الخميس، 16 يوليو 2015

تكرار المعرفة والنكرة في كلام العرب والقران الكريم (( القاعدة العامة والاستثناءات عند المحققين... بقلم محمد حشيشة


من المشهور عند علماء اللغة واهل التحقيق فيها مسالة تكرار المعرفة والنكرة .وفيها قاعدة عامة تقول انه اذا تكررت المعرفة لفظا في الجملة فهي الاولى معنى اي ان معنى المكرر هو نفسه معنى اللفظ الاول .واذا تكررت النكرة لفظا فالثانية غير الاولى .وقد بين عددٌ من أهل العلم هذه القاعدة ومنهم الطحاوي في شرح مشكل الآثار و الحلبي في الدر المصون في علوم الكتاب المكنون فقالوا: العرب إذا أاتت باسمٍ ثم أعادَتْه مع الألفِ واللامِ ِكان هو الأولَ نحو: «جاء رجلٌ فأكرمْتُ الرجلَ»، أما إذا كان الاسمان المكرران نكرة فإن الأول غير الثاني غالبا لأن تكرار النكرة يدل على تعددها فالنكرة الأولى غير النكرة الثانية.ومثلوا الجزء الاول من القاعدة بامثلة قرانية كقوله تعالى (( كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول)) قالوا: ولو أعاده نكرة لكان غيرَ الأول. وقوله تعالى (( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)) فالجنة الثانية هي الأولى. وقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ )) فالدين ثانياً هو عينه الأول .
اما الجزء الثاني من القاعدة فقد مثلوا له من القران الكريم قوله تعالى (( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْر )) فالشهر الثاني غير الشهر الأول، ويكون المجموع شهران.
وأشهر الأمثلة التي ساقوها في هذا الجزء من القاعدة هو قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) من سورة الشرح . فقالوا لَمَّا أعاد العُسْرَ الثاني أعادَه بأل ولَمَّا كان اليُسْرُ الثاني غيرَ الأولِ لم يعد بأل .الا ان هذه القاعدة لم تخلو من تعقيبات هامة من بعض محققي اللغة فبينوا انها ليست على اطلاقها وليس مطردة ومنهم أبو علي الجرجاني في كتابه (نظم القرآن )) وابن هشام في (مغني اللبيب) حيث قال في الباب السادس: (( فِي التحذير من أُمُور اشتهرت بَين المعربين وَالصَّوَاب خلَافهَا، وَهِي كَثِيرَة وَالَّذِي يحضرني الْآن مِنْهَا عشرُون موضعا ثم ذكر هذه القاعدة في الموضع الرابع عشرة فقال (( أوْلهم إِن النكرَة إِذا أعيدت نكرَة كَانَت غير الأولى وَإِذا أُعِيدَت معرفَة أَو أُعِيدَت الْمعرفَة معرفَة أَو نكرَة كَانَ الثَّانِي عين الأول . ثم استشكلها رحمه الله وذكر بعض ما يرد على هذه القاعدة، ومن أبرز ما يعترض الاطراد المطلق في هذه القاعدة ورود مواضع قرآنية لا يمكن تطبيقها عليها وربما من اشهرها قوله تعالى ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَه )) . فلو أعملت القاعدة لكانت النكرة الثانية غير الأولى، ويكون هناك إلهان و الله سبحانه إِلَه وَاحِد، والضمير في أول (وهو) يغني عن التكلف الذي ذكره بعضهم حول توجيه الآية عند الإصرار على إعمال القاعدة المذكورة، فالمبتدأ (وهو) هو المسند إليه، وما بعده خبر عنه فهو المسند بما يحويه من الاسم الموصول وجملة صلته وكلها تعبر عن إله واحد سبحانه أشير إليه بقوله (وهو)، والمعنى ألوهيته سبحانه ثابتة في السماء كما هي ثابتة في الأرض..ومن الامثلة ايضا (( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ )) فمعنى المعرفة (الكتاب) يختلف عن معنى النكرة المماثلة لها لفظاً (كتاباً) فالكتاب أولاً هو التوراة والإنجيل والكتاب ثانياً هو غيرهما.. مع الاشتراك العام في جنس الكتاب لكن المماثلة التامة منتفية.
ولعل من اشهر الامثلة ايضا على تكرار النكرة هي قوله تعالى فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا .اذ فيها اختلاف قوي بين من يطلق القاعدة وبين من يقيدها بالقرائن ويجعلها غير مطلقة . يقول العلامة ابن عاشور في الاية ((
هذا وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : " لن يغلب عسر يسرين " قد ارتبط لفظه ومعناه بهذه الآية . وصرح في بعض رواياته بأنه قرأ هذه الآية حينئذ ، وتضافر المفسرون على انتزاع ذلك منها فوجب التعرض لذلك ، وشاع بين أهل العلم أن ذلك مستفاد من تعريف كلمة العسر وإعادتها معرفة ومن تنكير كلمة يسر وإعادتها منكرة ، وقالوا : إن اللفظ النكرة إذا أعيد نكرة فالثاني غير الأول ، وإذا أعيد اللفظ معرفة فالثاني عين الأول ، كقوله تعالى : ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ) .
وبناء كلامهم على قاعدة إعادة النكرة معرفة خطأ ; لأن تلك القاعدة في إعادة النكرة معرفة لا في إعادة المعرفة معرفة ، وهي خاصة بالتعريف بلام العهد دون لام الجنس ، وهي أيضا في إعادة اللفظ في جملة أخرى ، والذي في الآية ليس بإعادة لفظ في كلام ثان ، بل هي تكرير للجملة الأولى ، فلا ينبغي الالتفات إلى هذا المأخذ ، وقد أبطله من قبل أبو علي الحسين الجرجاني في كتاب النظم كما في [ ص: 416 ] معالم التنزيل . وأبطله صاحب الكشاف أيضا ، وجعل ابن هشام في مغني اللبيب تلك القاعدة خطأ )) .
ولذلك عدل ابن هشام في المغني القاعدة لتكون اكثر دقة يقول رحمه الله (( اذا أعيدت النكرة معرفة فهي عينها، وإذا أعيدت نكرة فهي غيرها )) وأضاف "مَعَ عدم الْقَرِينَة فَأَما إِن وجدت قرينَة فالتعويل عَلَيْهَا"، والقرينة المشار إليها تكون في الجزءين (المعرفة والنكرة) وذلك بسبب وقوع الاحتمال، والقرينة تعين المراد هو السابق أم غيره وما هو وجه المغايرة.))

شرح بسيط للرأسمالية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية والفاشية .... بقلم الدكتور محمد جلو

أنتم ثلاثة جوارين.
أنت، و جار على يمينك، و جار آخر على يسارك.
كل منكم يمتلك بقرة حلوب.

__________________
أنت شديد التدبير، و تُقَتر على حالك، و تحرم نفسك و عائلتك، لتوفير المزيد من الأموال، و تعمل جاهدا للعناية ببقرتك، و إنتاج أكبر كمية حليب منها.
أنت لا تجد عمل العناية بالبقرة ممتعا، و لكنك تتمتع كثيرا عندما تستلم أجور حليبها الذي تبيعه في السوق.
.
جيرانك يكرهون العمل الدؤوب، و هم مثلك، لا يتمتعوا بالعناية ببقراتهم.
و لكن أبقارهم لا تنتج الكثير من الحليب، لأنهم يفضلون حياة الكفاف على العمل الدؤوب.
.
كمية الحليب في المجتمع هنا، ليست عالية..
لأن أغلب الأبقار هي مع أشخاص لا يتعبوا نفسهم في إنتاج أكبر كمية من الحليب.
و يسمي جيرانك أنفسهم قنوعون، و يسموك جشعا طماعا.
و يبقى أغلب المجتمع فقيرا بصورة عامة، لأنه لا ينتج الكثير من الحليب، على الرغم من وجود ثلاث بقرات.
.
.
جيرانك ينفقون كل أموالهم، و يغرقون في الديون.
فيعرضون عليك بقراتهم للبيع، و تشتري البقرات منهم.
.
هنا، سيتخلص جيرانك من بقراتهم، لأنهم متأكدون أنهم لن يستطيعوا إنتاج الكثير من حليب بقراتهم، و يفضلون إنتهاز تلك الفرصة الذهبية، لبيع بقراتهم بالسعر المغري الذي تعرضه أنت عليهم.
فتشتري أنت بقراتهم، لأنك متأكد من أنك ستستطيع إنتاج الكثير من حليب بقراتهم، و تفضل إنتهاز تلك الفرصة الذهبية، لشراء بقراتهم بالسعر المغري الذي يعرضوه هم عليك.
.
ستتفقوا على البيع و الشراء.
فيفرح جيرانك، لأن قيمة المال أعلى من قيمة البقرات بالنسبة لهم، و إلا لما باعوك بقراتهم.
و تفرح أنت، لأن قيمة البقرات أعلى من قيمة المال بالنسبة لك، و إلا لما إشتريت بقراتهم.
و سيشعر جميع الأطراف بأنهم إستفادوا و كسبوا من عملية البيع و الشراء هذه.
.
الآن، ستصبح عندك ثلاث بقرات.
.
يحتفل جيرانك، لأنهم أوفوا ديونهم، و تبقى لهم المزيد من الأموال من ثمن بيع البقرات، لينفقوها على أنفسهم.
و عندما تنفذ أموالهم، سيأتوك ليعملوا عندك كعمال للعناية ببقراتك الثلاث، مقابل أجر متفق عليه.
فيضطروا للعمل الدؤوب، و إنتاج أكبر كمية من الحليب من الأبقار، خشية فقدان مصدر رزقهم الوحيد.
لأنك ستبدلهم بعمال أنشط، إن لم يعملوا بجد.
و يسمي جيرانك أنفسهم كادحون مضطهَدون، و يسموك جشعا طماعا إستغلاليا.
.
كمية الحليب في المجتمع هنا، عالية جدا.
.و هكذا
شرحت لكم أعلاه، النظام الرأسمالي
__________________

الديمقراطية:
هي أن يتفق جيرانك الإثنين عليك، و يجردوك من بقراتك و أملاكك، بإسم المصلحة العامة، و لكي يعاقبوك على جشعك و طمعك، و يعوضوا أنفسهم على إستغلالك و ظلمك لهم.
و كلها، لأن مصلحة إثنين من جيرانك، أهم من مصلحتك (أنت واحد فقط، و طز بك و بحقوقك)
___________________
الإشتراكية:
أن تأتي الدولة الديمقراطية، و تنتزع بقرتين من بقراتك بلا ثمن، و تعيدهم إلى جيرانك "أصحابها"، لتحقيق المساواة.
فتموت بقرة أحد جيرانك بسبب عدم مبالاته، و يشح حليب بقرة جيرانك الثاني بسبب كسله.
و لكن بقرتك تنتج حليبا كثيرا، بفضل جهودك.
فتصوت ديمقراطية أصوات جيرانك ضد صوتك الوحيد، و يطالبوك بتزويدهم من حليب بقرتك لتحقيق المصلحة العامة لأن أحدهم عاطل و الآخر لا ينتج كثيرا من الحليب
فتضطر أنت إلى الإكتفاء ببقرتك، و ترفض التوسع مستقبَلا، لأنك تعرف أن الحكومة ستصادر الأبقار الزائدة.
.
كمية الحليب في المجتمع هنا، قليلة.
___________________
الشيوعية :
أن تصادر الدولة بقراتك الثلاث، و تأمرك أنت و جيرانك للعناية بهم.
ثم تنصب عليكم رفيقا مناضلا يوجهكم و أمركم بالتعاون لرعاية البقرات الثلاث، تحت إشرافه.
و يوزع الرفيق المناضل عليكم بعض الحليب، و يحتفظ هو بأغلبه لنفسه.
و عندما تموت بقرتين، سيستمر الرفيق المناضل على المطالبة بحصته من الحليب كاملة، و لا يتبقى لكم إلى القليل.
.
كمية الحليب في المجتمع هنا، قليلة جدا.
و ثلاثتكم معرضون للإعدام. سبب إبقائكم أحياء، هو حاجة الرفيق المناضل إلى عبيد يعتنون بالبقر، و يقدمون له الحليب.
__________________
الفاشية (و هي حقيقة أغلب دول العالم التي تسمي نفسها رأسمالية):
أن تحتفظ أنت ببقراتك الثلاث، بعد أن إشتريت إثنين من جيرانك.
ثم يأتي الحاكم، و يأخذ منك ما يشاء من الحليب بإسم المصلحة العامة.
و سيشجعك الحاكم على إضطهاد العمال، و يغض النظر عن إستغلالك لهم.
لكي تربح أكثر و يشاركك (إشتراكية) في الربح من الحليب (ضريبة).
و هكذا
ستجد أن النظام الفاشي هو نظام خليط من الرأسمالية و الإشتراكية.
.
و كما قلت
نظام أغلب دول العالم، هو فاشي
.
كمية الحليب في المجتمع هنا، متوسطة

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

السيف و اليقين ... ابراهيم هبة


كل فكرة في حد ذاتها هي ضرب من الخيال أو التجريد أو على الأقل يجب أن تبقى كذلك. لكن الإنسان عندما يقع تحت إغراء فكرة ما، تجده يغذيها بكل مشاعره وأحاسيسه، ويسخِّر لها كل طاقاته البلاغية والشعرية، فيحولها على إثر ذلك من كونها مجرد انطباع إلى نسق ميتافيزيقي متكامل تقام له المعاهد والمعابد، وتحميه مراكز المخابرات والشرطة. والحق أن الإنسان كائن وثني بالطبيعة؛ فهو لا ينفك يؤله أي شيء يخرج من بين يديه؛ وحتى عندما يكون علمانيا فإن هذا الإنسان لا يقطع البتة مع ميوله التأليهية: عشقه للأحلام والأساطير يدفعه دائما إلى إضفاء صفة الإطلاق والألوهية على أي شيء يحظى باهتمامه؛ بل يمكن القول بأن هذا العشق هو المحرك الحقيقي للتاريخ الذي، بدوره هو ألآخر، ليس سوى تعاقبا زمنيا لمختلف أنماط التأهيل والوثنية.
ميل الإنسان إلى عبادة أشيائه وأفكاره هو المسؤول عن كل الجرائم التي وقعت على مر التاريخ: فمن يعبد عجلا أو إلهاً ما يدعو الآخرين إلى عبادته أيضا؛ ومن يرفض الانصياع لدعوته، ما عليه إلى أن يستعد لمواجهة حرب مقدسة قادمة. هكذا هو الشخص المتطرف، إنه يتماهى مع عقيدته إلى الحد الذي لن يترك فيه أي مسافة بينه وبينها؛ بل إنه لا يكاد يرى أي شيء خارجها. بالنسبة له، ينقسم العالم إلى معسكرين: معسكر الإخوة في العقيدة ومعسكر الشيطان. دوغمائيته تطرد عنه كل شك وتجعله لا يتردد في قتل الآخرين أو في قتل نفسه؛ إنه في كلتا الحالتين إما مستبد وإما شهيد ـ إذن فهو خطير.
كل عقيدة هي مقدمة نظرية للرعب والفظاعة. وإجراءات كالحرق أو الرجم أو الإعدام بالمقصلة لم نلجأ إليها لأننا وحشيون أو ظلاميون، بل لأننا وثوقيون. كل من يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة هو بالضرورة شخص اضطهادي وغير متسامح؛ وفي كل مرة يلتقي فيها تصوره بتصور آخر مضاد، يسيل الدم. ولأنه لا يقبل بالطابع النسبي للرؤى والأفكار، فإن ذلك يجعله يرى في التسامح والحوار ضربا من التساهل والتهاون في إحقاق الحق وتأدية الواجب.
المتطرفون هم محركو التاريخ؛ و كل شعب لا يرى في نفسه شعبا مختارا لن يترك أبدا بصماته على أرضية التاريخ. هل يمكن تصور العصور الوسطى بدون حروب دينية أو محاكم تفتيش؟ وكيف كان للقرن العشرين أن يكون ممكنا بدون مجنون كهتلر أو ديكتاتور كستالين؟ لا تتسامح الشعوب فيما بينها إلى بسبب توازن الرعب؛ أمّا الأديان فلا يعترف بعضها بالبعض إلاّ بعدما ينهكها العراك. والحق أن كل ديانة لا تقوم إلاّ على خراب ديانة أخرى؛ المسيحية، مثلا، لم تزدهر إلا على حساب الفلسفة اليونانية والوثنية الرومانية؛ أما البروتستانت وباقي الطوائف الأخرى فلم يجدوا لهم مكانا في العالم الحديث إلا بعد أن شاخت البابوية وأصيبت بالتعب والإنهاك. عندما تتبنى ميتافيزيقيا دينية أو سياسية قيم الحب والسلام تنهار قواها على الفور؛ فبُعدها الإنساني يولِّد الانشقاقات الداخلية، ويسمح بتكاثر المرتدين والهراطقة، كما يعطي فرصة لاندساس الأعداء. مكيافيللي على حق: "ثمة أمان كثير في أن يخشاك الناس من أن يحبوك." إن النظم السياسية والدينية لا تستمر في الوجود إلى بقدر ما تفرز من الرعب والخشية؛ وما دامت تلجأ إلى الإقصاء والاضطهاد واللاتسامح والعقاب، فهذا دليل على أنها مازالت قوية. أما عندما تتبنى هذه النظم فلسفة الحوار وتسعى إلى بناء جسور التفاهم والصداقة مع العدو والمختلف، فإن ذلك إيذان ببداية عصر انحطاطها. إنها نفس القصة القديمة: كل إله لا نُمَثَّلُ أو نُقتل من أجله هو إله ميت أو بالأحرى هو إله يقع على هامش مجرى الأحداث. 
لكل لاهوت مقصلته؛ وكلما كان هذا اللاهوت قويا كلما كان وحشيا. والأنظمة لا تفرض نفسها بالمنطق وقوة الحجة، بل بعدد الضحايا الذين تهشم رؤوسهم أو تحرقهم أو تزج بهم في السجون. إن الشراسة هي ما يعبّد الطريق أمام كل أمة تتقدم في التاريخ. ولكن مراجعة دقيقة لهذا الأخير تؤكد بأن كل أحداثه لا تنبع إلا من تعصب البشر لقناعاتهم ومن التقدير المفرط الذي يولونه لنظمهم الدينية والسياسية؛ عندما أسمع أحدهم يتحدث عن "نهضة الأمة" أو"إحياء الماضي المجيد" أو يستعمل كلمة"نحن" ـ أبتعد عنه قدر ما أستطيع. إنني لا أرى فيه إلا ديكتاتورا مؤجَّلا أو جلادا ينتظر فرصته.
في الواقع، عندما يفقد الإنسان مَلَكَة الشك يقع في شباك أول إله أو شيطان يقابله على الطريق: الشعور بالضجر والرغبة في التشويق، الذي تفرزه أحداث التاريخ، يدفعان المرء إلى التحمس لأي فكرة قد تدغدغ أنانيته، أو قد تنسيه محنة الحياة عبر الإيحاء له بعالم مثالي متواجد في الماضي أو في المستقبل. وكلما اشتدت وطأة الحياة على المرء، كلما ازداد تعصبه للمبدأ الذي يؤمن به. لذلك، لا يجب أبدا أن نبحث عن طريق للحوار مع كل شخص يؤلِّه عقيدته: إنه مأخوذ بجاذبية عوالم أخرى— إذن فهو لا يرى ولا يسمع. 
كل متطرف هو عابد وثن؛ تعصبه لفكرته يحوِّلها إلى إله، ويحوله هو إلى قاتل ضمني؛ وفي الحقيقة، لا توجد في التاريخ ولو مهزلة دامية واحدة لم ترتكب باسم إله ما. وإذا كان هذا الإله يسمى تارة بالحقيقة وتارة أخرى بالتنوير أو العدالة، فإن النتيجة تكون دائما واحدة: خراب ودمار، أشلاء ودماء. شخصيا، أشعر بالأمان أمام عمدة مدينة فاسد أكثر منه بالقرب من شخص يتعصب لمبدأ ما؛ بل إنني أرى بأنه لكي يكتسب المرء مناعة ضد داء التطرف وأمراض الحياة، عليه أن يفتح، بين الحين والآخر، كتب السوفسطائيين؛ فهم على الأقل كانوا صريحين مع أنفسهم ومع الآخرين: لم يكونوا يدرِّسون "الحكمة" إلا من أجل جني المال. و أمّا الحقيقة فلم تكن تعني لهم إلا بناءا من الدهاء والصور البلاغية. و ماذا عن الفضيلة؟ إنها ليست من تخصصهم؛ يجدر بك أن تبحث عنها في كتب أفلاطون أو تلميذه أرسطو.

مآلات الإتفاقية النووية بين إيران والغرب ... بقلم المفكر أبو يعرب المرزوقي

1-أعود مرة أخرى للأتفاق النووي لأني ألاحظ أمرين يهملهما صفا المحللين أعني الخائفين من نتائجه والفرحين به. والخائفون نوعان والفرحين نوعان.
2-وما سأبينه نوع خامس يختلف عنها للاسباب التي سأعرضها وتتعلق بما أهمل: أولا بسلوك الشعب الإيراني مستقبلا لا الملالي وثانيا بثورتي سنة العرب : الربيع والعاصفة.
3-ولأبدأ بالخائفين. فإسرائيل ليست خائفة رغم الكوميديا التي تجيد لعبها فهي هي تبتز أمريكا لتحصل على فوائد أكبر في ما تتوهمه من اقتسام للسلطان على الإقليم.
4-فمن يملك مئات القنابل النووية لا تخيفه قنبلة لم تصنع بعد وحتى إذا صنعت فسيواجهها الغرب كله بدعوى منع تكرار الهولوكوست. إنها لا تخيف من يعرف بحق موازين القوة.
5-لكن تقاسم الدور البوليسي في الإقليم هو موضوع الابتزاز لأن إسرائيل تتفوق على إيران بالقوة العنيفة وإيران تتوفق عليها بالقوة اللطيفة: إذ إيران من نفس الحضارة وإسرائيل غريبة على المنطقة.
6-والغرب يعلم أن التخريب بالقوة اللطيفة وخاصة إذا كانت من نفس الحضارة أكثر فاعلية من التخريب بالقوة العنيفة خاصة إذا كانت من حضارة مختلفة: فتخريب إيران يفعل في الأرواح وتساعد على إفساد النهضة الإسلامية (ولها تجربة سابقة سواء مع المغول أو مع الصليبيين).
7-أما القوة العنيفة وخاصة الأجنبية فهي بالعكس يمكن أن تحفز قوة المسلمين والسنة فتكون النتيجة معكوسة. فأراد الغرب الجمع بين القوتين في "بولسة" الإقليم.
8-وهذا ما تخشاه إسرائيل: أن ينقلب الدور فتكون إيران هي الشرطي وتكون إسرائيل مساعدة الشرطي بعكس ما كان عليه الأمر في زمن الشاه. إيران تخرب الأرواح وإسرائيل تكون مجرد هرواة بيدها وبيد الغرب.
9-لذلك فإسرائيل مهتمة بمنع إيران من جمع القوتين حتى لا ينحصر دورها في الهراوة التي تستعمل عسكريا لمنع تكون أي قوة عربية أو تركية لتحول دون دورهما الإقليمي.
10-ولما كانت إسرائيل حاليا ذات يد طولى في مطابخ القرار الغربي فإنها لن تسمح بذلك وهم أرضوها بمنع جمع إيران بين القوتين في انتظار حل آخر.
11-أما الخائف الثاني فهو العرب. والخوف العربي مشل وليس محركا لعلتين: أولا لتعددهم وتنافرهم وثانيا لأن ما يصلحه بعضهم يفسده البعض بمنطق الأخوة المتناحرين على الميراث.
12-وحدة العرب مستحيلة لأن الخونة بينهم أكثر من المخلصين. ويبقى أمل في دولتين على اساس السنية لا القومية وهذا أفضل. إنـهما: السعودية وتركيا لأن الاتفاق يهدد دورهما بل ووحدة أرضيهما.
13-فإذا إدركت السعودية وتركيا تهديد الأتفاق ليس لدوريهما فحسب بل لوجود دولتيهما كذلك بالطائفية الدينية للأولى والطائفية العرقية للثانية فإن الخوف قد يصبح محركا.
14-وحينئذ فإن الغرب سيجد أن المعادلة تغيرت ويضطر لأحد حلين: فإما مزيد من الفوضى الخلاقة أو ما أتصور أنه سيفضله هو الحد من دور إيران وفرض التطبيع مع إسرائيل بحل المشكل اعتمادا على مبادرة المرحوم الملك عبد الله.
15-أما الفرحون فهما نوعان كذلك: روسيا التي تتوهم أن إيران بعد التطبيع مع الغرب ستبقى مبجلة لها. وهذا من غباء بوتين الذي يظنه الكثير داهية.
16-توقعي أن الشعب الإيراني بعد أن يتحرر من عائق العزلة فيحصل التواصل مع الغرب ومع شركاته الكبرى لن يفضل التخلف الروسـي في تعاملاته وإعادة البناء على التقدم الغربي.
17-وإذن فالشركات الروسية وكل الوعود بالعقود ستتبخر وسيخرج بوتين بخفي حنين من الاتفاقية لأن التغريب الإيراني القديم سيعود ليسيطر وحده خاصة والشباب يشتاق لنموذج العيش الأمريكي.
18-أما الفارح الثاني فهو الملالي والحرس الثوري لأنهم يتصورون انهم ضمنوا بقاء النظام والتسلط المزعوم ثوريا والذي سيفقد كل حججه لأن الشيطان صار ملاكا بالنسبة إلى الشباب. وهذا هو بيت القصيد: ظني أنهم نسوا الشباب الإيراني.
19-ما أتوقعه هو أن رجال الأعمال والشباب والنخب كلها ستعتبر الفرصة سانحة للتحرر من نظام الملالي ومن حرس الثورة في أقل من المهلة المعطاة لهم.
20-قبل نهاية مهلة إيقاف المشروع النووي سيقع للنظام الإيراني مثلما وقع للنظام السوفياتي: سينهار من الداخل لزوال كل الحجج لمنع الديموقراطية والرفاهية.
21-وإذن فإيران بين حلين: إما أنها تتحول إلى ديموقراطية وتمكن شبابها من حياة مترفهة مثل الخليج فيسقط النظام والحرس الثوري أو تسقط في حرب أهلية وتتفكك بحسب القوميات التي فيها.
22-فإيران هي أكثر بلاد الإقليم هشاشة بسبب النظام السياسي وبسبب البنية العرقية والتطرف الطائفي: أي إن كل ما تفعله الآن خارجيا سيصبح من الآن فصاعدا داخليا.
23-لكن سلوك سنة العرب الذي من هذا النوع بدأ مع الربيع العربي وظهرت لدينا الظاهرتان المتوقعتان لإيران الثورة المضادة والثورة: حرب أهلية لأجل الديموقراطية.
24-وحظوظ النجاح عندنا أكبر منها عندهم لعلتين: فأولا لأن بعض الأنظمة العربية تمكنها ثروتها من أن تحقق الإصلاح الذاتي دون حاجة لثورة فتضعف مساعدتها للثورة المضادة .
25-ولما يصلح أغنياء العرب نظامهم فإنهم لن يعتبروا الثورة حربا عليهم بل بالعكس فإنه يكون بوسعهم لمنع العدوى تلهية أصحابها بالإغراء التنموي فيقل التطرف الثوري.
26-ذلك هو الرأي الذي أخالف به التحليلات بصنفيها الخائف والفارح وليس هو نبوءات بل هو محاولة فهم مجريات الأحداث انطلاقا من قناعة بكونها ذات قوانين تحكمها.
27-والقوانين كلية وليست خاصة بشعب دون شعب حتى وإن تنوع ظهور فاعليتها. النظام الإيراني وحرس الثورة أفسد من النظام المصري من ناصر إلى السيسي وعسكرهما.
28-لذلك فبمدأ الصمود الذي حافظ على النظام المصري والعسكري طيلة 60 سنة كان دعوى الثورة والتصدي لأمريكا والعداوة المزعومة لإسرائيل وكذبة تحرير فلسطين. وكذلك يعمل نظام الخميني لكنه أقصر عمرا (لا وجود لصراع القطبين ولا وجود لعدم الانحياز).
29-فالتصدي لأمريكا ستنهيه الاتفاقية وسيطرة الحرس سينهيها الشباب الذي يريد الحرية والكرامة. لذلك فالنظام سينهار حتما ومليشياته العربية كانت تتمعش من مقاومة إسرائيل سيسبق انهيارها لأن النظام سينشغل عنها بهمومه.
30-وإذن فالاتفاقية هي شهادة وفاة أحزاب الله. لم يبق لزميرة حق مناوشة إسرائيل فاللعبة انتهت (وهذا من شروط الاتفاقية) ولم يبق له إلا جعل احتلالـه للبنان علنيا.
31-وهو قد بدأ فتلك هي معركة الزبداني: زميرة وبشار لم يبق لهما إلا تكوين دويلة في المناطق العلوية والشيعية. والخطر كل الخطر يهدد وحدة لبنان وسوريا.
32-لكن "من يحسب وحده يفضل له" كما يقول المثل التونسي: فالثورة السورية ستنتصر بعد أن تنشغل إيران بهمومها الداخلية التي لن يطول انتظارها.
33-ومعتوه المسيحيين في لبنان الذي يتوهم نفسه الجنرال دو جول سيفقد كل أوراقه ويأتي دور عقلاء المسيحيين لكي يحموا لبنان مع سنته ويصبح زميرة حتى في طائفته منبوذا لأن شيعة لبنان بدأت تعي حجم الورطة.
34-والسؤال: ما المبدأ الموحد الذي استند إليه في هذا التصور الذي يخالف الخائفين من الاتفاقية والفرحين بها؟ إنه-وقد تعجبون-ما حصل من تلاق بين فرعي السنة بفضل عاصفة الحزم.
35-فالتلاقي منة إلهية بل هومكر إلهي خير: من كان يظن أن البلد الأساسي الذي مول الثورة المضادة وأعان الانقلاب في مصر أنقذه الله بملك صالح وقيادة شابة أدركت حقيقة الخطر؟
36-من كان يتصور أن الوهابية والإخوانية (أهم أعمدة السنة حاليا) تصبحان في خندق واحد ضد الخطر الذي يهدد الثورة حتى ومن سبق فـمولوا الثورة المضادة؟ أليس هذا معجزة؟
37-عاصفة الحزم من المكر الإلهي الخير: لا يمكن للسعودية أن تقطع يد إيران التي تهدد وحدتها من دون حلف مع القوة الثانية في اليمن أي الإخوان وفي كل الإقليم.
38-لكن الأهم من ذلك: كيف يمكن للسعودية أن تبقى إذا نجح السيسي وهو الحليف الحقيقي لعدوي الإسلام: إيران وإسرائيل وحتى بقايا الصليبية خاصة إذا وعدوه بنصيب من الغنيمة؟
39-فالخطر القادم من اليمن يهدد الحدود. لكن الخطر القادم من مصر السيسي يهدد الوجود: كيف؟هل يمكن تصور السعودية من دون السنة وخدمة الحرمين؟
40-فإذا لم تحم السعودية السنة فإنها تفقد رسالتها ولن تكون لها أدنى شرعية في خدمة الحرمين: من دون هذا الدور ينفرط عقدها فتعود إلى القبلية.
41-ذلك ما أتمنى أن يوضع نصب أعين قياداتها السياسية والتربوية والثقافية والاقتصادية وخاصة الدينية ليدركوا روح بلادهم مع الثروة المادية.
42-بعد أن بينت الأصل الموحد لعناصر التحليل المخالف لتحليل الخائفين من الاتفاقية وتحليل الفرحين بها أريد أن أختم بوصف منهجيته: الانطلاق من طبائع الأشياء وقراءتها بمنطق السياسة.
43-بكلمة واحدة: لو كنت في وضع السياسي الذي يضع استراتيجية الفعل فإنـي سأعتبر ما ذكرت من العناصر في معادلتي لأضمن النصر على الأعداء. ليت القيادات تفعل.

السبت، 11 يوليو 2015

الدولة الصلدة والدولة المرنة...... حسين درويش العادلي


لكل دولة فلسفة/ سياسة تشكل بنيتها بالعمق، وعلى أساس من هذه البنية يمكن الحديث عن تطور أو وركود أو فشل هذه الدولة أو تلك، فالبنية الذاتية للدولة والتي تشكل جوهرها هي التي تقبل أو ترفض الإصلاح أو التكيف أو التطور استناداً الى أسس ومعايير الدولة فلسفياً وقيمياً والتي تتبلور بدورها كنظام سياسي يتشكل على وفق من هذه القيم والمعايير والأسس ثم يترجم كسياسات وأداء واستجابة لاشتراطات وتحديات البقاء والتطور لنظام الدولة.
النظام السياسي بنية
النظام السياسي للدولة إنما هو بنية تقوم على فلسفة تنتج عنها سياسة، وهو أيضاً جملة أسس ينتج عنها أداء، والبنية والأسس متلازمتان لا انفصام بينهما في أصل نشوء الدولة وفي حركتها تطوراً أو ركوداً وفشلا، فمثلاً يمكن للنظام السياسي الديمقراطي التكيف والتطور والاستجابة للتحديات بحكم بنيته المرنة القادرة على تصحيح الأخطاء واحتواء التناقضات وأسسه القادرة على مجاراة التطور التاريخي للمجتمعات، في حين ترفض بنية النظام الدكتاتوري وأسسه أية امكانية للإصلاح أو التطور بحكم الطبيعة الصلدة المتكلسة للنظام، ولا يمكن تحقيق التطور لفعل الدولة المأسورة دكتاتورياً إلاّ بتغيير بنية النظام ذاتها والأسس التي قام عليها. والحال ذاته ينطبق على النظام السياسي التوافقي القائم على أساس من فكرة المكونات العرقطائفية فهو لا يشذ عن هذه القاعدة،.. من هنا أرى أنَّ أي حديث عن اصلاح النظام التوافقي العرقطائفي هو حديث لا حظ له من التطبيق دون تغيير جوهري في بنية النظام السياسي القائم وأسسه المعتمدة.
جوهر صلد
كما أنَّ الأنظمة الثيوقراطية والأبوية والدكتاتورية والشمولية أنظمة صلدة متصلبة بطبيعتها فإنَّ الأنظمة السياسية التوافقية العرقطائفية أنظمة صلدة بطبعها أيضاً،.. إنها أنظمة ذات جوهر راكد وقوى سياسية سكونية تفتقد شروط التطور الذاتي المستوعب للتحولات في مسيرة الدولة وتصد من القدرة الاستيعابية التي تتطلبها الدولة ككيان حيوي ينفعل ويتفاعل على طول التاريخ.
الدولة كيان حيوي
الدولة هي امبراطورية قوانين ومملكة مؤسسات وهرم سياقات تعبر عن الإرادة العامة لمجموع المواطنين، وهي مظهر صيرورتهم التاريخية التي تتناسب ووعيهم ودرجة تطورهم ونموذج حاجاتهم المتحوّلة والمتنوعة سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتنموياً. على هذا الأساس فالدولة المؤسسة القانونية الضابطة والمعبرة عن جمهورها هي كيان شرعي حيوي وفعّال ويجب ألاّ تعرف الخلل في شرعيتها أو السكون في حركتها أو الثبات في تطورها، ومتى ما فقدت الدولة الشرعية أو شهدت الركود فالنتيجة الحتمية هي الإنفصام والجمود ثم الفشل فالفناء، فالتسلط يحتاج الى الشرعية على طول الخط، والتطور التاريخي يلزم الدولة بتطوير قدراتها وإدارتها وسياساتها، والتحولات الجوهرية بمستوى مجتمعات الدولة يحتم على نظام الدولة مجاراته والتعبير عنه كأداء مؤسسي.
حيوية الدولة هنا لا تنتج إلاّ على أساس من الشرعية ومدى تعبير هذه الشرعية عن جمهورها، فالدولة الفاقدة للشرعية لا يمكن أن تعبر أو أن تتلاءم مع إرادة مواطنيها فتكون فاقدة لعناصر الانتماء والولاء والتفاعل وبالتالي فاقدة لشرعية التمثيل فتكون مخالفة لإرادة المواطنين فمعزولة فراكدة فساكنة
فسلبية.
أيضاً، حيوية الدولة تتجسد بقدرة نظام الدولة السياسي الشرعي على التكيف واستيعاب التطورات والتحديات، والتكيف لا ينتج إلا إذا كانت بنية الدولة بنية مرنة ذات جوهر حي ومتفاعل وحرك قادر بذاته على تصحيح الأخطاء واستيعاب التحولات والتكيف مع التطور التاريخي للوعي الشعبي وحاجاته ولفعل الدولة في تجلياته وتطبيقاته المتنوعة.
الدولة كيان حيوي ينمو ويتطور في علاقة تبادلية تضامنية تكاملية مع جمهورها على أساس من بُعد الشرعية وبُعد الوظيفة وبُعد المرونة ووفق فلسفة المواطنة الفعالة والديمقراطية التمثيلية والمدنية المتطورة، وهي ككائن حيوي مؤسسي يزدهر بالحركة والتفاعل والديناميكية الذي تنتجه التعددية المضمونة بسيادة القانون والحريات العامة والمدعوم بالتنمية المستدامة،.. فالدولة على هذا الأساس مشروع استجابة دائم لتحديات دائمة لا تعرف السكون كما تعرفه الأنظمة السكونية الصلدة.
الأنظمة الصلدة
الذي يصيب تطور الدولة بمقتل هو بنيتها الصلدة، فالدولة التي تتلبس الشرعية زوراً وتتكلس على جوهر يعارض أي تطور تعكسه إرادة المواطنين أو حاجات الدولة المتنوعة أو تجدد التحولات أو الاستجابة المباشرة للتحديات. مثل هذه الدولة لا يمكنها البقاء فضلاً امكانية التطور.
الأنظمة السياسية الصلدة هي بنية وكتلة، فهي تعبير عن كل بنية تقليدية فاقدة لشرعية السلطة وممارسة الحكم، وهي تعبير عن كل كتلة سياسية من حزب أو مؤسسة أو نخبة متحجرة وقفية ترفض التطور انطلاقاً من فلسفتها الآيديولوجية الرافضة للتعددية أو استناداً الى احتكارها للتمثيل الشرعي أو انطلاقاً من الحفاظ على مصالحها التي تتهدد بالتغيير. على ذلك فالأنظمة السياسية الصلدة هي أنظمة سكونية تحافظ على الواقع ساكناً راكداً كما هو، وقبال كل تحدٍ تناور وتلتف وتدور في ذات المربع دون المغامرة بالتغيير الذي تطلبه الجماهير أو تتطلبه مسيرة الدولة أو تبتغيه حركة التطور التاريخي، مثال ذلك الأنظمة الثيوقراطية والأبوية والدكتاتورية والشمولية المتلبسة للشرعية بفعل التوارث أو الإدعاء الثوري أو الآيديولوجي للحكم، إنها أنظمة سياسية سكونية ذات بنية صلدة متمحورة على فلسفة الاحتكار للدولة وعلى حملها أمة الدولة ودولة الأمة على رؤية ونسق وسكة محددة لا تغيير لها، وكل تغيير هو تهديد لكيانها ووجودها ومصالحها، لذا هي تعارضه وتقمعه، وإذا ما شعرت بقوة التهديد فإنها ستناور لهدف إفراغ التغيير من محتواه أو لكسب الوقت بغية تفكيكه.
أنظمة فاسدة
غالباً ما تكون الأنظمة الصلدة المتكلسة أنظمة فاسدة، فكما هي فاسدة على مستوى التمثيل والشرعية فهي فاسدة أيضاً على مستوى الأداء ومستوى النزاهة الطهورية، هي أقرب الى مقاطعات عائلية أو حزبية أو نخبوية تملك وتتحكم وتدير السلطة والثروة بعقلية الامتياز لا بعقلية المسؤولية، فالدولة ضيعتها والجمهور عبيدها والثروات
خاصتها.
الأنظمة السكونية الصلدة وإن تمظهرت بسلطات ومؤسسات وأحزاب ونخب وآيديولوجيات وادعاءات.. إلاّ أنها ككل كتلة تعمل خارج إطار التاريخ التطوري للأمة السياسية التي هي الدولة، وهي كتلة منفعة تجهد لبقاء المُلك بيدها وتسعى لبقاء الواقع كما هو ساكناً لضمان بقاء الامتياز، امتياز السلطة والثروة.
أنظمة كهذه لا يمكنها التطور، طبيعتها تأبى ذلك، وإذا ما حاولت التطور فإنها ستنهار، لذا فالحل يتحقق بإزالتها كفلسفة ونظام وثقافة ونهج، بدليل أننا لم نشهد نظاماً أبوياً أو ثيوقراطياً أو شمولياً أو آيديولوجياً ثورياً يتطور من داخله بما يتناسب وحركة التطور التاريخي للمجتمعات والدول، بل رأيناه ينهار، والسبب يكمن في بنيته وطبيعته. إنَّ الأنظمة السكونية الصلدة أنظمة متكلسة وفاسدة بالنتيجة، وهي تُزال ولا تصلح.
النظام التوافقي
النظام السياسي التوافقي نظام سكوني صلد بطبيعته يأبى التطور وعاجز عن الاستجابة للتحديات وراكد يرفض التغيير وهو فاسد بالضرورة، أقصد بالتوافق هنا التوافق العرقطائفي المحاصصي الذي يقوم على وفق مبدأ سياسي يتمحور حول تقاسم الثروة والسلطة والسيادة بين مكونات الدولة العرقية الطائفية الإثنية، ولا أريد به التوافق السياسي، فالتوافق السياسي طبيعي ومشروع في عرف الدولة.
سكونية النظام التوافقي العرقطائفي وركوده ينتج عن أمرين يخلق أحدهما الآخر ويحرسه، وهما: الانقسام والتوازن، انقسام أمة الدولة الى مكونات والتوازن بين سلطات المكونات ذات الهوية السياسية الفرعية الناجزة، فحين يقيم النظام التوافقي العرقطائفي بنيته على أساس من مبدأ المكوّن – على حساب المواطنة – في الاعتراف والحماية والمصلحة والسيادة فإنه يؤسس لانقسام أمة الدولة الوطنية ويبقيها أمماً عرقطائفية متمحورة حول هوياتها الفرعية وقواها العرقطائفية وسلطاتها المعبرة عن مصالحها، فتنتج لدينا صيغة توازن الأمم الفرعية داخل أمة الدولة، فلكل أمة عرقية أو طائفية أو إثنية فرعية هويتها ومصالحها وسلطاتها وقواها السياسية التي تعبر عنها، وهو ما ينتج التوازن السلبي في سلطات الأمم الفرعية التي يسلّحها النظام التوافقي بالفيتو الخفي أو المعلن لتحقيق الشراكة والتوازن، الشراكة التي تتجسد من خلال نظام المحاصصة العرقطائفي الحزبي الذي يبتلع الدولة، والتوازن الذي يصادر مبدأ الحسم لإدارة فعل
الدولة.
النظام السياسي التوافقي العرقطائفي نظام طوائف سياسية متساوية الاعتراف والقوة تشل إحداها الأخرى لتحقيق التوازن وهذا ما ينتج السكونية السياسية العقيمة، وهو أيضاً نظام التماهي بين السلطة والطائفة والحزب وهذا ما يخلق الإقطاعيات السياسية المنتفعة من النظام (سلطة وثروة) فتحارب التغيير. إنه نظام دويلات مقنّع لا يمكن المراهنة على تطوره كدولة، ونظام أمم متقوقعة لا يمكن المراهنة على تطورها كأمة وطنية، وهو نظام تتجسده وتتقمصه قوى سياسية عرقطائفية لا يمكن المراهنة على تطورها كقوى وطنية مدنية،.. والسبب كل السبب يكمن في بنية النظام العرقطائفي القائم على أساس من فكرة المكوّن السيادي على حساب المواطنة الديمقراطية،.. لذا فهو نظام سكوني صلد يأبى التطور
ذاتياً.
الدولة عبارة عن مؤسسة سياسية جامعة وسلطات مدنية محايدة، ومتى ما افترستها الهويات والسلطات لأممها الفرعية فستموت، وموتها هنا هو موت مشروعها الكلي الجامع، عندها ستنوء بنفسها فتركد مسيرتها ويتوقف تطورها وتشهد السكون المميت،.. فلا هي دولة متماسكة تستند الى أمة سياسية واحدة وسلطات تضامنية تدير فعل الدولة، ولا هي مقسمة ناجزة التقسيم على وفق أقيسة هوياتها العرقية الطائفية الإثنية فتريح وتستريح.
لا يمكن للدولة البقاء فضلاً عن التطور إلاّ إذا كانت ذات طبيعة مرنة تستجيب لتطور المجتمعات الذي تفرضه حركة التاريخ.

الخميس، 2 يوليو 2015

“تطبيق الشريعة” هل يختلف تصوره عن تطبيقات داعش؟! بقلم منصور بن تركي الهجلة


تطبيق الشريعة كما هو مشاهد في الأدبيات الإسلامية بل وفي الواقع الراديكالي المتطرف المتمثلة في داعش والتنظيمات الجهادية في سوريا، يؤكد تلقي الإسلاميين لفكرة الدولة المستبدة من بقايا الأنظمة العربية وتحت تقبل لمفهوم الدولة الحديثة ذي الفكرة الغربية، مع تغول مبالغ فيه بل ومع قدسية تسبغ بها أحكام قضاتها وولاتها من باب أنها لا تخرج إلا من فم الشرع ومن التوقيع الحقيقي نيابة عن رب العالمين (كما هي بدعة التعبير الخاطئ لابن القيم رحمه الله)، ومفهوم الدولة خضع في الغرب لتحولات وتطورات حسب تاريخ كل بلد وثقافته وصراع قواه المجتمعية؛ إلا أن قومنا أخذوا منهم أسوأ ما عندهم من تصلّب وتعصب وعدم فتح آفاق للتدافع والتحاور والمراجعة، أي حياة العرب لم تنعم بحرية تفكير وبحث علمي وصراع تدافعي حر بين قواه المجتمعية بل حكم بالحديد والنار والاستبداد.
التحديث القسري تحت ظل الدول العربية القومية والبعثية وغيرها كان نابعًا عن مشكلة ثقافية عميقة في هذه النخب؛ بل كانت نخبًا عسكرية تنازع السلطة مع قلة ثقافية وبضاعة علمية كما اعترف طارق عزيز في لقاء سابق عن مستوى ضحالة القيادات العسكرية في العراق وسوريا وغيرها.
ثم التصلب الإسلامي أمام إعادة النظر في الاجتهادات الفقهية التقليدية أمام تصورالدولة كمفهوم حديث لم يسبق للفقهاء معالجته تفصيليًا في ضوء الطرح الحديث، باعتبار أن الإسلامي يعتبر كل ما هو مكتوب في الفقه السياسي أو ما يسمى السياسة الشرعية معاني مكتملة لا يجوز الخروج عنها؛ بل لا يجوز غياب أي معنى حديث أن يكيف في ضوء المعاني القديمة المكتملة، وهذا فساد في الفقه السياسي الإسلامي باعتبار أن الحقوق معانٍ لا تزال مفتوحة للفقه والفهم والنظر والاجتهاد، من خلال النظر في النصوص المقدسة أعني كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أعني المعاني الكلية التي لا تخضع للتحديد بزمان ومكان؛ لأن من المفاهيم الشرعية ما تخضع للزمانية والمكانية، من باب المصالح في وقت التشريع، وهذا مربوط الخلاف المعروف في تصنيف بعض أقوال وأفعال النبي، وهل هي من باب السياسة الشرعية المصلحية كحاكم، وعليه فالحكم يتغير بتغير الزمان والمكان حسب المصلحة، ويكون الحكم من قبل الحاكم، أو هو من باب الفتوى الشرعية التي تقبل أن تكون غير خاضعة للزمان والمكان، وقد تكون أحيانًا خاضعة لذمة الناس المخاطبين وليس للدولة علاقة بها وأحيانًا تكون خاضعة للدولة حسب محددات كثيرة، ومنها أن ما يرتبط بالدولة ما ورد فيه عقوبات محددة من الأوامر والنواهي الشرعية المتعدية.
في ظل مفهوم “الدولة” الحديثة المشوهة المأخوذة من أنظمة الاستبداد العربية ذات الأصل الغربي مع إضافة كلمة “الإسلامية” عليها، تشكلت تحفة فنية من الاستبداد الديني الحديث؛ حيث لا يقتصر الاستبداد على الشأن السياسي حيث الحاكم غير محددة مدة ولايته الذي لا يعترف بالانتخاب الديمقراطي -كما هي أدبيات السلفية- مع اختلاف مع بعض الإسلاميين في حركات الإسلام السياسي؛ بل يمتد الاستبداد ليصل للشؤون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية، ليتضمن مزاعم لا يطيقونها الإسلاميون بسبب ضحالة قدراتهم بل ومؤسساتهم، هذه المزاعم تتضمن: أسلمة العلوم وأسلمة القوانين، ثم إنشاء نظام حسبة على كل شيء يقبل أن يدخل في مسمى التعزير على العقوبة، ولك أن تتخيل أنواع العقوبات التي قد يتفننون فيها، فداعش مثلًا قد تقوم بتعزير شخص بتكسير عظام ساق وفخذ؛ لأنه قام ببيع حشيش أو تهريبه كما في تسجيل مصور، دون مراعاة لحقوق الإنسان في احترام جسده وعدم تعذيبه بعاهات مستديمة! وقد يتفننون في البتر والجلد والحبس والتعذيب، كله تحت مسمى التعزير! وتحت وكالة القاضي الموقع عن رب العالمين الذي يعاقب على كل المحظورات وبشكل أدق على كل الأمور التي يرونها محظورة، أي جعل الدولة الإسلامية نائبة عن الرب، وهذا وحده كاف لخلق النفاق في الأخلاق؛ فالناس لا يتحلون بأخلاق مستقيمة بناء على رغبة فيها بل يتحلون بأخلاق ترضي القوة السياسية التي تحكمهم باسم الله أو باسم التوقيع عن الرب.
وهناك مشاكل تصاحب فهمنا للشريعة:
(١) تعبدية الشريعة
مشكلة أخرى تعتور مفهوم الشريعة قبل تطبيقها، وهي أن الشريعة غايتها أن تكون رحمة للعالمين، وليست عذابًا للعالمين، كما إنها رحمة ليست في الآخرة؛ بل هي رحمة في الدنيا، والجهاديون يعتبرون الشريعة تعبدًا محضًا يرضي الله فقط بدون التفكير في أن تكون رحمة للناس، ومعنى كونها رحمة أنها معقولة المعنى، وهي معقولية يتناسب انتظامها مع الوضع الإنساني بشكل عام، بمعنى أن المسلم بما هو إنسان فإن انتظام المعقولية للأحكام المرتبة بالمعاملات (سياسية أو اقتصادية أواجتماعية) هي من المشترك الإنساني القابل للدراسة العلمية، وفقًا للعلوم الإنسانية كل موضوع له تخصصه العلمي ومنهجه العلمي.
(٢) سيادة الشريعة بسيادة الفقهاء
وهذا الكلام لا يعجب الدارسين للشريعة؛ لأنهم يظنون أن دراسة النصوص هي التي تجعلهم سادة على الناس، فهم سادة المصدر الوحيد للتشريع، فلا يريدون مزاحمة المسلم العالم بعلوم أخرى من شؤون الحياة في أن يقرر المصلحة والخير والعدل في أي أمر يخص الاقتصاد أو الاجتماع أو التعليم أو السياسة، والمدخل الأصولي الذي يقرره جميع الإسلاميين في هذا هو كما في هذه المقدمات:
المقدمة الأولى: لا يوجد واقعة أو حادثة تخلو من حكم الله، في جميع شؤون الحياة.
المقدمة الثانية: لا مصدر للحكم على الواقعة إلا من  الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
المقدمة الثالثة: ليس لأحد أن يطلق الحكم على الواقعة استمدادًا من الأدلة الشرعية أو المصادر الشرعية إلا إذا كان من أهل الذكر.
طبعًا تفكيك هذه السياجات من الصعوبة بمكان، فهي توضع أولًا ثم تصاغ الأدلة عليها؛ بل قد يكره البعض بعض الأدلة التي تعاندهم، فمثلًا حديث “وما سكت عنه فهو عفو” يشكل إشكالًا عند أصحاب هذه المقدمات السياجية، فالعفو لا يعني الإباحة فقط بل يعني أنه معفي عنه متروك للناس وحينها يخضع لأحكامهم.
نقد المقدمة الأولى: كون الوقائع لا تخلو من حكم الله، فيها لبس، ويتضح المفهوم الصحيح من خلال معالجتنا لأمرين:
أ. مفهوم الواقعة وأنه لا يخص الأمر الواقع الفعلي بل قد تكون الواقعة تعني الواقع بالقوة أو المتوقع، هذا أمر؛ والأمر الثاني هو أن تصور الواقعة قد يكون تصورًا ليس له سابق عهد حتى من حيث جنسها أو في أفرادها بمعنى أن جنسها وقع في الماضي ولم يقع بعض أفرادها أو لم يقع جنسها أبدًا، وعليه؛ فهناك إمكانية لوجود وقائع لم يقع جنسها في الماضي ولم يتم تخيلها من قبل الفقهاء أبدًا؛ مما يستوجب حكمًا جديدًا.
ب. مفهوم “حكم الله” الذي يعتقد أنه لا يخلو من وجوده مع كل واقعة، حيث ينسب الاجتهاد البشري لحكم الله، وهذا باطل بنص الحديث، حتى ولو تساهلنا ووسعنا مفهوم حكم الله، فإن هذا يعارض النص الصحيح الصريح في السنة النبوية مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “وإذا حاصرت أهل حصنٍ فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكم أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا”، وهذا الكلام لو قلته أمام داعشي لكفرك!
فالتماهي بين حكم الله وحكم البشر القائم على الفهم والاستنباط يعد مشكلة المشاكل، وقد نقدت هذا القضية في مقالتي “السلفية بين الابتلائية والنقدية” في موضوع تقسيم الشرع إلى: شرع منزل، وشرع مؤول، وشرع مبدل! فمعظم اجتهادات المجتهدين هي من باب الشرع المؤول وليست من المنزل، واعتبار الشريعة كلها من المنزل غلط ظاهر؛ لذا فالقول بأن الوقائع لا تخلو من حكم الله، ليس على إطلاقه.
نقد المقدمة الثانية: هي أن مصادر التشريع الأربعة سبقت قبل تحديدات الشافعي في أول رسالة صنعت في أصول الفقه وهي “الرسالة”، من خلال ما ذكره الجاحظ عن واصل بن عطاء من أنه هو أول من قال: “يعرف الحق من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجمع عليه، وحجة عقل، وإجماع الأمة”، وعلى نقدي لواصل بن عطاء في طريقة استفادة الأحكام بشكل جزمي؛ لأن حقيقة الأحكام أنها ظنية، فإن واصل قد أبدع في توسيع حجة العقل التي ضيقها الشافعي قاصرًا على قياس التمثيل الذي يجمع النظير بنظيره في علة جامعة، على أن يكون الأصل ثابتًا بالنص والعلة مستنبطة منه، وهذا فيه تضييق ظاهر على موارد الاستدلال، في الحقوق والواجبات والأنظمة المستحدثة في كل مجالات الحياة؛ فتطلب قياس التمثيل للحوادث تمحُّل بل وتحايل في كثير من الأحيان، وهو ما جعل العقل الفقهي عقلًا تبريريًا اتكاليًا، فهو يبرر ما يراه نافعًا بالبحث عن قياسات تمثيلية في النصوص أو حتى في نصوص الفقهاء، وهو اتكالي لا يقوم بخلق فضاءات تقنينية حديثة؛ لأنه يعجز عن الخروج عن عقلية التمثيل بمثال سابق، وهو في النهاية ممارسة القياس التمثيلي ممارسة وضعية من الفقهاء، يجب أن تنسب للتأويل الاجتهادي لا للتنزيل.
نقد المقدمة الثالثة: الزعم بأن إطلاق الأحكام خاص بالعلماء خطأ ظاهر؛ لأن المسلم مأمور بتحقيق أوامر عامة مثل العدل، فلو حكم المسلم على أمر ما بأنه عدل وأنه واجب هل يحتاج أن يرجع للفقيه؟ الجواب: لا، فالعامي له أن ينشئ حكمًا بناء على تحقيق مناط حكم شرعي عام، ومفهوم العامي مفهوم حادث ليس في الشريعة؛ بل اصطلح أنه من ليس من أهل الذكر، والواقع أن هذا المصطلح يشبه ما نشأ في أوروبا في العصور الوسطى، حيث كان يطلق على الرجل من غير أهل الدين “لاييك” يعني عامي، فالفصل الحاد بين أن يشارك العامة -وقد يكونون علماء خير من علماء الدين- في شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبين العلماء الشرعيين بجعلهم مرجعية عامة في كل الشؤون يفتون فيها، يؤدي في النهاية لا محالة لعلمنة لائكية شاملة تكسر هذه الحدية الفاصلة.
أهل الذكر في القرآن يرجع إليهم في حالة الجهل لا حالة إمكان العلم “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، ويرجع إليهم للسؤال لا للاتباع، فهم مستشارون يُنيرون للسائل ما يجهله.
فالمسلم أو المسلمون لما يضعون ويقررون مصلحة أمر أو شأن فإنه من الشريعة ولا يحتاج لتوقيع علماء دين ولا غيرهم، وهم يعتبرون من الربانيين كما وصفهم القرآن، فالمسلم الذي يستطيع قراءة القرآن وفهمه ويعرف حدوده يعتبر”ربانيًا”: “ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون”، وتزيد ربانيته بمشاركته بما يصلح شأن مجتمعه فهو متواص بالخير ومتواص بالصبر.
وهذا تقرير مهم في فهم معنى الشريعة بمعناها العام الشامل لتقنينات البشر الوضعية المصلحية.
(٣) شيطنة الوضع الإنساني
يجعل الإسلاميون -وهذا له أصوله الأشعرية- كل الوضع البشري مشيطنًا؛ فالقوانين الوضعية كفر حتى يثبت إسلامها، بينما ما أراه هو أن كل القوانين الوضعية تعتبر إسلامًا ومصلحة وخيرًا حتى يثبت كفرها ومخالفتها للنصوص الشريعة، فمعظم القوانين الحديثة في الدول الحديثة هي هادفة لمصلحة الإنسان وحفظ كرامته، فهي بالأصح تهدف لأن تكون رحمة للناس، كما نزعم كمسلمين أن شريعتنا رحمة للعالمين، وكما سبق فإن تفسير الرحمة عند الاتجاهات الراديكالية المتشددة هي رحمة تعبدية يقصد بها الآخرة لا الدنيا كما هي تطبيقاتهم وإن لم تنطق ألسنتهم، فالتعبد المحض غير المتعقل للمعنى هو الرحمة!
من داعش كأبشع صورة متطرفة عرفها التاريخ الإسلامي إلى الإسلاميين المعتدلين، يعانون من عدم تحرير أصول فقهية أساسية تعالج التصورات الإسلامية المحرفة التي تخلق تصورات متطرفة، خصوصًا عندما تجد لها الحرية في دولة تنتسب إليها، الحديث يطول وضرب الأمثلة لا يفيه المقام؛ لذا أكتفي بالنقاط الماضية.     

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

أزمة منتصف العمر والتهديد النفسي والندم علي ما فاتك في الحياة:.... بقلم عصام الخواجة


طلب مني احد الزملاء ان اتحدث عن هذا الموضوع وهو موضع مهم جدا لكل من هو في سني وحتي من هو اصغر..... فكل إنسان قطعا يمر بتغيير ما في شخصيته مع منتصف العمر ولكن ليس كل إنسان يمر بالأزمة الشهيرة midlife crisis فقد يكون منتصف العمر فرصة لإعادة تقييم النفس والذات بصورة إيجابية ومحاولة إيجاد أهداف لحياتك غير الاهتمام بنفسك فقط ومع نضج المشاعر وخبرات الحياة يمكن توجيه طاقتك النفسية او مايسميه الفرويديون libidinal cathexis من نفسك للآخرين.... وقد وصف أريك اريكسون عالم النفس "الشهير بمراحله الثمانية للنمو النفسي للانسان"... وصف اريكسون هذه المرحلة بحدوث المتناقضين generativity versus stagnation اي الإنتاجية والإبداع او الخمول والكسل...... وانا شخصيا ربما حدث لي نفس التغيير ووجدت مثلا في الكتابة علي الفيسبوك وسيلة للتعبير عن خبراتي في الحياة مع اني لم اكن احب الكتابة من قبل وكنت دائما اقول لاولادي ان من اكثر ماأعاقني في حياتي اني احب القراءة وأكره الكتابة جدا..... حتي مع مرضاي اعشق الحديث معهم وأكره الكتابة في ملفاتهم (وهنا في امريكا عليك ان تكتب كثيرا جدا في الملفات خاصة في تخصصي... واحيانا اشتاق الي ملفات المرضي الصغيرة في مصر التي تكتب فيها الضغط والحرارة والأدوية فقط أما هنا فالوضع مختلف تماماً ويجب ان تشرح زيارة المريض لك بالتفصيل)..... ومنذ فترة قال لي ابني لست ادري ماحدث لك لكي تكتب هذه البوستات الطويلة جدا بعد هذا العمر.....!!! المهم نحن نتغير مع منتصف العمر وكثيرا ما نحس بالندم علي ما فعلنا ومالم نفعل ونقارن انفسنا بمن نظن انه تفوق علينا او اصبح اكثر نجاحا او اكثر غني او اكثر سعادة (من وجهة نظرنا نحن طبعا).... وأمس كنت أتحدث مع زوجتي وقلت لها انا لم اعد انبهر بأشكال الناس ومظاهرهم ومراكزهم "وربما لم يعد الناس يهددونني نفسيا بالدرجة التي كنت عليها في الصغر" فانا اعلم جيدا الآن ان وراء الشكل والمظهر شيء آخر مختلف تماما وقد يكون عكس ماتري تماماً..... ولو سيطرت عليك هذه القناعة (او تذكرتها كلما ضعفت ثقتك بالنفس وقل أمانك النفسي) لكنت اكثر سعادة بمراحل...... وفي رايي الشخصي ان ثقتك "الحقيقية" في نفسك هي بداية الطريق لثقتك الحقيقية بالله والرضا بما كتبه لك..... ولابد ان أوضح مرة اخري ان هناك فرق شاسع بين الثقة الحقيقية بالنفس والنرجسية الاستعراضية المرضية بل انهما عكس بعضهما البعض.....!!!
والتهديد النفسي سواء كان من داخل الانسان او من خارجه (من الآخرين) من اكثر ما يصيب الانسان بالفزع في أزمة منتصف العمر.... فإحساس الفشل او عدم تحقيق الآمال كما ينبغي واحساس الانسان بضعف جسمه وبداية الخلل في اعضائه واقتراب الانسان من حافة الموت وبداية العد التنازلي لنهاية الحياة تهدد الانسان كثيرا وقد تصيبه بالاكتئاب والخوف من الموت او احيانا الرغبة في الموت إذا زاد الاكتئاب..... وكل هذا يحدث علي مستوي اللاوعي الي حد كبير..... فتجد الانسان نتيجة لذلك (او كوسيلة دفاعية تعويضية) يسلك سلوكا غريبا وربما يصبح انطوائيا من ناحية او يصبح له نزوات غريبة من ناحية اخري مع كبر السن وربما يحاول فعل أشياء لم يفعلها من قبل.... وتجده غير راض عن زواجه مثلا وغير راض عن عمله او حياته بشكل عام ويصبح اكثر غضبا واكثر قلقا وربما يبحث عن بدائل يظن انها ستجعله اكثر سعادة وتعوضه عما فاته..... وكثيرا ما نجد رجالا ونساء فعلوا أشياء غريبة جدا وغير متوقعة في حياتهم في الخمسين والستين من عمرهم.....!!! والحل هنا في مواجهة نهاية حياتك بشجاعة وبدون "هروب خفي" من مصيرك المحتوم..... وتحويل طاقتك النفسية الي شيء مفيد لك وللآخرين... وان توقن تماماً انك لست محور الحياة وان سعادتك ربما تأتي من نجاح الآخرين بسببك... وقبل كل شيء طبعا ان نقتنع تماماً ان هذه الحياة ليست نهاية المطاف وأننا سنجازي اكثر علي ما فعلناه للآخرين وليس ما فعلناه لأنفسنا.....!!!!!

مراحل نمو الإيمان من الناحية النفسية.... بقلم عصام الخواجة

وضع جيمس فاولر تصنيفا لمراحل النمو الإيماني من الناحية النفسية.... وهي لاتخص دينا بعينه وانما تنطبق علي اي دين... وانا أراها مهمة جدا لانها توضح ان الفرد يمر بمراحل عده في نموه النفسي الديني وتأثير الدين علي سلوكه وتصرفاته وشخصيته بوجه عام.... وقد حاولت قدر استطاعتي ان أترجم هذه المراحل للعربية لتناسب الدين الإسلامي بشكل خاص مع أنها عامة كما ذكرت،
١- المرحلة صفر او مرحلة الفطرة undifferentiated stage
٢- مرحلة البديهة intuitive-projective stage
٣- مرحلة الفهم الحرفي للدين Mythic-literal stage
٤- مرحلة الطقوس والعبادات التقليدية conventional faith stage
٥-مرحلة التفكر والتدبر reflective-individuative stage
٦- مرحلة السمو stage of transcendence
٧- مرحلة النورانية stage of enlightenment
والمفروض ان كل مرحلة تنضج وتنمو ليضيف الانسان فهما أعمق ويصل للمرحلة التالية ولكن احيانا يظل الانسان fixated علي مرحلة معينة ولايخرج منها مثلما يحدث مع كل مراحل النمو النفسي والعقلي الأخري...... ورأيي الشخصي ان الكثير من الناس في مجتمعاتنا قد توقفوا في النمو الإيماني عند المراحل الوسطي "٣ و٤" وذلك لعدة أسباب منها الجهل والفقر والتخلف وانحدار التعليم وتقهقر الخطاب الديني وقمع الافكار وغياب الحريات وغياب الفكر النقدي وتطويع الدين لخدمة السياسيين وغيرها من الأسباب المعروفة والتي لا تخفي علي احد.... فببساطة لقد تخلفنا regressed دينيا كما تخلفنا في كل شيء..... فاصبح عندنا توقف في النمو الديني والايماني عند المراحل الحرفية والطقوسية واصبح التدين لايؤثر في سلوك الفرد بل ربما يجعله اكثر أنانية كما كتبت من قبل..... فلابد من تجديد الخطاب الديني ليناسب العصر ولابد من كل من يعمل في المجال الديني والدعوي والاجتماعي والتربوي ان يعوا هذه المراحل..... ولكن لابد ان يكون عندهم القدرة أولا علي النمو النفسي والديني والايماني ففاقد الشيء لا يعطيه....!!!!

النسيء... بقلم الباحث ابن فرناس


النسيء كلمة ذكرت في القرآن مرة واحدة وفي سورة براءة التي نزلت قبل وفاة رسول الله ببضعة أشهر، وضمن حديث يخاطب قريشاً ويشنع عليها بعض أفعالها. فتحول في هذه الأيام إلى "تقويم" من إقامة الشيء وتعديله، ووضعوا له نظرية سأسميها هنا نظرية "النسيء المبتدعة". 
ونحن هنا سنحاول أن نفهم بعض ما تعتمد عليه نظرية "النسيء المبتدعة" التي تلقفها بعض الناس، وذلك بإيراد بعض ما تقوم عليه، كما يلي:

  • نظرية "النسيء المبتدعة" تقوم على أن هناك إعجاز عددي في القرآن، لأن من قال بها مغرم بالمعادلات الرياضية ويريد أن يطبق معارفه على القرآن أو يريد أن يجد في القرآن ما يؤيد ميوله.

ومما يقولون في هذا المجال "أن كلمة (شهر) ذكرت في القرآن: (12) مرة بالتحديد. وكلمة (يوم) ذكرت في القرآن (365) مرة بالتحديد".

وهذا الكلام منقول عن مستشرق ألماني اسمه فلوغل (Gustav Leberecht Flügel) والمتوفى عام 1870.

ومن نقل كلام "فوغل" لم يتحقق منه وإلا لوجد أن فيه مغالطات وغير صحيح.

فكلمة (يوم) ترد في القرآن (264) مرة وليس (365).

وكلمة (اليوم) ترد في القرآن (74) مرة، وكلمة (يومئذ) ترد في القرآن (67) مرة. وكلمة (ليوم) ترد (7) مرات. وكلمة (يوما) ترد (14) مرة، وكلمة (يومين) ترد (5) مرات، وكلمة (يومكم) ترد (5) مرات، وكلمة (يومهم) ترد (5) مرات. وبمجموع كلي يساوي (441) مرة.

** ولمن يرغب يمكنني أن أمده بالسور والآيات ليتأكد بنفسه.

إذا، أول عملية حسابية يعتمد عليها من يقول بنظرية "النسيء المبتدعة" بطلت.

وهناك موضوع سبق نشره يؤكد أن القرآن لا يحتوي على أي إعجاز عددي أو علمي، وهذه المزاعم تتهاوى باستمرار.

  • نظرية "النسيء المبتدعة" تقوم على أن معركة اليرموك حدثت يوم 20/8/ 636 والتي جعلوها توافق 5/ 7/ 15 هـ.

والمصادر الغربية التي تتحدث عن معركة اليرموك هي حديثة وليس هناك أي كتابات غربية قديمة معاصرة لمعركة اليرموك. ولعل من أول من تحدث عن المعركة من الغربيين هو ثيوفانيس المعترف (ت 818) أي بعد معركة اليرموك بحوالي 200 عام. ولابد أنه استمد معلوماته من المصادر العربية، مثله مثل كل الغربيين الذين كتبوا فيما بعد عن معركة اليرموك.
ولا يوجد أي سجل روماني معاصر للمعركة على الإطلاق، إلا إذا كان ف طهاليز مكتبة الفاتيكان وغير متوفر للإطلاع عليه.  

ومعركة اليرموك في المصادر العربية مختلفة، فقد قيل وقعت في العام 13 هجري وقيل في العام 15.

وممن قال بأنها وقعت في العام 15 هو ابن كثير في البداية والنهاية. وقد توفي في العام (774 هـ / 1373 م) أي أنه توفي بعد المعركة بحوالي (760 سنة) وهذا بعض ما قال عن وقعة اليرموك: "على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق وتبعه على ذلك ابو جعفر بن جرير رحمه الله واما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فانه نقل عن يزيد بن ابي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وابي معشر انها كانت في سنة خمسة عشرة بعد فتح دمشق وقال ممحمد بن اسحاق كانت في رجب سنة خمس عشرة وقال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة قال ابن عساكر وهذا هو المحفوظ واما ما قاله سيف من انها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه". 7/4

فابن كثير ينقل كلاما منسوبا لعدد من الأشخاص الذين هلكوا قبله بفترة طويلة من أن المعركة وقعت سنة 15، فهل كان دقيقا فيما روى؟

سنورد لكم كلاما مما ورد في البداية والنهاية يظهر أن ابن كثير حاطب ليل يحشوا كتابه بما تقع عليه يده دون تمحيص، وهذا بعض ما قال:

وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير بن بكار وأكثر أهل النسب قتل يوم أجنادين يعني في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة وقال آخرون قتل يوم مرج الصفرسنة أربع عشرة وقال محمد بن اسحاق قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. وقيل إنه تأخر إلى أيام عثمان ... ثم توفي سنة تسع وعشرين. 5/ 339

فهو أورد أربعة تواريخ متضاربة عن وفاة أبان ابن سعيد المشهور.

وابن جرير الطبري (ت 310 هـ/ 923) يتحدث عن معركة اليرموك في تاريخه ضمن أحداث سنة 13 للهجرة، أي أنها وقعت في العام الذي توفي فيه أبو بكر. وهذا يظهر عدم دقة ابن كثير فيما نسبه لابن جرير الطبري أو لغيره، حين قال إنه قال أن المعركة وقعت في العام (15).

ووقوع المعركة في العام (13) أقرب للصواب، لأن خالد ابن الوليد كان هو القائد الأبرز في تلك المعركة. ولو كانت اليرموك عام (15) للهجرة فلن يشارك فيها خالد ابن الوليد، لأن عمر ابن الخطاب قد عزله في بداية خلافته ومنعه من الاشتراك في حروب المسلمين حتى مات.

إذا، معركة اليرموك لم تقع في العام 15 ولا في العام 636 للميلاد. وبالتالي فبداية بناء نظرية "النسيء المبتدعة" خيالي ولا وجود له.

  • ثم نأتي للوغاريتمات التي تحسب بها نظرية "النسيء المبتدعة" ولن أتحدث عنها لأني لم أفهم منها شيء. ولكني بانتظار شرح لها من القراء العباقرة لعل بينهم واحد يستطيع فهمها.

والعرب أمة لا تحسب وهو ما انعكس على اللغة العربية الفقيرة جدا في أسماء الأعداد، وتتوقف عند رقم الألف (1000). فليس هناك اسم (كلمة واحدة) للعشرة آلاف أو مئة ألف أو ألف ألف أو ما بعدها. بعكس اللغة الإغريقية الغنية بالأرقام سواء الكبيرة منها والتي بالملايين أو عشرات ومئات وألوف وملايين الملايين، أو بأجزاء الواحد.

إضافة إلى أن العرب يحسبون أيامهم على القمر الذي يرون هلاله بأعينهم ويرونه ينتهي في آخر الشهر بما يسمى "المحاق".  ويعرفون أن السنة (12) شهرا لها أسماء عندهم ولا حاجة لهم بأن يضيفوا شهرا إضافيا عليها كل ثلاث سنوات وبدون اسم.

وزراعتهم تعتمد على النجوم والأبراج فهي التي يعرفون بواسطتها دخول المواسم للزراعة ولفصول الحر والبرد والأمطار. ولا حاجة لهم أبدا لمعرفة السنة الشمسية التي لا يفهمون حسابها ولا يحتاجون لحسابها.

  • ومصطلح التقويم القمري أو التقويم الشمسي اصطلاح استخدم حديثا يعني جدول الأيام والشهور كبديل يقابل روزنامة في الفارسية أو Calendar في الإنجليزية.  ولم يكن يستخدم عند العرب ولا يعني التاريخ. وليس هناك مصطلح عربي معروف يقول: " التقويم السنوي للأشهر بمعنى إعادة الأشهر التي تنحرف عن أماكنها الموسمية" وإنما هذه العبارة يستخدمها من يؤمن بنظرية "النسيء المبتدعة".

فهل هناك في لغة العرب مصطلح الشهر النسيء؟

وهل ثبت عن العرب قديماً أنهم كانوا يضيفون شهراً للأشهر القمرية ويسمونه النسيء؟

نحتاج ممن يقول بذلك أن يسند كلامه بمصادر موثوقة لأن كلامه الشخصي لا يكفي.  

  • وجل أو كل الآيات التي يستشهد بها أصحاب نظرية "النسيء المبتدعة" اقتطعت من السياق وتم تأويلها لمعان غير معناها لتتوافق مع ما يراد الاستشهاد بها.  

وبمجرد إعادة الآية إلى سياقها سيتغير المعنى ويعود للمعنى الأصلي للآية قبل تأويله من قبل أصحاب نظرية "النسيء المبتدعة".

كما أن محاولة القول بأن أسماء الأشهر القمرية العربية سميت نسبة لمواسمها غير صحيح وسبق وتحدثنا عنه في عدة مواضيع. ومن ذلك قولهم إن رمضان من تسمية العرب لأول مطر يهطل بعد الصيف في بداية فصل الخريف بالنسبة لهم شمال خط الإستواء وبداية فصل الربيع جنوباً أما على خط الإستواء فيكون بداية فصل الحر (الرمض) بالنسبة لسكان المناطق الإستوائية.فمتى سكن العرب القدماء خط الاستواء؟

هنا عدة مغالطات، منها:

القول بأن رمضان من تسمية العرب لأول مرة يهطل المطر بعد الصيف!

فهل سمى العرب أول مطر برمضان؟

الجواب: كل ما قيل هو مجرد اختلاق قيل في العصر العباسي، ولا أساس له، وهو مختلف ومتخالف.

ومن ذلك ما ينقله صاحب لسان العرب من أن ابن دريد قال: لما نقلوا أَسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأَزمنة التي هي فيها فوافَقَ رمضانُ أَيامَ رَمَضِ الحرّ وشدّته فسمّي به.

وابن دريد توفي في العام 321 هجرية فمن اين عرف أن العرب في غابر الأزمنة سموا رمضان لأنه وافق رمض الحر. ومثل اختلاق ابن دريد ما أورده صاحب لسان العرب عندما قال: وشهر رمضانَ مأْخوذ من رَمِضَ الصائم يَرْمَضُ إِذا حَرّ جوْفُه من شدّة العطش... ويكون لدينا ثلاث تسميات لرمضان كلها نختلفة وكلها مختلقة في العصر العباسي وبعدما أصبح رمضان شهر الصوم. 

ولم يرد أن هطول المطر لأول مرة بعد الصيف يسمى رمضان كما يقول من قال بنظرية "النسيء المبتدعة".كما أن العرب القدماء لم يسكنوا خط الاستواء . 


وباختصار فهذه النظرية لا يمكن أن تصمد لأنه ليس لها أساس تقوم عليه سوى تخريجات من قال بها وهي تخريجات فيها تعسف ولو بسطت لتهاوت. وترديدها من البعض لا يعني أنها صحيحة، لأن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت طبقة من مثقفي المقالات، الذين كلما قرأوا مقالا غريبا عليهم اعتنقوه ولو لم يفهموا عمقه أو يتحققوا من صحته لأنه لا قدرة لديهم على التحقيق.

ومع ذلك فكل ما تقدم هو مجرد كلام لابن قرناس مقابل كلام ممن يقولون بنظرية "النسيء المبتدعة". لذا لابد من قول فصل لا مرية فيه، وهو كلام رب العالمين. وذلك بالعودة لقراءة الآية التي ذكرت النسيء بسياقها لنتعرف على المقصود بالنسيء بعيدا عما قال عنه البشر.

يقول تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(37) براءة.

  • السورة نزلت قبل وفاة الرسول ببضعة أشهر.
  •  السورة نزلت في مجملها لتعطي قريشا فرصة للتراجع عن خيانتها للمسلمين وإلا فسيلاحقون ويقتلون. وتفرض عليهم بعض العقوبات وتفضح مخططاتهم. 
  • والآية (36) تؤكد بخطاب تقريري أن عدة الأشهر (التي يعرفها المخاطب قريش والمسلمون) هي (12) شهرا فقط لا غير. بدون إضافة شهر كل ثلاث سنوات ولا أيام، ولا حتى ساعات. 
  • والأشهر الاثنا عشر التي يمكن لسكان مكة ومعظم جزيرة العرب مشاهدتها هي الأشهر القمرية التي تعتمد القمر الذي يرون بأعينهم دون حاجة للحساب والرياضيات التي يجهلون.

ومن هذه الأشهر أربعة أشهر حرم.

ثم تواصل السورة لتقول في الآية (37):

النسيء زيادة في الكفر. بدون تكلف ولا تعسف. النسيء كفر يضاف على كفر موجود.

هذا الكفر المضاف يَضِلُ به الذين كفروا (قريش الذين تتحدث عنهم السورة والذين يتولون أمور الحج) فهو ضلال على ضلال وكفر على كفر.

ما هو النسيء؟

هو شهر حرام يحلونه عاماً ويعيدونه لحرمته في العام التالي.
وليس هناك شهر يضاف وشهر يحذف كل كم سنة، أو شهر ينقل من مكانه إلى مكان آخر في ترتيب الشهور. وليس هناك حسابات معقدة على الإطلاق.

والآية تتحدث عن الأشهر الاثنا عشر والتي منها أربعة حرم. والنسيء إحلال شهر محرم هذا العام، وإعادة تحريمه في العام التالي كما أسلفنا.

الحديث سهل وواضح ومباشر.

إذا كان الأمر كذلك!

فلماذا كانت قريش تفعل ذلك؟

"لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ".

الأشهر الحرم أربعة لكن لو أحلت قريش أحدها في عام، فإنهم بهذا واطأوا عدة ما حرم الله.
تلاعبوا بعدد الأشهر التي حرم الله، احلوا شهرا حرمه الله، وجعلوها ثلاثة بدل أربعة.

هذا كل شيء! دون حاجة للرجوع لقراءة ورش المتوفى في العام 179 للهجرة وبعدما تلاعب الناس بالدين.

يا جماعة التغريب جيد في أشياء مثل اللبس وآداب المائدة ونظام المرور والتعليم وسيادة القانون وأشياء كثيرة، لكن لا ندع بهرجة الحضارة الغربية تفسد علينا ما نملك من روائع.
خاصة إذا كانت عباداتنا الإسلامية تعتمد عليها. ومن ذلك محاولة تغريب الأشهر القمرية بعدما غربنا توقيتنا الغروبي وأضعنا متى يبدا يومنا من ليلنا.

وأتمنى أن يتوقف بعض الكتاب عن التلاعب بعبارات القرآن والبحث عن معان شاذة وثانوية للكلمات لأنها شوشت كثيراً المعرفة على جيل ثقافة النت. فاتقوا الله في أنفسكم خاصة أن لديكم القدرة على النبوغ في بحوث أكثر جدية ومنفعة للأمة ديناً أو دنيا.

والسلام.

حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيرا...