين وكل ما يفصلونه الجماعة المذكورة كمثل النكاح وقسم التريكة وقتل النفس والسرقة وحريق الديار والزرع والتبن وسريقة السلاح والهجوم على المحارم والتعدى على الحدود الفاصلة بينهم:

• الفصل الأول: 
1- ان من عادتهم يزوجون المرأة بالجِّدِي وهذا شرط على التعاقد وان تُوفى المتزوج فيردها من اقاربه أحد منهم ثم الثالث والرابع وهكذا لانهم يرثونها.

2- وان تزوج رجل وظهر به الاعتراض بانه يؤجل عامين فإن بقي على ذلك فتخرج عليه المراة وتتزوج بغيره وياخد رجل جميع ما دفع اليها.

3- وان تزوجت امراة بالجِّدِي وعجز الزوج على دفع صداقها بان اواليها يطلبونه مرة او اثنان فإن تبين عجزه فالجماعة يامرونه بتطليق المرأة ويلزموه ان يذبح كبشا ليطعم به جماعة القبيلة.

4- واذا تعدى احد على رجل من أهل القبيلة وقتله تعمدا
تنهب داره و تهدم ويذبحون له عشرة روس من البقر خطية ويدفع دية كاملة أو ان كانت له بنت او اخت يزوجها أحد من اقارب المقتول ياخدها الدم وتبقى المراة معطية على حسب زواج الجدي.

5 - واما القاتل اذا مُسك وقت القتل يقدموه لاولياء المقتول ليقتلوه في الدم واذا فلت ولم يُمسك فانهم يعاقبونه بمثل ما تقدم وينفوه من عرشه و یبقی ملکه بید اولياء المقتول يتصرفون فيه حتى يقبلوا منه الدية او المعطية والا فلا رجوع لبلاده ابدا.

6- واذا تهموا احدا بقتيلة ولم يظهر القاتل فان اوالياء
المقتول يحلفون المتهوم وخمسين رجلا معد من اقربايه واذا امتنع من الامين او امتنعوا اقرباؤه اولم يتم عدد الخمسين رجلا فيعاقبون المتهوم بمثل ما تقدم.

7 - أن السارق اذا مات بداخل الدار يدفع القاتل اربعين
دوريه، عشرون من عند القاتل وعشرون من عند الجماعة فياخدون ذلك أهل الميت وتنفصل القضية.

8- واذا تشاجرا اثنان وطلع أحدهما زناد المكحلة على
صاحبه ولم تتكلم يذبحون له خمسة روس بقر خطية اذا كان المشاجر معه من غير سلاح وأما من ضرب صاحبه بسكين وجرحه جرحا خفيفا يدفع دورة ونصف خطية.

9- ومن تشاجر في العرش وصدر منه شتم يلزمه راس بقر خطية.

10- وان كان واحد براني ليس هو من العرش وله صاحب
بالعرش فمن تعدى عليه في العرش ياخد صاحبه عشرة ريالا بسيطة واذا كان في الفرح او العرس ياخد صاحبه عشرين ريالا بسيطة.

11 - واذا تضاربا رجلان في السوق فعلى كل واحد منها
ثلاثة دورية خطية.

12 - وان حانوت الحداد الذي يخدم الة الحديد للفلاحة وغيرهم فلا يقدر احد يطلب صاحبہ فے دین له عليه بداخلها ومن تشاجر فيها يتخطى براس من البقر ولا ياخد دينه من غريمه لا اذا كان خارج الحانوت.

13 - واذا وقعت مشاجرة بين اثنين وتقدموا أقارب أحدهما بقصد الحمية وتعاونوا على ضرب الاخر وجرحه فيلزم للمتقدمين رأس بقر خطية ويدفعون أيضا قصاص المجروح.

14- واذا جُرح احد في مشاجرة فلا يقاصصون له الا بعد مضي ستة اشهر بالعادة وان انكسر احد في المشاجرة فلا يقاصصون له الا بعد سنة.

15 - واما اذا سرق احد مكحلة اناس العرش وظهرت عليه فياخد رب المكحلة خمسة دورو بشارة وقيمة المكحلة خمسة وسبعين دورو واما المكحلة الصغيرة اذا ظهر خاينها فقيمتها خمسة وعشرين دورو وبشارتها ثلاثة دورو.

16 - وأما سلاح الرجل مثل السكين والموس وغير ذلك اذا ظهر خاين احدها يدفع راس كبش خطية ويدفع ايضا فيمة الحاجة المسروقة والبشارة دورو.

17 - ومن سرف زايلة يدفع خمسة وعشرين دورية وقيمتها - ومن قص شعر زايلة او غيرها تعمدا يدفع لرب الزائلة زوج دورو.

18 - ومن سرق راسا من البقر سواء كان ذكر او انثى من القبيلة يدفع عشرين دورية قيمة الراس والبشارة.
 
19 - وإذا تسوق للسوق رجل من قبيلة أخرى وسرق سريقة وظهرت عليه فيلزمه ما يلزم لناس العرش او تشاجر مع احد في السوق فیلزمہ ما ذكر واذا احد من اناس العرش سرق أحد البرانية فيجري عليہ الحكم بحسب العادة كما ان البراني اذا ضرب احدا من اناس العرش يلزمه ايضا ما يلزمهم.

20 - واذا كان احد البرانية ظهرت عليه سريقة ولم يرجع للسوق يخاف لئلا يمسكوه فكل من ياتى للسوق من جماعته يطالبونه فيه للسوق الى ان تخلص قضيته.

21- اذا سرقت شاة او معزة وظهرت على احد فيدفع خمسة دورية والبشارة.

22 - ومن سرق قشا أو سرجا او لجاما أو بردعة أو حزاما أو شكيمة وظهرت عليه يدفع اربعة دورية لرب القش مع قيمة المسروق والبشارة.

23 - ومن سرق مطمورا وظهرت عليه يدفع خمسة عشر ريالا بسيطة خطية وفدقيمة المسروق وكذلك من سرق غلة رقعة أو جنان او بحيرة أو نادر الحبوب فمن سرق ذلك يدفع ريالا واحدا ان كان في النهار وان سرق بالليل يدفع خمسة ريالات خطية

 24 - ومن سرق سكة الحراثة وظهرت عليه يدفع زوج دورو ونصف لرب السكة 
 
25 - ومن قصد لدار خالية وسرق منها شيئًا ياخد منه رب الدار دورو ونصف وان فسد قنطاس أو ركيزة أو الباب يدفع دوريين.

 26 - ومن حرق دارا مسفقة بالقرمود يدفع ماية دوريه وأما التي بغير قرمود يدفع منها خمسين دورو واما التي مسقفة بالعود او قشر الفرنان يدفع عنها خمسة وعشرين دورية بحسب العادة وان انكر المتهوم بالحريق يحلف مع خمسة وعشرين رجلا. 
 
27 - ومن قتل كلبا لغيره في العرش ياخد منه رب الكلب خمسة دورية واذا كان قتله عند اذايته بالعض بلا يلزمه شيئ.

28- ومن ضرب نقبة على دار لناس عرشه ولم يسرق شيئا فياخد منه رب الدار دوريين ونصف.

29 - اذا سرق احد جبح نحل وظهر عليه يخسر سبعة دورية ومن سرق مطحنة يخسر دوريين عند ثبوتها.

 30 - ومن قلع غرسا من جنان يدفع دوريين ونصف خسارة ومن حرق زيتونة أو غيرها من الشجر المثمر يدفع خنسة دورية قيمتها و دورو ونصف خطية للجماعة.
 
 31 - ومن حرق نادرا يدفع عشرة ريالا لرب النادر ودورو ونصف خطية للجماعة. 
 
32 - واذا تعدى احد على باب دار لاحد ونكر تعديه رب الدار فيدفع عشرين ريالا بسيطة.

33 - ومن فسد ذيل زايلة او قرن ثور او غيرهها يدفع دورو لربها 

34 - ومن فسد عين زايلة أو ثور او ضرب فرسا لبطنها حتى اسقطت الجني يدفع على احد الفعل عشرة دورية وكذلك من سرق حمارا وظهر عليه يدفع عشرة دورية أيضا

35 - ومن اخد زوجة غيره لما ثبت عليه ذلك يذبحون له سته روس بقر اما ثلاثة ياخدها زوج المراة وثلاثة للجماعة واذا نادت امرة بأعلى صوتها عند تعدي احد عليها واراد فعل الفاحشة بها فيلزم المتعدي العقوبة على حسب العادة ولا يقبلون منه يمينا.

36 - ومن وجد مع زوجته رجلا ومسك احد أحوايج الرجل فقد تحل العقوبة بالمتعدي ولا يقبل منه يمينا واذا لم يمسك له حاجة له فلا يلزمه شي.

37 - ومن غصب امراة وتعدى عليها حسب ما ذكر يلزمه ان تذبح له الجماعة راسين من البقر ومن تعدى على بنت وغصبها تذبح له خمسة روس من البقر.

 38 - و من هرب ببنت وماتت عنده قبل ان يعقد عليها يدفع دية كاملة.
 
39 - واذا هرب احد بامراة وهي معطية لغيرة يدفع صداقها على التمام ويزيد خطية خمسة روس بقر.

40 -واذا كان احد ساكنا في العرش ليس هو من أناس العرش وهرب بامراة يدفع عليه جاره الساكن معه الواجب عليه.
 
41 - واذا هرب احد من العرش بزوجة البراني الساكن في العرش وبقيت عنده أكثر من سبعة ايام يدفع الفاعل ذلك عشرين دورية وترجع المراة لزوجها.

42 - واذا هرب أحد ببنت ولم يسبق لها الزواج فلا يمكنه تزوجها الا برضى اخوانها والا فلا يتزوج بها اصلا ويدفع خمسة ريالا دورية خطية للجماعة واذا كانو حضروا معه اصحابه في اهرابه بها كل واحد منهم يدفع نصف دورو.

43 - واذا وجد أحد رجلا مع زوجته متعانقان وقتلهما فلا يلزمه شيئ.

44 - واذا اذنت الجماعة باحضار اناس العرش


الأحد، 16 مارس 2025

أطول تعديل حكومي في تاريخ الجزائر المستقلة ... برءة عبد الله

أطول تعديل حكومي في تاريخ الجزائر المستقلة
الجزء السادس

نقاط على الحروف
 مع
 مصطفى لشرف وعبد العزيز بوتفليقة

حين كنت رئيسا لمجلس الثورة كنت أقرر والجميع ينفذ، واليوم وبعد أن أصبحت رئيسا للجمهورية، صار الكل يناقش ويتفلسف 
الرئيس هواري بومدين لعبد العزيز بوتفليقة 1977.

في نهاية شهر مارس 1977، وصل مصطفى لشرف قادما من العاصمة المكسيكية، ليستقبله الرئيس بومدين، في اليوم الموالي لتاريخ قدومه، وبحضور كل من الدكتور محمد أمير بن عيسى، الكاتب العام لرئاسة مجلس الوزراء، وعبد المجيد علاهم، مدير التشريفات برئاسة مجلس الوزراء، عرض الرئيس بومدين حقيبة التعليم على ضيفه، مؤكدا له على جملة من المعطيات منها: أنه بعد صدور الميثاق الوطني، أصبحت عملية تغيير رأس وزارة التعليم واجبة وضرورية، وبما أنه كان المشرف العام على صياغة الجزء المتعلق بالتربية والتعليم من الميثاق الوطني، أجمعت الكثير من القيادات التي تشاورت معها، أن مصطفى لشرف، أفضل من يمكنه قيادة المرحلة القادمة من عملية إعادة ترتيب قطاع التعليم، وفقا للرؤيا الأيديولوجية التي جاء بها ميثاق 1976، لذلك وقع الاختيار عليه لتولي حقيبة التعليم، التي كان يعتبرها الرئيس بومدين، بمثابة المشتلة التي تضخ لكل القطاعات بالقوة البشرية المتعلمة، التي ستشارك في بناء الجزائر التي نص عليها بيان 19 جوان 1965، جزائر قوية بمؤسساتها، وباقية حتى و لو زال حكامها، ففي مصر كان هناك ثورة وعروبة واشتراكية، لكن بعد وفاة عبد الناصر انهارت الثورة ومعها العروبة والاشتراكية، وفي أندونيسيا كانت هناك ثورة واشتراكية، لكن عندما سقط أحمد سوكارنو سقطت معه الثورة والاشتراكية، والأمثلة كثيرة جدا، فالهدف هو بقاء الثورة وبقاء الاشتراكية، حتى ولو رحل بومدين وكل من يشاطر بومدين أفكاره وقناعاته، فمهمة مصطفى لشرف، ستكون إكمال ما بدأه الرئيس بومدين عام 1968، حين شكل اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم، (1) بحيث يجب أن يصلح ما يجب إصلاحه، ويبقي ما يجب المحافظة عليه، على أن يصلوا في الأخير لمنظومة تعليم، مطابقة تماما لما جاء في نص وروح الميثاق الوطني لعام 1976.
فقضية تعريب النظام التعليمي، هي قضية لا رجعة فيها، لكن يجب أن تسير وفق برنامج محدد بدقة، بحيث لا يكون التعريب ارتجاليا، إنما يكون وفق مخطط مدروس بدقة، تراعى فيها كيفية الانتقال التدريجي من تعليم المواد التقنية باللغة الفرنسية، لتُعلم نفس تلك المواد باللغة العربية.
لم يخف مصطفى لشرف عن الرئيس بومدين، امتعاضه الشديد من سياسة التعريب التي مارستها إدارة الوزير عبد الكريم بن محمود، فحسب رأيه (أي لشرف) اللغة العربية غير مؤهلة تماما للقيام بالدور المنوط بها، فهي تفتقد للمصطلحات العلمية والتقنية التي تحتاجها أي لغة لتواكب العصر، وعليه يجب بداية الاهتمام بهذه اللغة وتطويرها وعصرنتها، ثم ننتقل لمرحلة جديدة من خلال إدخالها تدريجيا في المناهج التعليمية.
كما أعرب لشرف عن استيائه الشديد من وجود وزارة للتعليم وأخرى للتعليم الأصلي، بينما العرف المعمول به عالميا أن تكون هناك وزارة للتربية وأخرى للتعليم العالي.
ردا على لشرف، أوضح الرئيس بومدين أن أول شيء سيتغير هو تسمية الوزارة التي ستصبح وزارة التربية، وعليه ستستعيد وزارة التعليم سيادتها على التعليم الأصلي الذي سيدمج في التعليم العام، وبهذه الطريقة سيتم القضاء على ازدواجية التعليم، كما تقرر إلغاء جميع المدارس الخاصة، التي لم تكن سوى مدارس طفيلية، تعيش على هفوات التعليم الحكومي، مستنزفة في نفس الوقت، إمكانيات الأولياء الذين، كانوا يحاولون رفع مستوى أبنائهم، بتوجيههم نحو مدارس خاصة، فقرار تأميم المدارس الخاصة، سيقضي نهائيا على هذه الطفيليات، فلا يمكن لأي جهة كانت فتح مدرسة خاصة، باستثناء:
1- مدارس الشريعة الاباضية في غرداية.
2- مدارس الآباء البيض الكاثوليكية. 
لم تعجب مصطفى لشرف فكرة ضمّ التعليم الأصلي لوزارة التربية، فحسب رأيه قضية التعليم الأصلي جاءت في خضم النقاش الذي فتح عام 1968، ضمن اللجنة الوطنية لإصلاح التعليم، التي طرحت سؤالا وجيها مفاده: أن المعمول به في الجزائر، هو نقل 40 % من تلاميذ الطور الابتدائي نحو الطور المتوسط، و60 % من التلاميذ الراسبين إما يعيدون السنة، أو يوجهون نحو السنة 7 من التعليم الابتدائي في انتظار إتمامهم لسن 14 سنة، ثم يُسَرحون ليجدوا أنفسهم في الشوارع، بينما كان المطلوب من لجنة إصلاح التعليم أن تجد حلا لهذه القضية المعروفة بقضية التسرب المدرسي. 
في خضم ذلك النقاش الحاد، انقسمت الآراء إلى فريقين: الفريق الأول دافع عن ضرورة رفع نسبة الانتقال للطور المتوسط من 40 % إلى 60 %، لتخفيض نسبة التسرب المدرسي، وإعطاء فرصة ثانية للتلاميذ لاستدراك أنفسهم في الطور المتوسط. بينما دافع فريق ثان عن ضرورة الإبقاء على نسبة الانتقال من الطور الابتدائي للطور المتوسط تماما كما هي، لأن ذلك سيحفظ للمدرس الجزائرية مستواها التعليمي، ويُمَكنها من منافسة أكبر المدارس العربية وحتى الغربية.
وسط ذلك النقاش، والتضارب في وجهات النظر، قدم مولود بلقاسم نايت بلقاسم، الذي كان حينها مستشارا برئاسة مجلس الوزراء، فكرة أرضت جميع الأطراف تقريبا، بل يمكننا القول إنها حصلت على إجماع كامل، فحسب الدكتور مولود بلقاسم، إن أوروبا العلمانية لا تخفي ارتباطها الكبير بديانتها المسيحية، ففي بلجيكا يوجد جامعة لوفون لانوف الكاثوليكية (2)، وفي مصر لديهم جامعة الأزهر الشريف، وفي المغرب عندهم جامعة القرويين، وفي تونس عندهم جامعة الزيتونة، فلم لا تكون للجزائر جامعتها الإسلامية، التي تخرج أئمتها وخطبائها وعلماءها، ومنه اقترح أن تبقى نسبة الانتقال من الطور الابتدائي إلى المتوسط كما هي بدون أي تغيير، وبالمقابل يتم فتح تعليم أصلي في علوم الدين والشريعة، يوجه إليه التلاميذ الذين لم يتحصلوا على نتيجة تمكنهم من الانتقال للطور المتوسط، فيتم تكوينهم ليكونوا أئمة مساجد وخطباء جمعة، وإطارات للشؤون الدينية، على أن يكون لهم نفس البرامج التي تدرس على مستوى المتوسطات، مع إضافة مواد جديدة تتناسب مع تعليمهم الديني، وفي نهاية المطاف، تستوعبهم وزارة الشؤون الدينية، وتوظفهم كأئمة وإطارات للشؤون الدينية، فأعجب الجميع بالفكرة بما في ذلك الرئيس بومدين، الذي عين الدكتور مولود بلقاسم وزيرا للشؤون الدينية في 01 جوان 1970، حتى يشرف بنفسه على عملية هيكلة التعليم الأصلي (3).
لقد نجح التعليم الأصلي في الوصول للأهداف التي رسمت له، بل وتجاوزها حين شهدت الجزائر إقبالا كبيرا على هذا التعليم الذي أخذ يتطور ويتوسع حتى اعتبره بعض الناس تهديدا لمنظومة التعليم ككل، خصوصا مع ظهور بوادر الصحوة الإسلامية وانتشارها الواسع في الجزائر، ففتح نقاش على أعلى مستويات السلطة في البلاد، إلى أن طرحت قضية التعليم الأصلي، أثناء مناقشة مشروع الميثاق الوطني عام 1976، فكان الرأي أن يتم إدماج هذا التعليم، وإلحاقه بوزارة التعليم، مخافة انتشار الأصولية في الجزائر.
كانت مهمة مصطفى لشرف الثانية بعد قضية استكمال تعريب النظام التربوي، هي إعادة إدماج سلك التعليم الأصلي، في سلك التعليم العام، التابع لوزارة التربية. وأخيرا الرفع من مستوى التعليم العام، والنجاح في تطبيق ما جاء في نص الميثاق الوطني، حول بناء منظومة تعليمية قوية ومتكاملة، ضمن مفهومها العربي الاشتراكي.
كان واضحا منذ البداية أن الذي يريده بومدين، والذي يفكر فيه مصطفى لشرف شيئان متناقضان، فالأول يريد استكمال ما بدأته مجموعة الوزير عبد الكريم بن محمود، بينما قَـيَّـم لشرف أداء تلك الإدارة في التقرير الذي رفعه للرئيس بومدين قائلا: إن السياسة التي تتبعها وزارة التعليم شيء مرتجل، وقائم على العاطفة، فإما أن نعتمد على ثقافة بائدة، واهنة، وضعيفة، فننقلها للناشئة بواسطة تعليم منظم لكنه عقيم على غرار الثقافة نفسها، وأما ان نعتمد على تربية مدرسية حديثة تتميز بالدقة والعقلانية (4). 
بعد أن رسم الرئيس بومدين ورقة طريق واضحة المعالم، سأل مصطفى لشرف إن كان قد استوعب المطلوب منه؟ فكان رده أن الرئيس سيرى بأم عينيه الطريقة المثالية لتسيير قطاع التعليم.
في نفس اليوم الذي استقبل فيه الرئيس بومدين مصطفى لشرف، عاد إلى أرض الوطن وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة، الذي طلب منه عبد المجيد علاهم أن يأتي مساء نفس اليوم، لمقابلة الرئيس بومدين الذي طلب لقاءه منذ عدة أيام، ولم يعد هناك أي مجال لتأجيل اللقاء أكثر من ذلك، فمسألة تشكيل الحكومة الجديدة قد طالت، وصارت حديث العام والخاص، وهو ما بدأ يزعج الرئيس الذي حدد يوم 10 أبريل تاريخا جديدا للإعلان الرسمي عن تشكيلة الحكومة الجديدة، بعد أن كان قد حدد 17 مارس تاريخا لذلك، إلا أنه لم يستطع ضبط قائمته النهائية، لأسباب كثيرة جدا، منها غياب وزير الخارجية، الذي يعتبر ثاني أكبر مسئول في الدولة بعد الرئيس نفسه.
كان اللقاء بين الرجلين باردا جدا، ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس بومدين في أمس الحاجة لصديقه المقرب ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة إلى جانبه لتشكيل حكومة بدى في الأول أن تشكيلها لن يتطلب أكثر من يوم أو يومين، فإذا بالمسألة تتعقد وتطول لتقارب الشهر، مما فتح المجال للإشاعات والقيل والقال، مما أثر نفسيا على الرئيس بومدين.
بعد تبادل جمل الترحيب والتسليم والمجاملة، دخل الرئيس بومدين في الموضوع مباشرة، ولم يخف عن وزير خارجيته، أنه جد مستاء من بقائه كل تلك المدة خارج الوطن، في وقت هو في أمسّ الحاجة إليه إلى جانبه، فكان رد بوتفليقة أنه لم يكن في نزهة كما يشيع الكثير من الحساد، فالجزائر صارت دولة لها وزنها، ولها التزاماتها الدولية، ومن غير الممكن تسيير الخارجية، من داخل مكتب الوزير فقط، تجاوز الرئيس هذه النقطة، وانتقل لصلب الموضوع فعرض على وزير خارجيته أن يختار بين اثنين:
1- أن يعينه نائبا لرئيس الجمهورية، مقابل ترك حقيبة الخارجية.
2- أن يحتفظ بالخارجية مقابل تعيين كاتب دولة مكلف بالشؤون العربية والافريقية لتخفيف الضغط عليه.
فكان رد عبد العزيز بوتفليقة، بأنه يقبل منصب نائب الرئيس إذا سمح له الرئيس ان يحتفظ بحقيبة الخارجية، فكان رد بومدين أن ذلك غير ممكن، ولم يسبق في التاريخ أن شغل نائب رئيس جمهورية منصب وزير الخارجية في نفس الوقت، فبقي أمامه الخيار الثاني، الذي رده بوتفليقة قائلا: إنه لم يشتكي لأحد من كثرة مهامه، وأن الحقيقة التي هو متأكد منها، هي أن هناك جهات تسعى لإفساد علاقة الود بينهما، لذلك لن يقبل بمنصب نائب الرئيس، وسيبقى وزيرا للخارجية دون الحاجة لتعيين كاتب دولة "وللرئيس السلطة في تعيين وزير خارجية جديد إذا رأى أنه لم يعد يصلح لهذا المنصب" (5).
غضب بومدين وتأفف كثيرا مما قاله وزير خارجيته، فقال بالعامية: "أللي نتكلم معاه يقولي نبقى في بلاصتي ولا نروح"، وأضاف وهو في حالة غضب: حين كنت رئيسا لمجلس الثورة كنت أقرر والجميع ينفذ، واليوم وبعد أن أصبحت رئيسا للجمهورية، صار الكل يناقش ويتفلسف، فكان رد بوتفليقة الذي أراد تلطيف الجو مع الرئيس: "هاذي هي الديمقراطية سيد الرايس وأنت اللي حبيتها" (6) فتبسم بومدين وبدى كأن هذه الكلمات، قد تمكنت منه وهدأت من روعه.
بعد ان هدأت الأمور بين الرجلين، جلس الرئيس بومدين، وقدم لبوتفليقة، فكرة عامة عما قرر إدخاله من تعديلات على هيكلة الحكومة وتشكيلتها، وبعد أن عرض عليه أسماء الوزراء الذين أجمع أمره بشأنهم، بقي أمامه مجموعة لم يفصل فيها بعد، هي وزارة الثقافة والاعلام، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة المالية، ووزارة العدل، وزارة السكن والبناء، ووزارة السياحة، ووزارة الصحة العمومية، ووزارة الشبيبة والرياضة (7).
أبدى الرئيس بومدين لوزير خارجيته، أنه يفكر بجدية في مكافأة المجموعة التي تولت صياغة مشروع الميثاق الوطني، بتعيينهم وزراء ضمن الحكومة الجديدة، وكلهم سفراء للجزائر في الخارج، ويتعلق الأمر بكل من:
1- مصطفى لشرف الذي عين وزيرا للتربية الوطنية فأمره مفصولا فيه.
2- رضا مالك الذي كان سفيرا في الاتحاد السوفييتي.
3- عبد اللطيف رحال الذي كان سفيرا في الأمم المتحدة.
4- جمال حوحو الذي كان سفيرا في القاهرة.
فاتفق الرجلان على إسناد حقيبة الاعلام والثقافة لرضا مالك، والتعليم العالي والبحث العلمي لعبد اللطيف رحال، والشبيبة والرياضة لجمال حوحو، كما فاتح الرئيس بومدين وزير خارجيته في مسألة تعيين الامين العام لوزارة التعليم الابتدائي والثانوي عبد الحميد مهري سفيرا للجزائر في القاهرة، لأنه متأكد أن مهري لن يتفق مع لشرف، ولشرف لن يحتفظ بمهري (8).
انفض الاجتماع بين الرجلين في ساعة متأخرة من آخر يوم من شهر مارس عام 1977، ولم يبق أمام الرئيس بومدين إلا أن يجد مخرجا من المأزق الذي وضعه فيه بوتفليقة، فمن جهة اتفق الاثنان على تعيين رضا مالك وزيرا للإعلام والثقافة، كما رفض بوتفليقة أن يعين الرئيس كاتب دولة مكلف بالشؤون العربية والإفريقية، مما أغلق كل منفذ للدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الذي كان الرئيس ينوي تكليفه بحقيبة الخارجية، إذا تنازل عنها بوتفليقة، مقابل تعيينه نائبا له، أو تعيينه كاتب دولة للشؤون العربية والإفريقية، إذا فضل بوتفليقة الاحتفاظ بمنصبه، كما لا يستطيع إبقاءه في منصب وزير الإعلام التي سيُسنده لرضا مالك، فأصبح الرئيس بومدين في وضع لا يحسد عليه (9).
يتبع 

الهوامش:
1- في 01 جوان 1967، نصب الدكتور احمد طالب الإبراهيمي بصفته وزيرا للتربية والتعليم، لجنة وطنية لإصلاح العليم العالي، ثم تبعها بتاريخ 15 مارس 1968 بتنصيب لجنة وطنية ثانية مكلفة بإصلاح التعليم الابتدائي والثانوي، عرفت هذه اللجان باسم: لجنة اصلاح التعليم.
2- جامعة لوفان الكاثوليكية (بالهولندية) Katholieke Universiteit Leuven، تُعرف أيضًا بالاختصار KU Leuven ، هي جامعة مقرها مدينة لوفان بإقليم الفلاندرز البلجيكي، تعد أقدم جامعة كاثوليكية ما زالت قائمة.
3- شكل الرئيس بومدين حكومته الثالثة في 21 جويلية 1970، واستمرت في ممارسة عملها حتى 27 أبريل 1977، تاريخ تشكيل الحكومة الرابعة للرئيس هواري بومدين التي نحن بصدد الحديث عن خلفيات وتفاصيل تشكيها، دخل الدكتور مولود بلقاسم نايت بلقاسم عضوا في الحكومة بتاريخ 01 جوان 1970، خلفا للعربي سعدوني.
4- راجع تصريحات مصطفى لشرف الصادرة في مجلة عالم التربية الفرنسية عدد 34 لعام 1977.
5- راجع الصدفة و التاريخ (صفحة 261).
6- نفس المصدر السابق.
7- سنتطرق لخلفيات تعيين باقي الوزراء في الحلقات القادمة.
8- معلومة مستقات من مصدر خاص، وتأكدت من صحتها من خلال ما صرح به الدكتور علي بن محمد في حصة دائرة الضوء الحلقة 3 تقديم الصحفي والإعلامي الكبير محمد يعقوبي (انتاج قناة الشروق).
9- مصدر خاص (من المقربين للرئيس بومدين، ضمن دائرته الأولى).

المراجع والكتب:
1- كتاب "أنا وهو وهم" للدكتور محيي الدين عميمور.
2- كتاب "الفرص الضائعة" للدكتور محيي الدين عميمور.
3- "التاريخ السياسي للجزائر من 1962 إلى يومنا هذا" للدكتور عمار بوحوش.
4- كتاب "مذكرات جزائري" للدكتور أحمد طالب الإبراهيمي - الجزء الثالث.
5- كتاب "حقائق حول الثورة الجزائرية" لمحمد لبجاوي.
6- كتاب "الجزائر وفرنسا 50 سنة من التاريخ" - الجزء الأول.
7- كتاب "الجزائر فرنسا والولايات المتحدة من الخطب للعمل".
8- كتاب "المسبح جهاز المخابرات الفرنسية من 1944 الى 1988".
9- كتاب "السياسة الخارجية الجزائرية من 1962 إلى 1978". 
10- كتاب معركة المصير والهوية في المنظومة التعليمية: الصراع بين الأصالة والانسلاخ في المدرسة الجزائرية للدكتور علي بن محمد إصدار دار الأمة للنشر والتوزيع.

التقارير والوثائق:
1- مراسلات دبلوماسية فرنسية 1962 إلى 1979. (مرفوع عنها طابع السرية).
2- مراسلات دبلوماسية أمريكية 1962 إلى 1977. (مرفوع عنها طابع السرية).
3- مراسلات دبلوماسية سوفيتية 1962 إلى 1977. (مرفوع عنها طابع السرية).

الجمعة، 14 مارس 2025

غزو أم فتح ؟؟؟؟ الاستاذ منير خلوفي

غزو أم فتح ؟!!

من أعظم مداخل الغلط وسوء الفهم = عدم التمييز بين الحقائق اللغوية، والحقائق الشرعية، والحقائق العُرفية الاصطلاحية التي استحدثها المتأخرون.
ومن هذا الباب = تحَرُّجُ بعضِ المفكرين الإسلاميين المعاصرين من استعمال كلمة "غزو" في التعبير عن الحرب الإسلامية، وذلك لظنِّهم أنها تعطي مدلولا سيئا كالنهب والظلم والسفك غير المشروع للدماء، ويقولون: هي فتوحاتٌ لا غزوات.

والحقّ أن هذا التفريق لا أصل له لا في اللغة ولا في الشرع، وإنما هو تفريق اصطلاحي مستحدَثٌ ودخيلٌ على المعجم العربي وعلى الحقائق الشرعية.

أما اللغة = فالغزوُ هو طلبُ العدوّ والقصدُ إليه، قال ابن منظور: (غزا الشيءَ غزوا: أراده وطلبَه).
والفتح هو النصر والحكم والقضاء، ومنه قوله تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) أي احكم بيننا وبينهم، وقال تعالى: (فعسى الله أن يأتي بالفتح) أي بالنصر والتمكين، ولهذا قالوا: فتح مكة، وعام الفتح، وذلك لظهور الإسلام على أعدائه من مشركي قريش.

وأما الشرع = فكلمة الغزو قد جاءت في كلام الله ورسوله، قال الله تعالى: (أو كانوا غُزًّى) قال الطبري في تفسيره: "أو كان خروجهم من بلادهم غُزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قُتِلوا في غزوهم".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن مات ولم يَغْزُ، ولم يُحَدِّثْ نفسَه بالغزو مات على شعبةٍ من النِّفاق).
وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرِيَّةً يقول: (اغزُوا بِسمِ اللهِ وفي سبيلِ اللهِ فقاتِلوا مَن كفَر باللهِ، ولا تغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً).

وما زال العلماء يسمُّون حروب النبي صلى الله عليه وسلم غزواتٍ ومغازيَ، وسمُّوا علم السِّيَر بعلم المغازي، فقالوا: "مغازي ابن إسحاق" و"مغازي الواقدي"، وما كانوا يتحرّجون من هذا البتة، كما يتحرج هؤلاء المعاصرون.

فقد تبيَّنَ لك من هذا كلّه : أن تسمية الحرب المشروعة "فتحا" وتسمية الحرب غير المشروعة "غزوا" = هو مجرد تفريق اصطلاحي جاؤوا به من كيسهم، ولا تشهد له اللغة العربية، ولا نصوص الكتاب والسنة، ولا كلامُ أهل العلم.

على أن هنا ملحظا آخر لا ينتبهون له، وهو أنّ كلَّ أمةٍ تدّعي أن حربَها مشروعةٌ وعادلةٌ، وحربَ غيرها بغيٌ وعدوان، فلو طُولِبَ هؤلاء بالفرق بين حروبهم وحروب غيرهم (أي من حيث الأصل) = لعجزوا عن بيان ضابطٍ معقول يُسَلِّمُ لهم به غيرهم من الأمم.
والتاريخ كلُّه غزوٌ وغاراتٌ وحروبٌ ومنازعةٌ ومغالبةٌ وتدافُعٌ بين الغالب والمغلوب، وحروب أمة الإسلام ليست شذوذا عن هذه القاعدة كما يزعم هؤلاء المتحذلقون.

أطول تعديل حكومي في تاريخ الجزائر المستقلة .. براءة عبد الله

أطول تعديل حكومي في تاريخ الجزائر المستقلة

الجزء الخامس
مصطفى لشرف وزيرا للتربية الوطنية

                   مصطفى لشرف يشبه موسوعة توضع في خزانة الكتب لتُستشار عند الضرورة، ولكنه لا يصلح للوزارة
الدكتور محيي الدين عميمور للرئيس بومدين - مارس 1977.

لا يمكن بأي حال من الأحوال الدخول مباشرة في ملابسات تعيين مصطفى لشرف، وزيرا للتربية الوطنية، دون الحديث بإسهاب عن مسار الرجل مباشرة بعد استقلال الجزائر، ثم العلاقة القوية التي جمعته بالرئيس بومدين، لأنه بدون توضيح هاتين النقطتين، لا يمكن فهم السبب الحقيقي الذي دفع الرئيس بومدين لتعيينه على رأس وزارة التربية الوطنية عام 1977، لكن وحتى لا نظلم الرجل، علينا أن نسجل أنه الوزير الوحيد في حكومة 1977، الذي قدم استقالته للرئيس الشاذلي بن جديد عند انتخابه رئيسا للجمهورية في فبراير عام 1979، وأصر على ترك العمل الحكومي، رغم إلحاح الرئيس الشاذلي عليه في الاحتفاظ بمنصبه، فالكتابة يجب أن تكون محايدة، وخالية من أي انحياز لأي من أطراف الصراع في ملفنا هذا.

مصطفى لشرف من 1961 إلى 1966:

عام 1961، أفرجت السلطات الفرنسية عن مصطفى لشرف لأسباب صحية، ووضعته تحت الإقامة الجبرية في فرنسا، إلا إنه تمكن من الإفلات والهروب نحو سويسرا ومنها التحق بتونس (1)، وبمجرد التوقيع على اتفاقيات إيفيان عام 1962، التحق لشرف بتونس، أين انضم لمجموعة عمل شكلتها الحكومة المؤقتة قصد إطلاق جريدة "المجاهد" داخل الأراضي الجزائرية، وقبل إعلان وقف إطلاق النار بيوم واحد، دخل مصطفى لشرف رفقة رضا مالك، أرض الوطن، ليشرفا على إطلاق الجريدة، داخل الأراضي الجزائرية، ثم جاءه التعيين ليكون أول رئيس تحرير لهذه الجريدة، التي كانت تعتبر لسان حال ثورة التحرير الجزائرية (2).
استمر مصطفى لشرف في عمله كرئيس تحرير لـ "المجاهد"، حتى شهر أبريل 1962، أين اختير عضوا في لجنة صياغة برنامج جبهة التحرير الوطني، رفقة كل من رضا مالك ومحمد الصديق بن يحيى ومحمد حربي وأمحمد يزيد وعبد المالك تمام، البرنامج الذي عُرض وصادق عليه المجلس الوطني للثورة الجزائرية، خلال مؤتمر طرابلس المنعقد بين شهري مايو وجوان عام 1962 (3).
خلال أزمة صائفة 1962، وقف مصطفى لشرف ضد مجموعة تلمسان، ووجه لها انتقادات لاذعة، مما تسبب في حدوث شرخ كبير بينه وبين أحمد بن بلة، وازدادت العلاقة سوءا بين بن بلة ولشرف، حين وقع هذا الأخير في 03 سبتمبر 1962، رفقة كل من رضا مالك، بلعيد عبد السلام، مسعود آيت شعلال، عزيز بن ميلود، عبد المالك بن حبيلس، محمد حربي، وجمال حوحو، على بيان حذروا فيه مجموعة تلمسان من إراقة دماء الجزائريين من أجل الاستلاء على السلطة (4).
نتيجة لمواقفه المعارضة لبن بلة، منع من المشاركة في انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية، فقدم استقالته من رئاسة تحرير جريدة "المجاهد" في سبتمبر عام 1962. 
ابتداء من شهر أكتوبر عام 1963، دخل مصطفى لشرف في حرب كلامية حول قضية التعريب التي أطلقها الرئيس أحمد بن بلة، موجها انتقادات لاذعة لسياسة بن بلة، نشرت على صفحات أسبوعية الثورة الافريقية عامي 1963 و1964 (5)، وانتهى الأمر بتركه لأرض الوطن في سبتمبر عام 1964، ليستقر في العاصمة الفرنسية باريس.
كرد فعل على انتقاداته المتواصلة للنظام، قطع الرئيس بن بلة، على مصطفى لشرف راتبه الشهري، بصفته إطار ساميا في قيادة جبهة التحرير الوطني، الشيء الذي أدخله في أزمة مالية حادة، أجبرته على العمل كمحرر في عدة صحف ومجلات، كما قام بعدة جولات في ألمانيا وسويسرا ودول شمال أوروبا أين أجري ندوات وقدم محاضرات، كما كتب سيناريو لفيلم حملة فوليه شانوان، لكن لأسباب مجهولة لم ير ذلك العمل النور، وبقي السيناريو محفوظا عند مخرج الفيلم (6).
في شهر جوان عام 1965، تعرض مصطفى لشرف لحادث مرور خطير، تسبب في دخوله المستشفى، وبعد تعافيه، عاد للجزائر في جوان عام 1966، أين استقر في شقة من غرفة واحدة وحمام في شارع الدكتور ترولارد (حاليا شارع مختار عبد اللطيف بالجزائر الوسطى)، أين عانى المرض والحرمان وانعدام الدخل (7).
فور وصوله للجزائر، وضع قاصدي مرباح مصطفى لشرف تحت المراقبة، واكتفى بمراقبة تحركاته للتأكد من حسن نواياه، ولما تيقن من أنه لم يقم بأي عمل معادي لحركة 19 جوان 1965، رفع تقريرا للرئيس بومدين، أبلغه فيه بالحالة المعيشية الضنكى التي يعيشها مصطفى لشرف، وطلب التكفل به، إلا أن الرئيس بومدين أرسل في طلب لشرف واستقبله بنفسه، وأبلغه أنه لم يكن على علم بوجوده في الجزائر إلا من خلال تقرير رفعته إليه مصالح الأمن، ولامه على عدم الاتصال به فور عودته من فرنسا، خصوصا وأن الكثير من معارضي الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، عادوا لأرض الوطن مباشرة بعد حركة 19 جوان 1965، وكلهم تقريبا تمت تسوية وضعيتهم، وعلى رأسهم رابح بيطاط الذي عُين وزيرا للنقل (8).

دور الرئيس بومدين في إعادة الاعتبار لمصطفى لشرف:

بدأت العلاقة بين الرئيس بومدين ومصطفى لشرف في شهر سبتمبر عام 1966، حين استقبله في مقر رئاسة مجلس الوزراء، ولامه على عدم الاتصال به فور عودته، ثم أعقب ذلك اللقاء جملة من التدابير اتخذها الرئيس بومدين، منها أنه صب له كل مستحقاته المالية التي حرم منها منذ جوان 1964، وتكفل به صحيا حتى يتعافى من مضاعفات الحادث المروري الذي تعرض له في فرنسا عام 1964 (9)، ثم في بداية شهر أكتوبر من عام 1966، استقبله الرئيس بومدين للمرة الثانية، ليعرض عليه تولي منصب سفير للجزائر في الأرجنتين، فكان ذلك أول منصب رسمي يتولاه بعد استقالته من رئاسة تحرير جريدة "المجاهد" في سبتمبر 1962 (10).
بعد فترة وجيزة من استلامه مهامه كسفير للجزائر في بوينس أيرس عاصمة الأرجنتين، التقى مصطفى لشرف بشابة أرجنتينية من أصول لبنانية هي: زوريدا سهيلا مادا، الذي وقع في حبها من أول لقاء، فراسل الرئيس بومدين (سرا) طالبا منه الإذن في الزواج بها، ونظرا للاحترام الكبير الذي كان يكنه الرئيس لمصطفى لشرف، أمر قاصدي مرباح بفتح تحقيق سريع للتأكد من حسن سيرة الآنسة التي ينوي لشرف الزواج منها، وشدد على الإسراع في الإجراءات، وما هي إلا فترة وجيزة حتى أعطى الرئيس بومدين لمصطفى لشرف الضوء الأخضر للزواج، الذي عقد قرانه بالسيدة زوريدا سهيلا مادا، خلال شهر سبتمبر من عام 1967، ومن ذلك الزواج رزق لشرف بثلاث بنات هن (11) :
1- جازية (ولدت في أوت 1968 في الأرجنتين).
2- نايلة (ولدت في مارس عام 1970 في الأرجنتين).
3- إيدا لمياء (ولدت في سبتمبر عام 1973 في الجزائر) 
نتيجة للمعاملة الخاصة التي تعامل بها الرئيس بومدين مع مصطفى لشرف، واحترامه الكبير له، تشكلت نوع من الصداقة المبنية على الاحترام والوفاء المتبادل بين الرجلين، خصوصا وأن لشرف كان له نشاط ثقافي وفكري قوي جدا خلال تواجده على رأس سفارة الجزائر في الأرجنتين، فزيادة على عمله كسفير، كان لشرف يكتب في الصحف والمجلات (في الأرجنتين وفرنسا والجزائر)، كما كان يشارك في الندوات والمؤتمرات الثقافية والاجتماعية والعلمية، على مستوى الكثير من دول أمريكا اللاتينية، مما أعطى الدبلوماسية الجزائرية صورة محترمة جدا، بالمقارنة مع باقي البعثات الدبلوماسية لدول العالم الثالث والدول العربية التي كانت مهامها منحصرة في العمل الدبلوماسي والقنصلي، مما زاد من احترام الرئيس بومدين له (12).
في بداية شهر أكتوبر 1970، استدعى الرئيس بومدين سفيره في الأرجنتين، ليبلغه أنه اختاره للعمل إلى جانبه كمستشار مكلف بالشؤون التربوية والثقافية، واستمر في هذا المنصب بالقرب من الرئيس لمدة 4 سنوات كاملة، وزيادة على منصبه كمستشار رئاسي، عينه الرئيس بومدين عام 1971، مديرا عاما للمركز الوطني للدراسات التاريخية، ليجمع بين المنصبين لغاية شهر أكتوبر عام 1974 (13)، أين عينه الرئيس أول سفير للجزائر في المكسيك، مع تكليفه ببناء سفارة الجزائر في مكسيكو، ووضع الهيكل الإداري والدبلوماسي للسفارة، وقد نجح لشرف في تحقيق المطلوب منه بجدارة عالية، زادت من ثقة الرئيس فيه (14).
بعد سنة من توليه منصب سفير في الميكسيك، عينه الرئيس بومدين عضوا في لجنة صياغة الميثاق الوطني التي جمعت بالإضافة له كلا من: رضا مالك، محمد الصديق بن يحيى، بلعيد عبد السلام، وجمال حوحو (15).
نتيجة لكونه عضوا في هذه اللجنة، صار لشرف مضطرا للانتقال بصفة مستمرة بين الجزائر ومكسيكو، للمشاركة في صياغة الميثاق الوطني، مما أعطى الرئيس بومدين فرصة إضافية للاحتكاك به، واستطلاع رأيه في كثير من القضايا التي كانت تشغل باله، من بينها ما يخص الميثاق الوطني ودستور 1976، كما طلب منه أن يُعِدَ له مسودة دراسة نقدية للإصلاح التربوي الذي بدأ عام 1970، فقدم له لشرف دراسة نقدية لمسار الإصلاح التربوي الذي قاده عبد الحميد مهري الأمين العام لوزارة التعليم الابتدائي والثانوي، فجمع الرئيس بومدين أمره وفاتح عبد المجيد علاهم، في مسألة إسناد وزارة التربية الوطنية لمصطفى لشرف (16).
عبد المجيد علاهم المعروف بذكائه الحاد، تهرب من الرد، وأشار إلى أن أحسن من يمكن أن يعطي رأيه في لشرف هو عميمور، لأنه مثقف مثله، واحتك الرجلان ببعضهما، خلال فترة عمل لشرف كمستشار رئاسي لمدة 03 سنوات، بعد تعيين مصطفى لشرف وزيرا للتربية الوطنية، استدعى الرئيس بومدين عميمور، ليسأله بداية عن بعض القضايا ذات العلاقة بإطار عمله (17) (18)، ثم فاتحه في مسألة تعيين مصطفى لشرف ضمن الطاقم الحكومي، فكان رد الدكتور محيي الدين عميمور: مصطفى لشرف يشبه موسوعة توضع في خزانة الكتب لتُستشار عند الضرورة، ولكنه لا يصلح للوزارة (19)، فبدا الغضب على وجه الرئيس، وانتهى الأمر عند هذا الحد. عندما خرج الدكتور عميمور من مكتب الرئيس، قال بومدين لعلاهم: إذا كان هذا رأي عميمور في لشرف، فكيف هو رأي مجموعة مهري (20)، وجماعة مساعدية (21)؟؟؟
استشار الرئيس بومدين كلا من العقيد محمد الصالح يحياوي، ثم العقيد الشاذلي بن جديد في مسألة تعيين لشرف وزيرا ضمن الحكومة الجديدة، فكان رد يحياوي أنها ستكون كارثة، لأن لشرف معروف بميوله الفرانكفوني، وذلك مخالف تماما لخط سير مجلس الثورة والحكومة التي بدأت تطبيق سياسة تعريب، بلغت مراحل متقدمة جدا، أما العقيد الشاذلي بن جديد، فقد فاجأه الرئيس بومدين، لأنه من عادة قائد الناحية العسكرية الثانية، أن لا يبدي رأيا، ويترك القرار للرئيس، لكن هذه المرة ذَكَّرَ العقيد الشاذلي الرئيس بومدين، بالزوبعة التي أثارها الاستجواب الذي أجرته أسبوعية "الثورة الافريقية" مع مصطفى لشرف عام 1963 (22)، ونصح بمراقبته حتى لا يكرر نفس الخطأ.
عندما غادر العقيد يحياوي وبن جديد، مكتب الرئيس بومدين، كان هذا الأخير يغلي، لأن جميع من استشارهم كانوا ضد توليته المنصب الوزاري، بينما كان الرئيس بومدين يعول عليه لإضفاء نوع من التوازن بين التيارات المتصارعة، فمصطفى لشرف مزدوج اللغة، كما أنه ابن قاض شرعي (23)، وتربى في بداية حياته تربية دينية على يد والده، قبل أن يلتحق بالمدرسة الكولونية بسيدي عيسى، ولا يمكن الحكم عليه قبل أن يوضع في الميزان (24).
رغم رفض كل من استشارهم لفكرة تعيين لشرف في منصب حكومي، أجمع الرئيس بومدين أمره، وقرر تعيين مصطفى لشرف وزيرا للتربية الوطنية خلفا لبن محمود، ولم يبق له سوى أن يلتقيه ليستشيره في ذلك.
يتبع 

الهوامش:
(1) راجع جريدة لوموند الفرنسية الصادرة بتاريخ 22 مايو 1961.
(2) تولى مصطفى لشرف رئاسة تحرير جريدة المجاهد الناطقة باللغة الفرنسية من مارس إلى سبتمبر 1962.
(3) ترأس أحمد بن بلة لجنة صياغة برنامج عمل جبهة التحرير الوطني، الذي صادق عليه مؤتمر طرابلس.
(4) نسخة من البيان (وثيقة مرفقة رقم 01).
(5) راجع أسبوعية الثورة الإفريقية العدد 43 الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 1963، والعدد 44 الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 1963، والعدد 46 الصادر بتاريخ 14 ديسمبر 1963، والعدد 50 الصادر بتاريخ 11 جانفي 1964.
(6) راجع كتاب مصطفى لشرف المسار الأعمال والمرجع.
(7) نفس المصدر السابق 6 أعلاه.
(8) مصدر خاص.
(9) نفس المصدر السابق.
(10) نفس المصدر السابق.
(11) نفس المصدر السابق.
(12) راجع رزنامة نشاطات سفارة الجزائر في الأرجنتين بين عام 1966 إلى 1970.
(13) راجع الجريدة الرسمية رقم 88 لعام 1970، والجريدة الرسمية رقم 87 لعام 1970، والجريدة الرسمية رقم 65 لعام 1971. 
(14) راجع الجريدة الرسمية رقم 84 لعام 1974.
(15) تكفل لشرف بصياغة الجوانب المتعلقة بالثقافة والتربية والتعليم من مسودة الميثاق الوطني.
(16) مصدر خاص.
(17) كانت تلك طريقة بومدين في التعامل مع مقربيه، وأعضاء ديوانه من مستشارين وكبار موظفي الرئاسة، يكلمهم بداية في أمور عامة، ثم يطرح القضية أو الأمر الأساسي الذي استدعى المسئول لمناقشته، وكان الرئيس بومدين يحرص على أن يكون الأمر الأساسي كأنه قضية عَرَضية جاءت في سياق الحديث، بحيث لا يثير انتباه أو شك محاوره.
(18) هناك مصدران: الأول يقول إن بومدين استشار الدكتور عميمور في مسألة تعيين لشرف وزيرا للتربية، قبل تشكيل الحكومة، بينما هناك مصدر ثان أكد لي أن بومدين فعل ذلك بعد تشكيل الحكومة.
(19) راجع كتاب "أنا هو وهم" للدكتور محيي الدين عميمور صفحة 26.
(20) كان الأستاذ عبد الحميد مهري يشغل منصب أمين عام وزارة التعليم الابتدائي والثانوي منذ 02 جوان 1970، واستطاع أن يكون مجموعة عمل قوية جدا من أبرز أعضائها الأستاذ علي بن محمد الذي كان يشغل منصب مستشار تقني مكلف بالتعريب، قام لشرف بتصفية هذه الجماعة عن بكرة أبيها في نوفمبر عام 1977.
(21) بعد استقالة قايد أحمد من منصبه كأمين عام لجهاز الحزب عام 1974، كلف الرئيس بومدين، مسئول الاعلام والتوجيه بالأمانة الوطنية للحزب السيد محمد الشريف مساعدية، بإدارة جهاز الحزب بصفة مؤقتة، وكان مساعدية رحمه الله عروبيا معروفا بعدائه للتيار الفرانكفوني، وكان مساعدية أول من عارض صراحة الإجراءات التي اتخذها لشرف بعد توليه حقيبة التربية الوطنية. 
(22) راجع أسبوعية الثورة الإفريقية العدد 43 الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 1963، والعدد 44 الصادر بتاريخ 30 نوفمبر 1963، والعدد 46 الصادر بتاريخ 14 ديسمبر 1963، والعدد 50 الصادر بتاريخ 11 جانفي 1964.
(23) ينحدر مصطفى لشرف من عرش ولاد بوزيان من الحضنة، درس أبوه علوم الشريعة في المدرسة الثعالبية بالعاصمة، ثم عين قاضيا شرعيا في محكمة سيدي عيسى، أما أمه فهي عاصمية من أسرة غنية جدا من أصول أندلسية، له من الإخوة 5 (ثلاث بنات وذكران).
(24) مصدر خاص.

المراجع:
1- كتاب "أنا وهو وهم" للدكتور محيي الدين عميمور.
2- كتاب "الفرص الضائعة" للدكتور محيي الدين عميمور.
3- "التاريخ السياسي للجزائر من 1962 إلى يومنا هذا" للدكتور عمار بوحوش.
4- كتاب "مذكرات جزائري" للدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الجزء الثالث.
5- كتاب "حقائق حول الثورة الجزائرية" لمحمد لبجاوي.
6- كتاب "الجزائر وفرنسا 50 سنة من التاريخ" الجزء الأول.
7- كتاب "الجزائر فرنسا والولايات المتحدة من الخطب للعمل".
8- كتاب "المسبح جهاز المخابرات الفرنسية من 1944 الى "1988.
9- كتاب "السياسة الخارجية الجزائرية من 1962 إلى 1978". 

التقارير والوثائق:
1- مراسلات دبلوماسية فرنسية 1962 إلى 1979. (مرفوع عنها طابع السرية).
2- مراسلات دبلوماسية أمريكية 1962 إلى 1977. (مرفوع عنها طابع السرية).
3- مراسلات دبلوماسية سوفيتية 1962 إلى 1977. (مرفوع عنها طابع السرية).
4- تقارير لوكالة الاستخبارات الأمريكية. (مرفوع عنها طابع السرية).
5- تقارير للمخابرات الخارجية الفرنسية. (مرفوع عنها طابع السرية).

السبت، 8 مارس 2025

أطول تعديل حكومي في تاريخ الجزائر المستقلة .. براءة عبد الله

أطول تعديل حكومي في تاريخ الجزائر المستقلة

الجزء الرابع
تفكك جماعة وجدة، وانهيار منظومة الحكم

                                                                                                                  لقد انتهيت عام 1974
الرئيس هواري بومدين لبعيد عبد السلام.

لم يعد لبومدين أدنى شك أن الحكومة الجديدة، لن ترى النور في الموعد الذي حدده لها، لاعتبارات كثيرة منها، أن وزير الخارجية موجود خارج الوطن، ووزير الصناعة والطاقة بلعيد عبد السلام، قدم استقالته للرئيس بومدين في بداية شهر مارس، ليغادر البلاد في عطلة كان من المقرر أن تدوم عدة أسابيع، إلا أن الرئيس بومدين تمكن من إقناعه بضرورة البقاء إلى جانبه في الحكومة الجديدة، و تقول بعض المصادر أن الرئيس بومدين قال لبلعيد عبد السلام: إذا ذهبت أنت فسأذهب أنا، فما كان من عبيد السلام بلعيد إلا أن سحب استقالته، بعد ان اتفق مع الرئيس بومدين على التقسيم الجديد، لوزارة الصناعة و الطاقة، و بعد أن قبل بومدين بسرور ترشيحه لاثنان من أكفأ إطارات وزارته، لتولي منصب وزير الصناعة الثقيلة، ووزير الطاقة و الصناعات البتروكيماوية، كما سيأتي اسفله (1).
أما الطيبي العربي فوضع الرئيس بومدين أمام الأمر الواقع، حين خيره (أي خير الرئيس) بين إبقاءه في منصبه، أو إحالته مباشرة على التقاعد، و أمام تسارع الأحداث، وغياب غير مبرر لبعض القيادات، انتشرت الكثير من الإشاعات، التي زادت الوضع تعقيدا، وأظهرت الرئيس بومدين لأول مرة منذ توليه الحكم عام 1965، بمظهر الغير متحكم في منظومة الحكم، وأمام خطر الحرب الذي كانت يحدق بالجزائر، حاول الرئيس جهده أن يبقى منظومة الحكم متماسكة، حتى ولو اضطره ذلك لتقديم بعض التنازلات، إرضاء لبعض الأطراف، في انتظار انعقاد مؤتمر جبهة التحرير الوطني، الذي كان يعول عليه لإجراء عملية جراحية عميقة جدا، يعيد من خلال ترتيب النظام، بحيث يظهر للعدو قبل الصديق، أن عملية التغيير جاءت نتيجة، لقرارات اتخذها مؤتمر الحزب، بطريقة ديمقراطية، وبالتالي سيكون لها شرعية لا غبار عليها، ولا يمكن الطعن في مصداقيتها، عكس لو جرت عملية التغيير من خلال جملة من قرارات الإحالة على التقاعد أو الإعفاء من المهام، التي كانت ستعتبر داخليا و خارجيا هزة أرضية أصابت النظام، و دليل على تفكك منظومة الحكم، بينما كان الرئيس أمام القاصي والداني، يصر على أن نظام الحكم متماسك و موحد، و إن وجدت اختلافات في وجهات النظر، أو حتى خلافات بين الفاعلين في السلطة، فذلك طبيعي جدا، لأنه من غير الممكن، ان يقتسم جميع البشر نفس المنهج، حتى ولو كانت الفكرة التي يسعون لتحقيقها واحدة (2).
 لتجاوز بوادر ازمة بدأت ملامحها ترتسم في الأفق، وحتى لا تتفشى ا للإشاعات أكثر مما وصلت إليه، اتفق الرئيس بومدين مع الطيبي العربي على أن يحتفظ بمنصبه كوزير للفلاحة، و يضيف إليها الثورة الزراعية، أما كتابة الدولة للري، فسيرفعها لوزارة الرس و استصلاح الأراضي و حماية البيئة، تسند إليها مهمة بناء السدود وتشرف على مشروع السد الأخضر، الذي سيسحبه من وزارة الفلاحة، وبالمقابل ينشأ كتابتا دولة لدى وزارة الفلاحة الأولى مكلفة بالإنتاج النباتي، و الثانية مكلفة بالإنتاج الحيواني، على ان يتفقا لاحقا فيمن هو جدير بتولي هذان المنصبان (3). 
استدعى الرئيس بومدين قائد الدرك الوطني العقيد احمد بن شريف، والمدير العام للأمن الوطني أحمد دراية بتاريخ 8 مارس 1977، ليبلغهما أنه قرر الاستعانة بهما لتقوية الحكومة الجديدة، فهما من أخلص الرجال إليه، ووجودهما إلى جانبه كوزراء، سيقويه ويعطي للحكومة نفسا جديدا، خصوصا أن مهمة مجلس الثورة على وشك الانتهاء، وأنه من المقرر حل هذا المجلس، عند افتتاح مؤتمر الحزب، الذي سيكون في نهاية عام 1978 أو 1979، وبالتالي يجب عليه ان يضعهم في مناصب سيادية تليق بهما كأعضاء سابقين في مجلس الثورة، التي سير الجزائر لمدة 12 سنة (4).
بالنسبة للعقيد أحمد بن شريف، اقترح الرئيس بومدين عليه وزارة جديدة هي وزارة الري واستصلاح الأراضي وحماية البيئة، التي يحتاج على رأسها شخصية قوية جدا، يمكنها أن تحل جملة من المشاكل المستعصية، منها قلة المياه، ومعالجة ذلك بإطلاق عملية ضخمة لبناء سدود جديدة، وتسريع مشروع خرس السد الأخضر، الذي سيسحبه من وزارة الفلاحة، ويعطيها لوزارة الري، مع إبقاء دعم مديرية الخدمة الوطنية لهذا المشروع (5).
أما أحمد دراية، فاقترح عليه الرئيس بومدين أن يتولى وزارة النقل، فهي وزارة مهمة جدا، كان على رأسها رابح بيطاط، وهذا في حد ذاته شرفا كبيرا للوزير الجديد، وحتى يطمئن الرجلان، بأن هدفه الاستعانة بهما، وليس التخلص منهما، كما كان يشاع حينها، اقترح عليهما الرئيس أن يعين على رأس قيادة الدرك المقدم مصطفى شلوفي نائب بن شريف، وعلى رأس المديرية العامة للأمن الوطني، الهادي لخضيري نائب دراية، على أن يكون التعيين بالنيابة فقط، بحيث إذا شعر بن شريف أو دراية أن الوزارة لا تليق بأحدهما أو كلاهما، فيمكنه أن يعودا لمنصبهما متى طلبا ذلك (6).
قبل بن شريف ودراية عرض الرئيس، خصوصا انه ترك لهما الباب مفتوحا لترك الوزارة، والعودة لمنصبهما إن أرادا ذلك، ليطوي الرئيس بومدين ملف وزارة الري ووزارة النقل، لتبدأ ملامح الحكومة الجديدة ترتسم، فحتى ذلك التاريخ صارت الحكومة الجديدة تضم:
1- العقيد محمد بن أحمد عبد الغني الذي أبقاه الرئيس في منصبه كوزير للداخلية.
2- الدكتور محمد أمير الذي ترك منصبه ككاتب عام لرئاسة مجلس الوزراء ويصبح وزيرا للعمل والتكوين المهني.
3- العقيد بن شريف وزيرا للري واستصلاح الأراضي وحماية البيئة.
4- أحمد دراية وزيرا للنقل.
5- عبد المجيد علاهم أمينا عاما لرئاسة الجمهورية.
في مساء نفس اليوم، استقبل الرئيس بومدين كل من سيد أحمد غزالي، ومحمد الياسين، ليبلغهما أن وزيرهما بلعيد عبد السلام قد زاره في حدود 02 مارس 1977، الذي قدم له استقالته من الحكومة، وطلب الإذن للخروج في عطلة ستدوم عدة أسابيع خارج الوطن، إلا أن الرئيس بومدين رفض الاستقالة، وأصر على أن يبقى بلعيد ضمن الحكومة الجديدة، واقترح عليه تقسيم وزارته لوزارتان هما (7):
1- وزارة الصناعة.
2- وزارة الطاقة.
إلا أن بلعيد عبد السلام، وأما إصرار الرئيس بومدين على بقاءه في الحكومة، اقترح أن تقسم الوزارة لثلاث وزارات هي:
1- وزارة الصناعة الخفيفة.
2- وزارة الصناعة الثقيلة.
3- وزارة الطاقة والصناعات البتروكيماوية.
وأن يتولى الوزارات الثلاثة رجالا عملوا في الميدان، ويستطيعون تسيير هذه الوزارات بكفاءة عالية، بحيث يتم الحفاظ على نفس المنهاج الذي سارت عليه الجزائر، في بناء اقتصادها، واستعادة سيادتها على ثرواتها الباطنية، فاقترح (8):
1- يتولى هو وزارة الصناعات الخفيفة. (قال بلعيد عبد السلام أنه باختياره لهذه الوزارة، يرد على من يتهموه بأنه يرفض تولي منصب وزاري صغير، بينما كان على رأس إمبراطورية).
2- محمد الياسين وزيرا للصناعة الثقيلة.
3- سيد احمد غزالي وزيرا للطاقة والصناعات البتروكيماوية.
قبل الرجلان العرض وتوسعت التشكيلة الجديدة بثلاث وزراء من الكفاءات المشهود لهم بالقدرة العالية على التسيير، والدفاع عن مصالح الوطن (9).
في اليوم الموالي استقبل الرئيس بومدين الوزراء الذي قرر أن يبقيهم ضمن تشكيلته الحكومية الجديدة، فردا فردت، فكان أول من استقبله الرئيس، وزير العدل بوعلام بن حمودة، الذي أسند إليه وزارة الأشغال العمومية، ثم جاء دور محمد السعيد معزوزي وزير العمل و الشؤون الاجتماعية، الذي بادر الرئيس بومدين بطلب اعفاءه من العمل الحكومي الذي أرهقه، إلا أن الرئيس رفض بشدة وأبلغ معزوزي أنه سيتولى حقيبة المجاهدين، التي تعيش حالة من الفوضى لا مثيل لها، و أنه يعتمد عليه، في إعادة تنظيم هذه الوزارة تماما كما فعل في وزارة العمل و الشؤون الاجتماعية، وأمام إصرار محمد السعيد معزوزي على ترك العمل الحكومي، أنهى الرئيس بومدين الحديث معه، قائلا: ستتولى وزارة المجاهدين لفترة وجيزة فقط، لأنني انوي تكليفك بمهمة على مستوى جهاز الحزب، الذي سنعيد إحياءه و تنظيمه، مباشرة بعد الإعلان عن الحكومة الجديدة.
ثم استقبل كمال عبد الله خوجة، الذي احتفظ بمنصبه ككاتب دولة للتخطيط، ثم السعيد آيت مسعودان الذي اختاره لتولي وزارة الصحة العمومية، وفي أخر اليوم استقبل الدكتور مولود بلقاسم نايت بلقاسم، ليبلغه أن التعليم الأصلي سيسحب منه، و يلحق بوزارة التربية الوطنية، لكن تقديرا للخدمات الجليلة التي قدمها للجزائر خلال مشواره الطويل، أبلغه أنه سيحظى بمنصب وزير لدى رئاسة الجمهورية، مكلف بالشؤون الدينية، فسكت الدكتور مولود بلقاسم و لم يقل شيئا، لأنه لاحظ أن الرئيس كان متعبا جدا، فلم يشأ أن يرهقه أكثر من ذلك، بقيل وقال لا فائدة مرجوة منها (10) (11).
لم يبقى أمام الرئيس بومدين، إلا أن يجمع أمره، في ثلاث مسائل، لينتهي من تشكيل حكومته الجديدة، فامر الدكتور محمد أمير، وعبد المجيد علاهم، بصياغة مشروع مرسوم إعادة هيكلة الحكومة الذي سيتضمن القائمة الاسمية للوزراء، ومشروع مرسوم يتضمن إحداث أمانة عامة لرئاسة الجمهورية، وأمانة عامة للحكومة (12)، كما أمر باستدعاء سفري الجزائر في المكسيك السيد مصطفى لشرف، للتشاور معه في مسألة تكليفه بوزارة التربية الوطنية.

يتبع
 
الهوامش:

(01) - المصدر هو بلعيد عبد السلام موثق عندي.
(02) – نفس المصدر السابق بلعيد عبد السلام (موثق عندي).
(03) – الغريب في المسألة أن المرسوم رقم 77-73 المؤرخ في 23 أبريل 1977 المتضمن إعادة تنظيم هياكل الحكومة، جاء في مادة الثالثة ما يلي : (تنشأ كتابتان للدولة احداهما مكلفة بالإنتاج النباتي، و أخرى بالإنتاج الحيواني) لكن لم يعين أي شخص على رأس الكتابتان، وبقيتا شاغرتان حتى وفاة الرئيس بومدين بعد ذلك بسنة وسبعو شهور.
(04) - مصدر خاص وموثق.
(05) - نفس المصدر السابق (خاص وموثق).
(06) - راجع الجريدة الرسمية رقم 37 لعام 1977 المؤرخة في 08 مايو 1977، صفحة 668 و670.
(07) - المصدر هو بلعيد عبد السلام موثق عندي
(08) - المصدر هو بلعيد عبد السلام موثق عندي
(09) - المصدر هو بلعيد عبد السلام موثق عندي
(10) - مصدر خاص وموثق.
(11) - استقبل الرئيس بومدين وزراءه الذي قرر ابقائهم من تشكيلته الجديدة بحضور الدكتور محمد أمير الذي كان إلى ذلك الحين يزال يمارس صلاحياته ككاتب عام لرئاسة مجلس الوزراء، وعبد المجيد علاهم مدير التشريفات برئاسة مجلس الوزراء، الذي كان بدوره لا يزال في منصبه، ولم يتولى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية.
(12) - راجع الجريدة الرسمية رقم 37 المؤرخة في 08 مايو 1977.

المراجع:
1- كتاب الفرص الضائعة للدكتور محيي الدين عميمور.
2- كتاب أنا وهو وهم للدكتور محيي الدين عميمور.
3- مذكرات محمد السعيد معزوزي.


حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيرا...