الاثنين، 28 مارس 2016

عَبَثُ دَعواتِ تنقية التراث ..... بقلم المكي أحمد المستجير


منذ تزايُد تسليط الضّوء على التطرّف الدينيّ السلوكيّ في الثقافة الاسلاميّة (وداعش فقط أحد مظاهره)، تزايدَت طردا دعواتٌ بضرورة تنقية التراث الاسلاميّ، طَمعا في تعزيز أيدلوجية الوسطيّة، ومحاولة دفع تهمة التطرّف عن التديّن الفقهيّ السّمِح !!!، وعن الاسلام التاريخيّ الرحيم !!!.
ولكنّ هذه الدعوة (القديمة المُتجدّدة) تفضحُ إشكاليّة مِفصليّة في الفكر الاسلاميّ، وهيَ : اعتبارُ هذا التراث مرجعا معرفيّا ومصدرا تشريعيّا وأساسا مُلزما لما بعده، وأصلا يُقاسُ به الشاهدُ على الغائب، باتساع دائرة القُدُسيّ وانحسار دائرة التاريخيّ وإطلاق صلاحيّة النّسبيّ؛ ليكونَ جواز السّفر الوحيد للدخول إلى أيّ حقلٍ معرفيّ.
وإلا فما الجدوى من تنقيته إذن، وإضاعة الجهد والوقت والمال والموارد البشريّة ؟!!، فلو نظرنا إلى التراث (بالمعنى العام للكلمة) في سياقه التاريخيّ، بخطئه وصوابه وتصوراته، وارتباط النصّ بواقعه، والحكم بعلّته، والحدثّ التاريخيّ بظروفه؛ لَعِشنا القرن 21 بعقليّته، لا بعقليّة 8 قرون مضت، تماما كمصير ما سنخلّفه اليوم لمن بعدنا.
إنّ إشكاليّتنا الكُبرى في هذه القضيّة، لا تكمن بالضرورة في هذا التراث الضخم الفخيم، وإنّما تكمن في [ طريقة تعاملنا معه، ونظرتنا إليه، وموقفنا منه]، كما أشرنا أعلاه، فأصبح عقبة في طريق التحاقنا بمجتمع المعرفة. إذ في تراث بعض الأمم الأخرى وتاريخها من التجهيل والعنصريّة والدماء ما يندى له جبين إبليس، وتظهر أمامه مخازي الدولة الأمويّة كمملكة من مماليك السماء، ولكنّها عرفت كيف تتعامل مع تراثها وتاريخها، وتجعل منه دافعا لا عائقا.
وزُبدة القول عندي ومِنّي : (التراث ليس مجموعة مُسلّماتٍ، بل هو اجتهاداتٌ بشريّة، بحثا عن إجاباتٍ لمسائلَ فرضتها تحديات الواقع المُعاش، حسب الأرضيّة المعرفيّة المُتاحة، والسقف الفلسفيّ الموجود).
ويبقى السؤال المُرعبُ لدى الكثيرين، والذي يَحُدّ من التحليل الدقيق لهذه القضيّة، ويجعلها حقل ألغامٍ، قد تفتك بصاحبها :
هل يُعتبر القرآن الكريم تراثا ؟!.
وما يفتحه هذا السؤال على تاريخيّة النصّ القرآني، وما يمنحُه في الوقت نفسه، من إجاباتٍ على تساؤلاتِ دارسِهِ اليوم، وحلولٍ للكثير من أحكامه بفهمها التقليديّ.
[خاطرة أولى على هامش إعداد مُلخّص ورقة بحثيّة، للمُشاركة في مؤتمرٍ عن التراث]

الثلاثاء، 22 مارس 2016

بقلم الصديق ماهر محمد المناس


الدولة منذ القدم و حتى اليوم مشروعها يقوم على البقاء و الاستمرار ، هذه قاعدة ثابته لا تحتاج الى ذكاء حاد لمعرفتها و فهمها، و لكن عند الحديث عن تأسيس و نشأة الدولة فانها لا تقوم الا على اساس فكرة جامعة، و على هذا الاساس تحافظ الدولة على بقاءها و شرعيتها داخليا و خارجيا ، لكن الدولة تسقط اذا سقطت الفكرة الجامعة لانها اصبحت لاتلبي التطور او نافستها فكرة اخرى جامعة تضاهيها و اكثر منها متانة، لهذا السبب فان الدولة تطور فكرتها الجامعة تلك ، او تختار فكرة جامعة يمكن تصديرها للخارج ، فلا بد من ايجاد فكرة تستطيع الدولة نشرها حول حدود الدولة ايضا لعمل حزام امني يسير وفق تلك الفكرة، كي يحافظ على الدولة حول محيطها لاجل البقاء و الاستمرار و التوسع ايضا .التاريخ يخبرنا عن دول سقطت بسبب تلك الفكرة الجامعة( الايديولوجيا التاسيس) التي قامت عليها ، لانها لم تعد تلبي تطور الزمن و لم تعد تستطيع حل مشكلات الداخل و اصبحت جامدة، او ظهور فكرة جامعة اخرى( ايديولوجيا جديدة) نافستها و اسقطتها .
عندما يقول الفيلسوف الالماني ارنست بلوخ بأن ( الصهيونية لن تحل مشكلة اليهود ، و لا أي مشكلة، و كل ما ستفعلة هو بلقنة الشرق الاوسط ، و تحويله الى منطقة تطحنها و تفتتها النزاعات )، فهو لا ينطلق من نظرية المؤامرة التي يسخر منها موضة الليبرالين و العلمانين الجدد، و لا ينطلق من معاداة السامية التي تلقى رواج في الغرب بل ينطلق من نفس القواعد و المفاهيم السابقة التي ذكرتها .
لماذا قال ارنست بلوخ ذلك ؟
لنذهب الى اسرائيل و نعاين هذا الامر و نحلله من منطلق تلك القواعد و المفاهيم السابقة التي ذكرتها .
اولا: كما هو معلوم فان اسرائيل قامت بعد الحرب العالمية الثانية كوعد من القوى الدولية بانشاء وطن قومي لليهود، و لكنها تاسست على ارض شعب و تم تهجير شعب لاجل تاسيس اسرائيل و تم استقدام شعب من كل مكان في العالم للاستيطان في اسرائيل. هذه الحقيقة معروفة لدى الجميع ، فالسؤال كيف ستعالج اسرائيل و هناك شعب مازال يحتفظ بذاكرته و يعيش في الخارج و يسعى لتحقيق العودة و انشاء وطن له باسم فلسطين . هناك ذاكرة جمعية حية و موثقة كل شيء تسعى للعودة و لها فكرة انشاء وطن قومي لهم ، مشكلة حقا ، و الصهيونية تعي جيدا هذه المشكلة و لذلك فدائما ما نسمع اسرائيل تقول ان قيام دولة فلسطين يهدد وجودها و ان عودة اللاجئين كذلك تهدد وجودها ، و تدخل اسرائيل بخلافات سياسسية مع دول تؤيد قيام دولة فلسطين . اذا كانت نتائج الحرب العالمية الاولى سببت مشكلة كبير بتلك الاتفاقيات المجحفة و ادت للحرب الثانية ، فان نتائج الحرب العالمية الثانية اصرت على مشكلة اخرى و هي اسرائيل .
ثانيا:فكرة قيام اسرائيل فكرة دينية، تعتمد على نصوص كتاب قديم، ماذا لو حاول اسرائيلي نقاش مشروعية دولته مع رجل يؤمن بدين اخر ينكر دين اليهودية، اذا فمشروعية اسرائيل خاصة باليهود فقط و تعتمد على الايمان ، و الصهيونية تعي جيدا هذه الحقيقة لذلك استطاعت اختراق الاديان الاخرى و خلق مذاهب جديدة تعتقد بقيام اسرائيل، فكما نعرف بان المسيحية كانت تعادي اليهودية، لكن ظهرت جماعة مسيحية صهيونية ، تؤمن بعودة المسيح بقيام اسرائيل روحيا و فكريا، تشكلت عقيدة روحية تؤمن بترابط عودة المسيح بقيام اسرائيل ، اذا موضوع اسرائيل عقيدة لدى المسيحين هولاء. الامر لا يقتصر على المسيحية حتى الاسلام ، فتفسيرات الدين في الاسلام القادمة من السعودية تؤكد حق اليهود باسرائيل كوعد من الله و كما نعلم فان السعودية و خطابها الديني يمثل خطاب الروحي للمسلمين في المنطقة السنة و هم الغالبية ، و لا تستغرب حديث مسلم يقول ان اسرائيل هي ارض اليهود ، او حديث داعية يتحدث عن ذلك، بجانب ربط ملاحم نهاية التاريخ باليهود، فهناك تفسيرات جديدة في الاسلام و تستند الى روايات مسيحية بان المؤمنين جميعا ( المسلمون و المسيحيون و اليهود) سوف يجتمعون في الشام لقتال الفرس ، و هذه التفسيرات تلقى رواج كبير و ايمان منقطع النظير لدى المتدينين . ماذا لو حاول اسرائيلي نقاش مشروعية دولته مع رجل لايؤمن بالاديان او يؤمن بدين غير الاديان الثلاث ، عندها علينا نذهب الى الحقائق التاريخية و النقوش ، و تعي اسرائيل جيدا هذا الامر ، لذلك اسرائيل مهتمة كثيرا بالاثار و النقوش، و قسم الاثار في اسرائيل من اهم الاقسام في الجامعات ، و يلقى دعم كبير من اسرائيل و منظمات صهيونية ، و عالم الاثار يحضى بمنح مالية كبيرة تجعله ثري فيما يخدم موضوع اكتشاف نقوش و اثبات وجود اسرائيل في فلسطين ، و لهذا دائما ما يسخر الكثير مني حين اقول لهم ان اسرائيل مهتمة بالاثار في اليمن كثيرا ، و تتعرض اليمن لتهريب كبير في الاثار و عن طريق وكلاء و دبلوماسين في سفارات دول خليجية و اخرى اوروبية ، لان اسرائيل تعاني من هذه المسالة في فلسطين فالنقوش و الحفريات في القدس لا تتحدث بتلك الرواية المذكورة في التوراة ، و وصل الامر بكبار الباحثين الى ان جغرافيا التوراة ليست في فلسطين ، و بالمقابل هناك دراسات كثيرة تنتشر بشكل غير مسبوق تتحدث عن فرضية ان اسرائيل كانت قبيلة يمنية قديمة و ان احداث التوراة في اليمن.
ثالثا: اسرائيل قامت على فكرة دينية قومية شعب الله المختار، و هي فكرة غير تبشيرية ، لا تستطيع اسرائيل نشر اليهودية في المنطقة او العالم لاجل بقاءها و استمرارها و توسعها، فيكف سوف تستطيع دولة ان تعيش بفكرة محصورة جدا و لا يمكن ايجاد من يؤمن بها في محيطها كي يصنع لها حدود امنية تكون هي فيها الدولة الروحية لهذه الفكرة ، لا يستطيع احد ان يكون يهودي . و اذا كنت تعتقد ان اسرائيل لا تعي هذا الامر فانت مخطىء ، فاذا كنت اقرا في اخبار عن مشروع لنقاش يهودية الدولة و لا اعرف هل الامر مازال قائم ، و قدر ذكرت هذا الامر لدى بعض الاصدقاء و ان الموضوع خطير و لا يمكن نقاش مثل هذه الفكرة الا لوكان هناك حدث كبير يخيف اسرائيل، و لان اسرائيل دولة صنعها لوبي استعماري لم يكن لاجل اليهود بل كان مشروع استعماري استغل يهود العالم و قام بتوجيههم الى فكرة اسرائيل . بجانب ان اسرائيل تعيش في وسط محيط معادي لها دينيا و قوميا ، كيف تستطيع اسرائيل اذا نشر هذه الفكرة و توسيعها في محيطها و هي فكرة غير قابلة للنشر او التبشير بها و بجانب ذلك حولها محيط معادي لها قوميا . لكي تعالج اسرائيل هذه المشكلة الجوهرية فعليها السعي الى تقسيم المنطقة الى دويلات صغيرة جدا و ضعيفة و متنحارة ، تقوم تلك الدول على اسس عرقية و قومية و اثنية و مذهبية و دينية و هويات جديدة، حتى يعطي لها مشروعية التاسيس على فكرة قومية و على فكرة دينية مثل بقية الدويلات حولها، و ستكون شعوب الدويلات مقتنعة بفكرة تاسيس اسرائيل لانها نفس الفكرة التي قامت عليها دويلاتهم ، و تطمئن اسرائيل انه لن يكون لها منافس قومي كبير او ديني كبير . و هذا ما نلاحظة مع موجة المطالبات بالتقسيم في دول المنطقة و الحديث عن هويات و تقسيمات اثنية و عرقية من ليبيا الى سوريا الى العراق الى اليمن ، و اخرها تصريح امريكا ان الحل في العراق هو التقسيم .
كيف تدير اسرائيل هذا المشروع في المنطقة ؟
ينشر رواد المواقع الالكترونية مقارنة مؤلمة لصور بين مدن العربية التي تحولت الى خراب بمقارنتها بمدن اسرائيل و حالة الاسف و الحسرة في تعليقاتهم، و البعض يطلق سخريته و ضحكاته مضيف لها سؤال يفرض نفسة بقوة على المشهد كيف ان المنطقة تشتعل كلها و تحركات سياسية في كل مكان ، بينما اسرائيل لا يسمع احد لها صوت و نائمة و لا تصدر اي حركة ؟
فعلا المنطق يقول ان اي حدث سياسي يحدث في المنطقة تجد بعده كل الدول في المنطقة تتحرك و تطلق تصاريح و تعلن عن مواقف لكل حدث ، فكل حدث يستلزم تحرك للحفاظ على مصالح اي دولة في اي مكان ، لكن المشكلة ان صعوبة تواجد اسرائيل بشكل مباشر في اي حدث في المنطقة يمنع من تنفيذ مشاريعها ، خصوصا ان المنطقة بشكل عام تقاطع اسرائيل و ترفض التطبيع معها، حتى ان وجدت دول لها علاقات ، فلا يوجد تطبيع شعبي معها ، و سيكون اي تحرك لها هو عمل غير مقبول شعبيا ، في مثل هذه الحالة يكون الحل المناسب هو وجود ذراع لها في المنطقة يدير مشروعها و مصالحها، بواسطة الخدعة القديمة و هي الية الاختراق الداخلي المسماة حصان طروادة ، و لم اجد حصان المنطقة الا دولة السعودية، فهي الدولة الوحيدة التي تنشر الخراب و تنشر ثقافة الكراهية و القتل و نبذ الاخر بواسطة الالة الاعلامية الضخمة التي تملكها من قنوات و صحف و مجلات ، بجانب الكتب الضخمة التي تقوم بتوزيعها في المنطقة بصورة مجانية و بدعم كبير، ترفع من موجات الكراهية في داخل شعوب المنطقة و تحولهم الى وحوش تقتل الاخر و تحولهم الى كائنات تتقاتل فيما بينها ، و تقوم بضخ موجات التخلف حتى اصبح العقل في المنطقة يعيش العصور القديمة بافكارها و قيمها و اخلاقها القديمة، شعوب المنطقة تسعى نحو التحوصل و التقوقع و التوحش . و هذا الحصان لا يحتاج الى ذكاء حد ليفسر سر التقاء مصالح اسرائيل دائما بمصالح السعودية في كل من مصر و لبنان و فلسطين و العراق و المنطقة بشكل عام ، نعم فحصان طروادة يفسر غرابة التقاء مصالح اسرائيل مع السعودية في المنطقة و هذا يفسر سبب تصاريح و مواقف السعودية الهادئة و الغير مبالية ب اسرائيل دائما ، و يفسر سر حضور السعودية القوي في كل دولة في المنطقة.
في مقابلة اخيرة مع هيكل مع جريدة لبنانية التي احدثت ضجة في السعودية بسبب حديث هيكل عن السعودية ، يقول هيكل ان مشروع اسرائيل مازل الاقوى في المنطقة ، لكن المحاور لم يسال هيكل اين هو المشروع و كيف تدير اسرائيل المشروع ، و لا اعرف هل هيكل مازال حذر من اتهام السعودية بادارة مشروع اسرائيل في المنطقة ، مع ان الوضع في المنطقة يحتاج الى صورة اكثر وضوح . لكن السؤال الذي يطرح اين تكمن قوة اسرائيل ؟، تكمن قوة اسرائيل بالنفط الذي يدير مشروعها في المنطقة و باللوبيات الصهيونية القوية المتواجدة في مراكز صناعة القرار في دول القوى الكبرى ، التي تصدر مجرد توجيها لاذرعها في المنطقة لصالح بقاء اسرائيل و مشروعها ، ومن خلال ذلك تدير المنطقة و تدير مشروعها للبقاء و الاستمرار و لا تحتاج اسرائيل حتى ان تنطق بكلمة .
هل كانت القوى العالمية تدرك و تعي هذا الامر ؟
هذه هي الاسباب التي نتحدث بها دائما عن مشكلة اسرائيل في المنطقة و لا علاقة للامر بموضوع اليهودية اطلاقا، والامر ليس ديني ، و لا علاقة للامر بشعار دعم فلسطين و قضيته الذي اصبح يمثل حساسية لدى الكثير ، بسبب اهتمامنا المبالغ به بقضية فلسطين و شعبها و لم نعد نهتم بمشكلات شعبونا ، و اصبحت فلسطين تحوز اهتمام اكبر لدينا يعيقنا عن الاهتمام بمشكلات شعوبنا.
نعم اخلاقيا و انسانيا مع شعب الفلسطيني، لكن بغض النظر عن هذا الامر ، فانا مع قضية فلسطين من جانب مصلحة و سياسة ، لان دعمها يعني الحفاظ على انفسنا ، و الحفاظ على مصالحنا ، مصلحة فلسطين من مصلحة المنطقة كلها ، امر سياسي يعم المنطقة كلها، لان القصة هي قصة المشروع الصهيوني الذي يدير المنطقة ، و لا حل الا محاربة هذا المشروع و انهاءه، المشروع الصهيوني الذي كان كارثة الحرب العالمية الثانية و الذي لم تستفد القوى العالمية من اخطاءها في السابق بمعالجتها الخاطئة للعالم بعد الحرب العالمية الاولى فابتلى العالم بحرب عالمية ثانية ، صحيح انها عالجت اخطاء التي سببت الحرب العالمية الثانية، في ربط الاقتصاد الالماني و الياباني بها خوفا من ظهور هتلر جديد يثار على الظلم الذي وقع على المانيا، لكن الصحيح انها خلقت مشكلة اخرى اسمها اسرائيل و المشروع الصهيوني الذي ظلم المنطقة كثيرا ( حروب و تخريب و دمار و ارهاب و تقسيم و تخلف ) في سياسته لاجل الحفاظ على الكيان الصهيوني و استمراره، و هذه المشكلة باعتقادي ستكون هي السبب الرئيسي في الحرب العالمية الثالثة .
.

المصدر https://www.facebook.com/yemen.son1


.

الخميس، 17 مارس 2016

الوسواس الفكري

كم جميل أن تصنع للناس وسواس فكري هم في منأى عنه, فتتركهم يتخبطون في تلك الفكرة قياما وقعودا ,وعلى جنوبهم ,فلا يجدون لها حلا ولا تأويلا ,,ولا يجدون لها مفرا ولا مهربا سوى تقبلها والايمان بها وذلك على انقاض الفكرة السالفة التي عاش بها وعاشت به ,,او انكار هاته الدخيلة ومعارضتها بقوة للحفاظ على المرجع السابق من الشرخ ,,

قد يكون هذا الوسواس الفكري يحمل في كنهه حقيقة مهمة , او قد يكون مجرد خزعبلات لا أساس لها من الصحة , او قد يكون مما يصطلح عليه “الفكرة الهراء” ,, هاته الاخيرة التي قد يقدمها لك موسوس في نقاش محموم يطغى عليه التشنج ومحاولة اثبات الذات على حساب الاخر ,ومفادها ان يأتيك بفكرة ويعطيها صفة الحقيقة , ثم يطلب منك نفيها أو اثباتها , فيضعك في ورطة تجعلك مذبذب بين ذلك ,لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء , فأي جواب تتفوه به سيطالبك بالدليل , سواء أكنت نافيا او مثبتا ,, الشيء الذي يجعل ذاك الموسوس يشعر بنشوة النصر المزيف اصلا من البداية .
وكمثال على ذلك سأعطيكم نموذج شخصي , لطالما شغلني منذ طفولتي في مرحلة الصدمة الفلسفية التي يتعرض لها كل شخص عندما يبدأ بطرح الاسئلة الوجودية على الوالدين والاقربون ,, فيتلقى الجواب الجاهز الذي نعرفه جميعا ,مع توبيخ صغير يكفي لإسكات الطفل وقطع الطريق عليه من هكذا اسئلة مرة اخرى ,,, وبدوري لم أسلم من هاته الصدمة الغير غريبة والمتوقعة من الجميع ,,لكن الغريب هو التساؤل الذي ظل يراودني طيلة مدة ليست بالقصيرة والذي تخلصت منه في السنوات الاخيرة بتخلصي من اشياء اخرى .
تساؤلي دائما كان مبنيا على الشك وكثرة الظنون في حياتي والمحيطين بي ,في اهلي في اصدقائي في الغير والاخر في كل شيء اشك الا في نفسي ,ورغم اني كنت اعلم ان الشك والظن غير مرغوب بهما في ديننا ,تحت قانون الآية التي تقول “ان بعض الظن اثم ” الا انني كنت اجد مسوغا لذلك واقول ” ان بعض الظن اثم ; بعضه فقط اما البعض الاخر فمن الفطنة وحسن التدبير ” ,,
ولم يكن الشك الذي اعتمده شكا على الطريقة الديكارتية ,وان تقاطعت معه في بعض الامور لكن الشك الذي تبنيته كان اكثر تشددا ,, كنت أتساءل واقول هل يمكن لهؤلاء الاشخاص الذين اراهم من حولي ان يكونوا مجرد ممثلين من عالم اخر ,او غير موجودين اصلا , انهم هنا لكي يخفوا عني حقيقة لا يريد من يهمه الامر ان اعرفها (للإشارة لم اقتطف هذا التساؤل من الفيلم الامريكي The Truman Show للممثل الكوميدي الشهير “جيم كاري” فهناك اختلاف كبير في التصور ,ثم ان الفكرة تكونت كما اشرت في مرحلة الطفولة ,,والدليل على ذلك اني وجدت فيما بعد ان هناك من كانت له نفس الفكرة وليست حصرية في مخيلتي ,,لكن كل يسوغها ويبسطها بطريقته المختلفة عن الاخرين )
كنت اقول بوحدانيتي في هاته الارض ولا شيء يوجد من غير الارض وكل ما أراه من صور للفضاء والكواكب الاخرى , ماهي الى امور يستعملها هؤلاء الممثلون المحترفون لتضليلي ,ثم اني ذهبت ابعد من ذلك في ايام مراهقتي و شككت في وجودها (أي الارض ) وفي وجود المكان أصلا ,وحتى الزمان , فالمكان عندي هو الحيز الذي اتواجد فيه انا فقط , ولا وجود لشيء اسمه مكان اخر الا ما يقوله لي الاخر والذي هو اصلا مشكوك فيه وفي وجوده الحقيقي اللا تمثيلي ,
فمثلا ان كنت في البيت ,وأخبرني شخص ما ,قد يكون ابي او امي او اخي او صديق او أي اخر ما دون “انا” (على فكرة فحتى الابوين مشكوك في كونهما لا يشاركان في المسرحية ,فالام تتقن دورها كأم والاب كذلك , والاخوة كذلك كان اختيارهم بشكل لا يمكن التشكيك فيه وايهامي بالشبه في الخلقة حتى لا يترك لي مكان للريبة ,,
وحتى زواج الاخرين وشهور الحمل التي تمر منها المرأة ثم الولادة كانت بالنسبة لي هي اشياء مفبركة حتى اذوب فيما ارى واعايش ,ثم ابني حقيقتي على ما أرى ). فكل من يخبرني بوجود شيء اسمه الشارع المجاور للمنزل او المدرسة الفلانية او الحديقة العلانية ,او أي مكان خارج الذي اوجد فيه أنا في تلك اللحظة المشكوك فيها اصلا (أي الزمن ) فهو غير موجود , ثم عند قيامي بالمحاولة للخروج من ذاك الحيز والتنقل نحو ذاك المكان الوهمي ,, يحصل لي كما يحصل في ألعاب الفيديو , فالشخصية المحورية او البطل , لا يتحرك ,وانما يحرك رجليه فقط والمكان هو الذي يصنع في الحين لانه مبرمج مسبقا ,ثم يبدأ بالتحرك نحوه , وعند تجاوزه لمكان ما ,فانه يمحى ولا يبقى الا الحيز الذي يشغله في تلك اللحظة .هنا أتذكر قصيدة كانت بمثابة مؤشر لي اني في مسرحية كونية وهي بعنوان “الطلاسم” للشاعر” اليا ابو ماضي” وكان يستوقفني كثيرا بيت منها يدعم شكوكي حول المكان ,,يقول البيت :
“أأنا السائر في الدرب ام الدرب يسير ,,,,,, ام كلانا واقف والدهر يجري ,, لست أدري
النتيجة أني محوت جل الاشياء أوكنت على وشك محو الكل من معارفي المكتسبة وحتى الفطرية, وكنت على خطى الذهاني اسير , فأصنع عالما خاصا بي وأجعله مرجعا لي , كي أجد سبيلا للتمرد والخروج عن النص والسيناريو المحبك ضدي , فلم أعد أصدق التاريخ ,فلا وجود كما اسلفت للزمن ولا وجود لاناس قبلي ولا بعدي ولا وجود لاناس في اماكن من هذا العالم المزيف , فأنا لن ألتقي بملك اسبانيا ولا بلاعب الكرة زيدان ولا بالمغني مايكل جاكسون ولا بأي شخصية مشهورة او معروفة مثلا اشاهدها عبر التلفاز والاعلام او اسمع عنها من الناس …
وصورهم تلك وشهرتهم كاذبة , فما هم الا اشخاص وهميون او لربما لهم عدة اوجه , فقد يلعب الممثل عدة ادوار , فتجده مغني شهير , وبائع السجائر في مكان اخر ورئيس دولة في مكان مخالف , وذلك حسب المهمة المطلوبة منه لتوهيمي .
لكن كنت دائما اعتبر ما اعتبره مجرد شك ,مجرد تصور , مجرد تساؤل , هي في الاخير فكرة , فكرة تكونت صغيرة ,وبدأت تنمو وتكبر , حتى كادت تصبح حقيقة مسلمة , لا يمكن التشكيك فيها , علما اني لا أستطيع اثباتها , ولا البرهنة عليها , هي موجودة في مخيلتي أنا فقط , ولا يسعني ان اعممها على الجميع لاني أقصيهم أصلا , وحتى وإن حدث وتنازلت , وأخبرت أحدا ,فلا يمكنني أن أبرهن له وأثبت له صحة ما أفكر فيه .
ثم ماذا لو أردت التنازل عن هاته الافكار ونفيها ,هل يمكنني ذلك ؟ أقول لكم لا يمكن ما دمنا نحترم العقل فلا يمكنني أيضا نفيها , لانه لا أملك الاليات لنفي مثل هاته الافكار .
شيء لا أستطيع اثباته ولا أستطيع نفيه؟؟ فيما بعد اكتشفت عدة امور واخترعت عدة “افكار” لا يمكن اثباتها ولا يمكن نفيها ,,لذلك خلصت الى ان فكرتي الشكية , التي حرقت رأسي طوال سنين عديدة ماهي الا ما يطلق عليها باسم “الفكرة الهراء ” .
قد تستغربون من هاته الفكرة وقد تضحكون منها وقد تعتبرونني مجنونا ,لكن كونوا متأكدين أن كل واحد منكم يحمل “الفكرة الهراء ” في باله , والمؤسف انه لم يستطع التخلص منها ولربما لم يكتشفها بعد ,
اللهم القلة من الناس حتى لا أكون معمما ,
اما من اراد ان يدخل في باله وسواس فكري , فليثبت لي بطلان شكوكي

المصدر        http://3almanya.com/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A/


الدّولة الوطنية في الجزائر.. عابرون في أنظمة عابرة ..... الدكتور اسماعيل مهنانة

منذ شوشناق (13 ق.م)، لم ينجح أي نظام، تقريباً، في تخليد دولته في المغرب الأوسط (الجزائر).
وربّما تكون الدّولة الأطول عُمرًا هي دولة النّظام الكولنيالي الفرنسي (132 سنة) باعتبار أن العثمانيين قبلهم لم يؤسسوا أية دولة مركزية، بل مجرّد حاميات جهوية تقوم على تحالف


القبَلية ونظامِ جبائي قاهر.
كما أن الدّويلات الإسلامية المتعاقبة على المنطقة لم تعمّر أطولها أزيد من قرنِ، وهكذا كان حال الروّمان قبلهم وما تخلّل حكمهم من دولّ أمازيغية باستقلال ذاتي أو كليّ.
يدعونا كلّ ذلك إلى التّفكير جدّيا في معنى السيّاسي داخل هذا الإقليم الواسع، القريب من الغرب وأوروبّا جغرافياً، البعيد عنه ثقافياً، وطرْح الكثير من الأسئلة حول مصير الدّولة الوطنية الحالية، وحول حدود «الأمّة الجزائرية»، حول مسألة الهويّة ومصيرها، وحول هذه التّوليفة الرّاسخة من العسكري والجغرافي، التي ظلّت شرطاً أساسياً لقيام أيّة دولة، وستبقى العنصر البنيوي للسّياسي لقرون أخرى.
ولكي لا نسقط في إعادة إنتاج طروحات عبد الله العروي (1933-) في المسألة بقدر بما يجدر بنا اختبارها وتفكير التّاريخ المتقطّع لصيرورة السّياسي داخل هذا الفضاء الجغرافي الذي سمّاه العروي بالمغرب الأوسط، ووصمه بالفراغ الحضاري، وبوصفه تاريخياً فضاءً «للعبور»، العبور بين مركزين وحاضرتين (تونس والمغرب) ومحلّ تجاذب وتقاطب حضاري لهذين القطبين.
الجهوية واقع أنثروبولوجي وسياسي لا يؤدّي إنكاره إلا إلى المزيد من التعنّت والديماغوجيا السياسوية والتّعالي على الواقع، وهذا هو الخطأ الذي ارتكبته الدّولة الوطنية الفتية فور ظهورها، خطأ في التّفسير، نتج عنه خطأ في الممارسة.
فقد اعتبرت دولة الاستقلال أن الجهوية من صنع الاستعمار الفرنسي وأنّ النّظام الكولنيالي تعمّد ترسيخ هذه الجهوية بإدارة جهوية، ضمن سياسة «فرّق تسُد»، وهو ما ينمّ عن قصر نظر تاريخي وسياسي فادح، ولهذا ارتأت أن الحلّ يكمن في فرض الوحدة الوطنية بفرض نظام تعليمي واحد، ولغة رسمية واحدة، وسياسة اجتماعية وثقافية واحدة، وهو أيضا ما كان خطأً سياسيا فادحاً ستكشف الأحداث هشاشته في ظرف قصير بعد الاستقلال (أحداث الرّبيع الأمازيغي في أفريل 1980 دليل على ذلك).
إنّ ما يدعو لقيام دولة مركزية في جغرافيا متنوّعة هو نفسه ما يعوقها: «المنطلق هو التنوّع والاختلاف بشتّى أشكاله وصوّره. ينجم عنه نوع من الصّمم. ثمّة خطاب وثمّة تواصل، لكن في مدار ضيّق، نسمع من المحاور ما نودّ أو نستطيع أن نسمع وقد نختزل ما نسمع إلى ما هو تافه نافل. مكوّنات السياسة عندنا هي في الوقت نفسه موانع السياسة» (عبد الله العروي، من ديوان السّياسة، 2009).
لهذا فقد سقط نظام الاستقلال في الشمولية دون وعي منه، الشموليات تتناسل تاريخياً عن بعضها، «خمرٌ جديد في كأس قديمة» كما يقول الإنجيل، فالمسيحية هي ستالينية العصور الوسطى، والنّازية وريثة القومية، والفاشية ورثت الشمولية الكنسية القديمة، كما أن الإسلام السّياسي وريث القومية العروبية المهزومة، والوطنية وريثة النّظام الاستعماري.
يكمن الفرق الجوهري بين النّظام الكولنيالي ونظام الدّولة الوطنية في كون الأول بنى سياساته الاجتماعية والثقافية على معطيات أنثروبولوجية علميّة بينما الثّاني يلقي بسياسته ارتجالاً وحسب أهواء ومزاج الزّعامات العابرة. ولهذا فقد انتهج النّظام الكولنيالي سياسة جهوية متعددة، بحيث قسّم الجزائر إلى خمسة أقاليم كبرى، فرض على كلّ إقليم سياسة تلائم خصوصياته (منطقة متّيجة، منطقة الشّرق، منطقة الغرب، الصّحراء، القبائل الكبرى، والمدن الكبرى)، بينما فرض نظام الاستقلال سياسة واحدة على كلّ المناطق، متجاهلاً منطق الاختلاف وضارباً حقوق الأقليات عرض الحائط. والنتيجة الأولى، هو أن التعدّد الذي انتهجه المعمّر أتاح له الاستمرار في الزّمن والتّاريخ، بينما الأحادية التي فرضها نظام الاستقلال تجبره على تغيير سياسته كلّ عشر سنوات، وهو منطق مفهوم جدّا.

 يعلّمنا التّاريخ أن كلّ ضعف إنما هو ارتخاء يصيب الدّولة المركزية يعود بالمجتمع إلى تشكّل سياسي سابق على الدّولة، فالمجتمعات لها قانون خاصّ في الانتظام الذّاتي، يرتقي وينحسر، يتقدّم ويرتكس حسب الظّروف.
قد تقود الردّة عن الدّولة الوطنية إلى وضع القبيلة، أو وضع الطّائفة الدينية، أو العرقية. وهذا ما حدث في العشرية الحمراء، من سنوات الحرب الأهلية(سنوات التسعينيات من القرن الماضي)، فقد ارتكس المجتمع إلى التشكّلات السابقة للدّولة، وهو السّلوك الذي سيتكرّر إثر أيّ انحسار للدولة المركزية، لهذا يكون صعود الإسلاميين إلى السّلطة نتيجة حتمية لأية انتخابات ديمقراطية في الجزائر، فالمجتمع في معظمه متديّن وغير مسيّس، والأميّة السياسية هي الديانة الأولى في البلد. السّلطة تعرف ذلك تماماً، ودوائر التفكير الاستراتيجية أيضاً تعرف ذلك، إنها لحتمية مفزعة وحزينة، أن يكون الخيار محصوراً بين حكم العسكر أو الكهنوت الديني.
والنتيجة، هي أنّ النّظام القائم صار مضطرّا إلى أن يلعب لعبة مزدوجة: فهو يصدّر للخارج صورة الدّولة التي تحترم حرية الاعتقاد والضّمير والفكر كما ينصّ على ذلك الدستور (المادة 36) وفي الوقت ذاته يسوّق للدّاخل صورة النظام الحامي للعقيدة والدّين كما تنصّ المادة الثانية من الدستور.
من هذه اللعبة تتفرّع لعبة سياسوية أخطر فالسّلطة في الجزائر تحاول احتكار كل عناصر الهوية (العروبة والإسلام والأمازيغية) والمعارضة بقطبيها الأساسيين (الإسلاموية والبربرية) تنازعها في احتكار أحد هذين المكوّنين، وهنا لجأت السلطة إلى إشاعة تهديد مُضمر لأنصار الطرفين بأن انسحابها وغياب هيمنتها يؤدّي إما إلى هيمنة طرف على طرف وإمّا إلى التّناحر العنيف بينهما، أي أنها تحرّك في كلّ مرّة أحد الطرفين لتعضيد شرعيتها بوصفها الوسط الضامن للتّعايش. كأن تحرّك الجيل الثالث من الإسلاميين للتخويف بالشمولية أو تشرعن الحركة البربرة الانفصالية (الماك) للتخويف بالانقسام، لعبة خطيرة خاصة حين ترهن مستقبل أي تعايش ببقائها.
إن هذا التّلاعب يشهدُ على عدم نضج فاضح في الأداء السّياسي للسّلطة.

 

الخميس، 3 مارس 2016

عبادة الدين صورة من الوهم .... بقلم عباس علي العلي



من خلال فرض مساحة واضحة ومرسومة بحد حقيقي بين الدين وبين جاعل الدين وتسمية الأشياء بمسمياتها الخاصة والعمل على تجسيد التناسب بين الصورة المثالية والفهم والسلوك الحسي , ينجح الإنسان بالانتقال من ظاهرة عبادة الدين إلى حقيقة الاستجابة الفعلية لقضية الدين وهي الرحمة ,التي تتضمن عنصر الخير المطلق والأحسنية الكمالية التي هي غائية الفكرة والجوهر من علة وجود الدين ,التداخل وخلط المفاهيم ووضع مفهوم كلي بدل حقيقة المفهوم الجزئي أو عكس الحالة هذا يقودنا إلى التزييف والتحريف الذي يشوش الرؤيا ويخلط الأوراق عند الإنسان الطبيعي الغير متعمق في فهم فلسفة الدين وحالية ظاهرة التدين .



عندما يعي الإنسان أن الإيمان بفكرة الدين ليس إلا مجرد مرحلة أنتقال من حالة الاختيار الحر من عدة مفاهيم وبدائل إلى حالة تفعيل القرار كمؤدى نهائي للأخيرية والأحسنية العامة ,عند هذه النقطة سيكون العنوان الأساسي هو تطبيق رؤية الله من الدين وليس طقسنة الدين وإبعاد تجسيده كعامل إستعباد , والأنتقال إلى حقيقته الإنسانية منه (وما خلقهم إلا ليرحمهم) وليس بمفهوم ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) وإن كانت الثانية طريقا تكوينيا كما شرحناه في معنى الصلاة للمفهوم الأول .ليس الغاية من الدين أذن تعليمنا طقوس بمسميات نتناوب على أداءها برتابة وتلقائية تفقد بمرور الزمن روحية الإيمان بما فيها من علل وأهداف ,بل الأنتقال بها ومن خلالها لجوهر إنسانية هذه الطقوس والعبادات المفروضة حسيا لأول وهلة ,وليس لتعظيم من هو عظيم أو لمعرفة الرب أو الديان أو الجاعل فهذه يمكن معرفتها أيضا بطرق أخرى ,فلم تنجح هذه الطقوس والحسيات المادية في التدين أن تعلمنا ما هو الأجدر من هذه السلوكيات للوصول لفهم تام للمعاني والمفاهيم الدينية ,الله أو الرب أو الخالق برأي الدين كفكرة مجردة هو الرحمن والرحيم والرؤوف والسلام والحبيب والظاهر وغيرها من الأسماء والصفات التي يعدها النص ليكشف لنا وقبل البدء بالبحث عن المعرفة ما هو معروف بالاسم والوصف وأيضا كمجرد من الحاجة للتفسير .أما البحث عنها خارج هذه التسميات والأوصاف والنعوت على أنها حقيقة الله الذي نستدل به بالطقوس أو من خلالها أو من طريق متصل بها أو يعتمد عليها هو محض هراء ,فمن يعرفك بنفسه صادقا وهو الأعلم بها لا يمكن إلا أن تعرفه بأكثر من ذلك ,لأن ذلك مجرد تخمينات أنت افترضتها على أنه هو لا يعلمها ولا يدركها أو لا يريد أن يفصح عنها .هنا العلم بها إن كان صحيحا فإنك تعديت على ما لا يجب لك ولا مطلوب منك ذلك ولا منها فائدة ,في قضية أنسنة الدين كمحصلة نهائية أو كما في قضية الزهد مثلا التي وصلت إلى مفهوم الرهبنة والصوفية السلبية كتعبد , ممارسة حسية لا ينتج منها فائدة عامية تثري وتنضج الفكرة الأساسية , وإنما هي أفتراضات شخصية لمن يعتمدها طريقا للوصول لغايات ذاتية فردية تخص فهمه لا فهم الدين .وإن لم يكن صحيحا أو لم يصل بك إلى تحقيقي هدف من أهداف فكرة الدين ,فقد جئت بأمر خارجي كان من الأجدر أن لا تنفق فيه لا وقت ولا جهد لأنه لن يصل بك لما في غائيات النتيجة ولا في مسالك المنهج من أهداف لا في الأحسنية ولا في الأخيرية , وهذا الأمر سيكون من ما لا يصح التعاط به أو الخوض فيه لأنه عبث وتفريط في ما لا يستوجب أصلا وكلاهما خطل عقلي محض .إذا كان ذلك الشرح والمقدمة الطويلة أنشأت ظاهرة شاذة يمكن تسميتها (دين عبادة الدين) ,وأصبح التدين بالواقع العملي هو بالفعل المنتحل مكان الدين السامي بشكل عام وكامل في كل الأديان التي تصنف وضعية وسماوية ,فلم يسلم منها حتى ما هو خارج الدين من رؤى وأفكار وإن كان الفرق بين الدين والفكر أن الأول يقتضي ثبات بعض الأسس والأركان فيما الفهم به والتعامل معه يتطور مع تبدلات الزمن والمكان .إلا أن الفكر اساسا خاضع بل واجب الخضوع للتبدل والتطور الحيثي لأنه بالتطور يمكنه أن يعيد رسم وجوده المستمر , ومتى ما توقف عن ذلك تحجر ومات وأستهلك قوته الدافعه والمؤثرة والضرورية ,هنا لا نستغرب أن ينطبق هذا الأمر على الدين الإسلامي برغم إيمان المؤمنين به أنه الختام الرسالي والغاية التامة من الدين ,بل يفهم البعض أن حدود المعرفة الدينية تنتهي عند النصوص التي جاء بها وسطرها في القرآن الكريم .الإسلام بالرغم من أنه بواقع الحال ومن السيرة التأريخية يؤكد حقيقة لم يأت دين سماوي أو وضعي يدعي بها أو يحاول الإدعاء فيها ,على أنه تكملة لسلسلة الرسالات ومسك ختام فهو لا يوازي ما قبله ولا كمنافس أو نقيض لها ,بل في الموجز أنه تأطير كامل لما تشتت وتفرق من نظريات ورؤى توزعت وتنوعت في باقي الرسالات وصهرها في وحدة متكاملة مترابطة سميت بالمحكم البياني لمجمل فكرة الدين عند الله .ومع هذا التأطير إلا أنه تعرض كباقي الديانات التي سبقته إلى ما يسمى إسلام الواقع وإسلام بقراءة محافظة وإسلام متأول وإسلام مفسر كلها شكلت ما يسمى بالمذاهب الإسلامية أو الملل الفرعية ,حتى أنها لم تلتق إلا بالتسمية وبعض الكليات من حيث شكلها بعيدا عن المضمونية مع الإسلام المحمدي المبني على الرحمة والخيار الإرادي , لنشهد ولادة تفرعات مشوهة لقضية واحدة النتيجة التي وصلت لو جمعت أو تجمعت لن تعطي صورة كاملة بل يمكن أن تعطي صور متناقضة ومتباينة في الجوهر والشكل .إسلام الواقع أو العملي المتواجد على أرضية التعبد اليوم يتميز بجملة ظواهر تفصل بينه وبين أصل الرسالة كونه بني على عبادة مسميات أو مفاهيم أو تقديس مفاعيل سلوكية ,ولكنها تدع أيضا كفروع لا يجمعها أصل واحد على أنها هي كل الدين ,مثلا كانت أول حرب شنت باسم الإسلام الواقع بعد رحيل الخبير فيه والمعلم الأول , هو محاربة وقتل مانع الزكاة بدون نص ولا أمر ولا مبدأ في دين الرسالة بل مجرد تخريجات لتقديس حالة فقط ,لينتهي هذا الدين استباحة الإنسانية من خلال رفض فكرة وجود أخر مختلف على النقيض من قاعدة لكم دينكم ولي دين .ليس المهم أن نتعبد فقط بفكرة وجدت على أرض الواقع ولو أن لها حيز في أصل الدين , ولكن الأهم والمهم أن هذا التعبد متناسب مع التجريد الفكري المرافق للدين أصلا , مثلا محاربة الكافر هل هي جائزة فقط بهذا العنوان أم أن الدين وضع جملة من الأحكام التي تمهد للتعبد بها , الكافر البعيد مثلا والذي يحتفظ بحقه الإنساني الذي سطره أصل الفكرة بقولها ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ,هل وجوده يشكل توافق أم تعارض مع هذا المبدأ وعلى أي قاعدة يمكننا أن نفسر أمر قتاله وأمر تركه ؟ .البعض يقول هذه مهمة الفقيه وهو الذي يتولى أستنباط الأحكام الجزئية من أدلتها التفصيلية ,وأنا أقول أنها ليست حقيقية حتى يتولاها الفقيه بل تبنى على أصل الترك لأن دائرة الأقلي لا تتوسع ولا دائرة الأكثري تتقلص ,أستنادا إلى فكرة ما جاءكم به الرسول فخذوه , والرسول لم يحارب الكافر لأنه كافر فقط بل لأنه يشكل تهديد مجتمعي وواجب الصد فيه ضروري من الضرورات الطبيعية , وهذا التخريج أجتماعي إنساني عقلاني منطقي وليس من باب التفقه أو النسبة للدين .من أكبر الانحرافات التي قادها البعض ممن يسمون رجال الدين أو المشتغلين بمناهج التدين ,هي تحويل التدين من عملية تطهير وتسوية للذات الإنسانية وصقل حقيقي لوظيفة العقل كي يكون أكثر قدرة على التفتيش عن حلول وأوسع في بحثه عن خطوط التماس بين المصلحة وقيم الأحسنية والخيرية , إلى ظاهرة شكلية حسية الهدف منها إقناع الفرد المتعبد أنه يؤدي ذلك فقط لإرضاء رب متسلط سواء أكان مؤمنا حقيقيا بما في تدينه أو مضطر للخلاص من أثر قادم وجزاء واقع , هذا التحول هو القذيفة الأولى بمدفع الكهنوت ضد قلعة الإنسانية التي أراد الله لها أن تعمر بالتعاطف والمودة والسلام .هؤلاء رجال الدين أو الفقهاء والعقائديين والمشتغلين بتدوير عمليات التعبد ما هم إلا كذبه أطلقها متوهم وتوهمها متدين بنية ما ,ليجعل من الدين سوق تجاري يباع فيه ويشترى من أحكام إن كانت خاطئة فلا تثريب عليه فيها بل يؤجر ,وإن كانت صحيحة ضوعف له الجائزة والأجر مع التنويه بفضله لا بفضل الله ,أما ما تترك من أثر في جسد الفضيلة والإنسانية والخير وما يبنى عليها من أنحراف فالتدين ساكت عنها ,لأن المجموعة التي شيدت هذا التدين لا تريد أن تدين نفسها بالخطيئة مع وجود العذر , ولأنها تعرف أن المكتشف لهذا الأثر سيوجه سهام النقد لله وللدين ولا يحملها شيء لأنه يعتقد كما هم أرادوا له ,بأنهم يتكلمون باسمه ويعملون لمصلحته ويناضلون للدفاع عنه .

الأحد، 28 فبراير 2016

اتقوا الله في رجالاتكم ..... الدكتور محي الدين عميمور


عندما استقبل الرئيس الصيني ماو تسي تونغ المجاهدة الجزائرية جميلة بو حيرد سألها خلال الاستقبال عمّا إذا كانت قد دونت مذكراتها، ولما أجابت بالنفي قال لها بما معناه، وفي حدود ما أتذكر: يوما ما سيأتي من ينسب لنفسه فضل تحرير الجزائر ويوجه لك تهمة الخيانة.


وقد تناثرت في السنوات الأخيرة شهادات ادعت أنها تقدم حقائق عن مسار الثورة أو عن مسيرة البناء الوطني، ومن بينها ما كتب مؤخرا بتوقيع مستعار، وتناول جوانب من ممارسات الرئيس هواري بو مدين، وهو ما رأيت أنه لم يكن أمرا سليما يقال بعد أن أصبحت عظام بو مدين رميما.
وأقول بداية أنني لست محاميا عن الرئيس الراحل، فهو ملك لأمة بأكملها وجزء رئيسي من تاريخها، ، وأتحدث دائما من باب أن من يكتم شهادة تاريخية يرتكب إثما وطنيا لمجرد أنه يترك المجال مفتوحا أمام تصفية حسابات مع من انتقلوا إلى رحمة الله، أو لينتزعوا لأنفسهم أدوارا لم يقوموا بها ومواقف لم تعرف عنهم، استغلالا لضعف الذاكرة البشرية، ولا أتحدث إلا عما عشته شخصيا أو تابعته بشكل مباشر.
ومن ناحية المبدأ، فإن أي شهادة تتناول واقعة تاريخية يجب أن تؤكدها شهادات أخرى، وبغير هذا تكون الشهادة مجرد معلومة تحتمل الصدق كليا أو جزئيا، لكن الحقيقة الجزئية تعتبر كذبا بالحذف، ولا يؤخذ بها لأن فقدان النزاهة في الشهادة يلغي صدقيتها.
وبدون أن أشكك في النوايا أو أحكم على التصرفات، فإنني لا أجد مصداقية لشهادة تاريخية تنشر باسم مستعار أو رمزي، وأيا كان المبرر، لأن اسم الشاهد وصفته ووزنه جزء من قيمة الشهادة، وبالتالي فلن أشير إلى الشاهد الخفي الذي أتناول اليوم جانبا من شهادته، وسأترك معرفة المنبر للقارئ.
وقد يحتج قائل بأنني كتبت تحت توقيع رمزي سنوات وسنوات، وهذا صحيح عندما تعلق الأمر بكتابات فنية أو ثقافية أو سياسية، لكنني عندما أدليت بشهادتي على أحداث تاريخية عشتها أو عايشتها استعملت اسمي الكامل، بل ووضعت صورتي على كتاباتي.
بالنسبة لمضمون ما قرأته قراءة سريعة في الشهادة التي أشرت لها أرى أنه تبدو للوهلة الأولى وكأنها تصفية حساب مع الرئيس بو مدين، حيث استند الشاهد إلى معلومات غير صحيحة بنى عليها استنتاجاته.
وكمثال بسيط، حاول الشاهد أن يبعد الضباط الجزائريين الذين التحقوا بالثورة قبل رئاسة الجنرال دوغول عن دائرة الاتهام، فذكر اسم الكومندان إيدير، الذي عينه كريم بلقاسم مديرا لمكتبه، حيث أن احتضان أولئك الضباط بدأ في عهده وقبل أن يكون للعقيد بو مدين أي دور فاعل في الأحداث، رحم الله الجميع.
ويقول الشاهد بأن ذلك الضابط استشهد فيما بعد في ميدان الشرف، وواقع الأمر أن إيدير كان وراء تعثر الحملة الصحراوية في 1957 والتي كنت أنا واحدا من جنودها، ولم يبرز كعنصر فاعل في بناء الجيش قبل وبعد استرجاع الاستقلال، وعاش إيدير بعد 1962، وأتذكر أنه جاءني إلى الرئاسة في بداية السبعينيات لأتوسط له لفتح خط نقل بالحافلات بين العاصمة وتيزي وزو، وأظن أنه غضب لأنني رفضت الوساطة، واعتقد أن الشاهد خلط بينه وبين آخر بحمل نفس الاسم، لكن هذا يبرز عدم الدقة في الشهادة، وهو أمر ينال من صدقية الشهادة نفسها.
وينتقل الكاتب إلى ما بدا أنه المحور الرئيسي لشهادته فيتناول قضية العقيد محمد شعباني، رحمه الله، الذي أعدم بتهمة التمرد، فيصدر حكمه بأن قضية الضباط الجزائريين الفارين من الجيش الفرنسي هي السبب الرئيسي لخلاف العقيد مع الرئيس بو مدين، ولكنه يعترف باحتمال وجود أسباب أخرى لتمرد شعباني، والذي أعتبره شخصيا شهيد ظروف بالغة التعقيد، ولكن الشاهد لم يستعرض الأسباب الأخرى، التي أشار لها بصورة الاحتمال، أي أنه يوحي بالشك فيها، وهذا تجاوز لدور شاهد لم يعرف القارئ من هو.
والواقع أن ما ورد في هذه الشهادة قد يؤكد ما ادعاه البعض يومها من أن الرئيس بن بله هو الذي كان يحرض شعباني على التمرد، وأنا لا أعرف الحقيقة الكاملة حول هذه القضية، وأعتقد أن البعض تناولها أحيانا بخلفيات فيها الكثير من عقدة الذنب ونية الانتقام ، في حين أن قضايا من هذا النوع يجب ألا يتناولها إلا من عاش الأحداث عن بعد كافٍ لضمان الحياد الموضوعي، وأنا لا أعرف مدى قرب الشاهد يومها مما كان يدور على الساحة وفي الكواليس، لكنني أقول أيضا أن أمثال هذه الاتهامات من الخطأ أن تطرح خارج المنتديات العلمية والمعاهد الدراسية، خصوصا وكثيرون اليوم في الداخل والخارج يعملون على تشويه صورة الثورة بتشويه بعض رجالها.
وما أعرفه هو أن بو مدين لم يخفِ وجهة نظره بالنسبة لاستثمار كفاءة كل الجزائريين، ممن لم تثبت عليهم أي خيانة أو تواطؤ مع المستعمر، عسكريين كانوا أم مدنيين، وقالها علنا في مؤتمر الحزب عام 1964 مقدما مبرراته لذلك، وأعتقد أنها كانت مبررات منطقية بالنسبة لقائد عسكري يريد بناء جيش قوي على ضوء محاولة الغزو التي قام بها المغرب في أكتوبر 1963، عندما انتهز النظام هناك فرصة عدم وجود جيش نظامي عصري في الجزائر، وكان بو مدين يعمل ليكون الجيش الوطني قاعدة لبناء دولة تبقى رغم الأحداث وزوال الرجال باللجوء إلى كل الكفاءات الوطنية.
والشاهد الخفيّ يُعلق على مقولة بو مدين يومها (من الطاهر بن الطاهر الذي يريد أن يُطهر؟) فيقول بأن العملية، أي التخلص من الضباط السابقين في الجيش الفرنسي، لم تكن مستحيلة التحقيق في الظرف الذي طُرحت فيه كما زعم المرحوم هواري بو مدين، وكلمة (زعم) لا تستعمل في شهادة تاريخية، وهي تطرح الاحتمال بأن خلفية الشاهد هي تصفية حساب مع الرئيس الراحل، بحيث لا توجد في الحلقات الثلاث التي أعترف أنني قرأتها على عجل كلمة خير واحدة عن بو مدين.
وتعرض الشاهد لما رواه العقيد الطاهر زبيري عن ظروف إعدام الشهيد محمد شعباني، وعدم تحرك بو مدين لمصلحة شعباني آنذاك.
ومن واقع معرفتي المتواضعة بشخصية الرئيس بو مدين أستطيع أن أقول أنه ظل يعاني طول حياته من عجزه عن إنقاذ شعباني نظرا للظروف المعقدة آنذاك والتي كان وضع وزير الدفاع خلالها يتعرض لمحاولات زحزحة متواصلة، ولعل ذلك العجز هو الذي يقف وراء الحقيقة القائلة بأنه لم ينفذ حكم واحد بالإعدام لأسباب سياسية.
وجاء في الشهادة المُطوّلة المنشورة عبر ثلاثة أيام أن وزير الدفاع هواري بو مدين كان قد وجه رسالة إلى وزير الدفاع الفرنسي قبل ذلك بشهور (أي قبل مؤتمر 1964) يلتمس منه وضع الضباط الجزائريين الموجودين بالجيش الفرنسي تحت تصرف الجيش الوطني الشعبي بغرض إدماجهم ضمن الجيش الجزائري مع الاحتفاظ بكل حقوقهم من أقدمية ورتب ورواتب وكافة الامتيازات، وأن شعباني رفض قبول هؤلاء في الناحية السادسة وطردهم.
وأنا شخصيا لا أعرف شيئا عن هذه القضية، فقد كنت بعيدا عن أجواء السلطة آنذاك، ولا علاقة لي بالجيش الفرنسي من قريب أو من بعيد، لكن كلمة (يلتمس) التي أوردها الشاهد المستتر تتناقض مع ما أعرفه عن شخصية الرئيس بو مدين، المعتز بنفسه وبثورته وببلاده، والذي رفض دعوة الجنرال دوغول فيما بعد لزيارة فرنسا، إلا إذا كانت الزيارة رسمية بكل عناصر الزيارة الرسمية.
وأنا أستغرب أن رسالة كهذه لم يسمع عنها أحد طوال أكثر من خمسين سنة، ولم يُشرْ لها كل خصوم الرئيس الراحل فيما قدموه من شهادات، وهي، إن كانت صحيحة، تفرض أن نوجه تهمة التواطؤ والتخاذل إلى كل ضباط الجيش الوطني من المجاهدين الذين سكتوا على تصرف كهذا، من أمثال الطاهر زبيري ومحمد الصالح يحياوي وصالح سوفي ومصطفى بن عودة ومحمد عطايلية وقاصدي مرباح وغيرهم من الذين لم يعرفوا الجيش الفرنسي إلا كمقاتلين ضده، وكذلك شباب الضباط من أمثال محمد علاق واليمين زروال ومحمد بن موسى ونور الدين بن قرطبي ورشيد بن يلس ومصطفى بللوصيف، والذين كان يجب أن يقدموا استقالة جماعية إلى الرئيس بن بلة، إذا لم يضع حدا لتآمر وزير الدفاع الجزائري مع الجيش الفرنسي وعملائه، وما كان لهم أن يدعموا التصحيح الثوري الذي قام به بو مدين في منصف الستينيات.
وما زلت أقول وأكرر بأن القضايا الخلافية المتعلقة بأحداث الثورة وبتصرفات القادة يجب أن تبحث بعيدا عن الساحة العامة، فليس هناك عاقل ينشر غسيله أمام باب بيته وعلى قارعة الطريق.
ولسنا وحدنا في هذا العالم، وخصومنا هم وراء جدران لها آذان.
********
الصورة : من اليمين - محمد شعباني - أحمد بن شريف - هواري بو مدين - جلول ملايكة  


   

السبت، 27 فبراير 2016

مالك بن نبي وجماعة الإخوان المسلمين ..... ترجمة أحمد المناعي



كتب المقال يوسف جيرارد (1)
ترجمه إلى العربية أحمد المناعي (2)
النص الأصلي باللغة الفرنسية:  L’étude des Frères Musulmans par Malek Bennabi

بعد حوالي الأربعين سنة من وفاة مالك بالنبي (1973) يعسر على الباحث إحصاء الكتب والأطروحات الجامعية والبحوث والدراسات والمنابر والندوات والمقالات التي تناولت فكر الرجل، بحثا ودراسة وتمحيصا ومقارنة وترويجا وتوظيفا سياسيا أيضا وفي كثير من اللغات والبلدان.
إنها الطفرة على كتبه، التي ترجمت إلى عديد اللغات، وهو الذي ظل مغمورا حتى في وطنه، الجزائر، إلى آخر حياته، حيث كان يصعب على المرء العثور على أحد كتبه في المكتبات أو قراءة مقال عنه أو له في الصحافة المحلية.
وقد يفسر هذا الإقبال المتنامي على آثار مالك بالنبي بالأزمة الفكرية التي يعيشها كثير من شبابنا وبطوقهم إلى مرجعية فكرية صلبة ومتينة تساعدهم على تفكيك الألغاز والإشكاليات وتيسر لهم فهم خلفيات الظواهر والقضايا التي تؤرقهم وتعصف بمجتمعاتهم. ومن أقدر من مالك بالنبي على ذلك في ساحتنا العربية والإسلامية وهو الذي قال عنه أنور عبد المالك: «أنه أحد الفلاسفة الاجتماعيين الأوائل في العالم العربي وفي الساحة الإفريقية-الأسيوية في عصرنا»، والتي أثبتت الأحداث والوقائع صواب رؤاه في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة.
غاية هذه الورقة
ليس من غاية هذه الورقة إضافة جديد للكثير الذي كتب عن فكر مالك بالنبي، فقد سبقنا إلى ذلك الكثيرون وأوفوا الأمر حقه. غاية هذه الورقة متواضعة جدا وتتلخص في توضيح العلاقة بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين، أكبر وأقدم حركات الإصلاح والتجديد في العالم الإسلامي في القرن الماضي، وبمثل ما تحددت وتوضحت به علاقته بجمعية العلماء الجزائريين أو جبهة التحرير الوطني مثلا… ولأن بقاء هذه العلاقة في الغموض الذي اكتنفها طيلة عقود من شأنه أن يريح موقف كل الذين يصرون على الجمع بين انتماء لفكر مالك بالنبي وفي الآن نفسه إلى فكر وتنظيم الإخوان المسلمين. وهو توفيق بين مرجعيتين متناقضتين كما تدل على ذلك كتابات بالنبي منذ سنة 1954، وأصداءها عند بعض منظري الإخوان.
وقد تراءى لي ذلك شخصيا في أول كتاب قرأته لمالك بالنبي لما تعرفت على الرجل في سنة 1964 (3)، وهو كتاب «وجهة العالم الإسلامي» في نصه الأصلي بالفرنسية والمنشور في سنة 1954. وقد شدت انتباهي وحيرتني طويلا، ملاحظة أدرجها الكاتب أسفل صفحة كلها إعجاب وتقدير وتثمين لعمل جماعة الإخوان. وقد جاء في الملاحظة ما يلي: «إن الاعتبارات المختلفة التي قرأتاها تبقى صالحة بالنسبة للتجربة الشخصية للمؤسس حسن البنا. غير أنه وعقب زيارة الكاتب الأخيرة للمشرق، فإنه يجد نفسه مضطرا لتغيير حكمه في الجماعة نفسها والتي يبدو وأنها تحولت، تحت زعامة قادتها الجدد، إلى مجرد أداة سياسية، منزوعة من ذلك الطابع المؤسس للحضارة الذي كان يود أن يراها عليه. وفي هذه المرحلة الجديدة، يبدو أن الحركة لا تستعمل الدين إلا لبلوغ غايات عملية عاجلة».
المترجم

1― جماعة «الإخوان المسلمون»
نشأت هذه الجماعة في سنة 1928 في مدينة الإسماعيلية بمصر على يدي الشيخ حسن البنا. وقد حددت لنفسها أهدافا عديدة تتمحور حول الدفاع عن الإسلام وقيمه وتجديد وإحياء عقائده ونشر دعوته. ولبلوغ تلك الأهداف، مارست الجماعة أنشطة كثيرة على مختلف المستويات الاجتماعية والتربوية، فأسست المدارس ونشرت التعليم وأنشأت المصحات والمشافي ودور الأيتام، وهو ما كرس حضورها القوي في المجتمع المصري، في المدن والأرياف، وحوّلها شيئا فشيئا إلى طرف سياسي يُقرأ له ألف حساب ويُثير الإعجاب لدى البعض والعداوة لدى البعض الآخر.
وقد اهتم مالك بالنبي بالجماعة خلال الفترة الممتدة ما بين سنة 1940 وحتى وفاته سنة 1973 فكتب عنها وعن مؤسسها والتقى بفكرها ومناهجها وتوجهاتها الإصلاحية في مرحلة أولى، ثم، وما أن وطأت قدماه أرض مصر، في سنة 1947 ثم سنة 1948، وأحتك بالواقع واتصل بقادة الجماعة وبخصومهم، بدأ يتراجع عن كثير من قناعاته وكتاباته، لا عن كتاباته في الزعيم المؤسس ولكن عن ورثته.
يجب التذكير بأنّ «الجماعة» عرفت خلال الفترة محل اهتمام بالنبي، مرحلتين كبيرتين، هامتين ومختلفتين. وتمتد الفترة الأولى من يوم نشأتها سنة 1928 إلى يوم حظرها وحلّها، على إثر محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في أكتوبر 1954 بالإسكندرية. ففي هذه الفترة وعلى الرغم من حلّها (1948) واغتيال زعيمها (1949) – أعيد تقنينها سنة 1951، ظلت الجماعة تنشط وتتحرك في المجتمع جهرا وعلنا وبدون قيود.(4)
أما المرحلة الثانية من تاريخ هذه الجماعة، فهي التي تبدأ، كما ذكرنا، من نهاية سنة 1954، تاريخ حظرها ومنع كل نشاطاتها واضطرار قياداتها وأعضائها للدخول في السرية أو الهروب إلى الخارج.
وكانت هذه المرحلة هي التي أحتك فيها مالك بالنبي بالمجتمع المصري الحاضن لنشاط هذه الجماعة وهي التي تعرف فيها أيضا على القيادة السياسية المصرية الجديدة (1954 و 1955) ثم توسعت شبكة علاقاته بكثير من الأطراف السياسية والثقافية عندما استقر بالقاهرة في شهر ماي 1956 وكلها عوامل ساعدته على تشكيل نظرته للجماعة ودفعته للتراجع في كثير من مواقفه السابقة إزاءهم.
2― مالك بالنبي
ولد مالك بالنبي سنة 1905 في مدينة تبسه من عائلة منحدرة من مدينة قسنطينة وكلاهما في الشرق الجزائري.
وقد زاول تعلمه بالمدينة الأخيرة في مدرسة فرنسية عربية وهو الأمر الذي مكّنه من امتلاك نواصي اللغتين العربية والفرنسية والتزوّد بمعارف مرجعيات عربية، إسلامية وغربية ويقال عنه أنه تأثّر بابن خلدون في المرجعية الأولى وبـ «نيتشة» في المرجعية الثانية وهو يلتقي في هذا مع محمد إقبال. قد حمل مبكرا هموم شعبة الرازح تحت نير الاستعمار وكذلك هموم أمته الإسلامية المقطعة الأوصال والتائهة بين تمجيد ماض ولّى وانقضى وتوق إلى مستقبل لم تتضح صورته بعد.
وقد ألّف مالك بالنبي أكثر من عشرين كتاب بحث فيها شروط نهضة المجتمعات والبلاد الإسلامية وبنائها للكيانات السياسية التي تليق بها في هذا العالم المعاصر وكيفية مساهمتها في الحضارة الإنسانية. ويعتبر كتابه «وجهة العالم الإسلامي» الذي ألّفه في سنة 1950 ولم يتيسّر له نشره إلا في سنة 1954، يعتبر أهم مؤلفاته، إذ جمع فيه خلاصة أفكاره التي تناولتها كتبه السابقة ومجمع رؤاه المستقبلية في حظوظ المسلم المعاصر في بناء الحضارة وبعودة الحديث والجدل حول ما سمي بـ «فقه التحرير»، وهو ذلك التيار الفكري الاجتماعي والسياسي المسيحي الذي ظهر في بلدان أمريكا اللاتينية وسط ستينات القرن العشرين كردّ على انتشار الفكر الماركسي والحركات الثورية التي انبثقت عنه، تجدر الإشارة أن مالك بالنبي كان أحد الأوائل إن لم يكن الأول الذي طرح إشكالية قدرة الإسلام على المساهمة الجدية في التحرير الفردي والاجتماعي.
عندما كان الإخوان هم الأمل
يذكر مالك بالنبي في مذكراته «شاهد قرن» أنه كتب عن حسن البنا وجماعته وهو لا يعرف الكثير عنهم. ويقول في مقال بتاريخ 13 أفريل 1951 بعنوان «على أعتاب حضارة إنسانية»: «إني لا أعرف سيرة مؤسس الإخوان المسلمين ولم أقرأ له شيئا ولعله لم يكتب شيئا أبدا».
كما يذكر في نفس المذكرات أن أحد أسباب مشاكله مع السلطات الاستعمارية الفرنسية واضطراره للهروب إلى فرنسا سنة 1951 هي مقالاته الصحفية التي عرّف فيها الشباب الجزائري بأسماء خطيرة مثل حسن البنا وجماعته «الإخوان».
وقد حلّل بالنبي في مقالات عديدة صدرت في مجلة «الشاب المسلم» الصادرة بالفرنسية والتابعة لجمعية العلماء الحيوية التي بعثتها «جماعة الإخوان» في المجتمع المصري والروح الجديدة التي ضمنتها نشاطاتها بدءا من العنوان حيث تظهر فيه الأخوة الإسلامية لا مجرد فكرة وإنما عمل ملموس بعيدا عن «السياسة الساسوية» أو «البوليتيك».
وقد كتب في «وجهة العلم الإسلامي» مبرزا هذا الدور وهذه الروح: «إن الحركة الأحدث والتي تؤكد التوجه الجديد هي بلا منازع حركة الإخوان المسلمين في مصر والتي لها أتباع كثر في سوريا. للأسف لا نملك أدبيات كثيرة عن هذه الحركة التي تتميز بأن ضمنت اسمها عملية التآخي. فالجماعة الإسلامية الأولى لم تتأسّس على المشاعر البسيطة ولكنها تأسّست على عملية تآخي حقيقي بين الأنصار والمهاجرين. وهو الذي يحدث الآن على أساس نفس الميثاق الذي يوحد  الإخوان المسلمين الجدد فيما يشبه وحدة الأفكار والأملاك، وزعيم الحركة حسن البنا، ليس فيلسوفا ولا هو فقيها وإنما حاول أن يعيش من جديد إسلاما منقى من تركته التاريخية ومرجعيته ليست إلا القران نفسه، ولكن قرانا متصل بالحياة».
ويضيف في تحليل عن حسن البنا: «مع حركة الإخوان المسلمين، نشهد أولا تجددا لقيمة القرآن نفسها وتتحول هذه القيمة إلى قيمة عملية وأداة فنية لتغيير الإنسان. يجمع مثقفون مسلمون حصل لهم التعرّف على حسن البنا على أنّ الرجل يمتلك قدرة عجيبة، حيث تتحوّل الآية القرآنية على لسانه على أوامر حية تملي على الفرد السلوك الجديد وتدفعه إلى العمل بدون تردّد. يفعل المعنى القرآني فعله وكأنه جدّد على شفاه زعيم الإخوان المسلمين».
وفي نفس الكتاب «وجهة العالم الإسلامي» يقارن مالك بالنبي بين عمل الإصلاحيين التقليديين وعمل الإخوان المسلمين ويبرز الفرق الكبير بين الفريقين والمتمثّل في إبقاء الفريق الأول للأفكار على المستوى النظري، بينما يحولّها الإخوان إلى أفعال وأعمال محسوسة. ويعطى مثل ذلك في التضامن الإسلامي القائم على معنى الأخوة، التي هي مجرّد شعور، ولكنها تتحوّل عند حسن البنا، إلى تآخي أي عملية أساسية يتحوّل بها الشخص إلى إخواني مسلم. ويكتب في ذلك أنّ هذا العمل البسيط في ظاهره هو في الحقيقة تحول كامل للإنسان، الذي يمر من مرحلة الإنسان ما بعد الموحدين إلى مرحلة إنسان النهضة، كما كان يتحول من المجتمع الجاهلي إلى جماعة المسلمين. ولم يكن زعيم الإخوان يحدث هذا التغيير إلا باستعمال الآية القرآنية ولكنه يستعملها في نفس الظروف النفسية التي كان يستعملها فيها الرسول والصحابة. وهنا يكمن السر، أن نستعمل الآية كما لو كانت توحى إليك وليس كما هي مكتوبة.
مرحلة الشك 
كان بالنبي مساندا لثورة 23 يوليو في مصر، ولم يكن يفهم الأسباب التي تجعل الضباط الأحرار والإخوان وجها لوجه وتدفع بالفريقين للتناحر. وهو ما عبّر عنه في كثير من الورقات التي احتفظ بها لنفسه ولم تنشر إلا بعد وفاته.
ويكتب بالنبي في ورقة بتاريخ 15 جانفي 1954: «علمتُ أنّ الحكومة المصرية قد حلّت البارحة جمعية الإخوان المسلمين. وقد أعلنت الصحافة الغربية ذلك وكأنه حادث بسيط… أما أنا فمذهول لهول لم أتوقعه أبدا. إني أفهم تماما أن يغتال فاروق حسن البنا، وأفهم تماما أن يقيل شاه الفرس مصدّق، فمن طبيعة الأمور أن يقاوم العفن كل محاولة للنظافة. ولكن أن يقاوم رجل أمين رجلا أمينا آخر فهذا ما لا أفهمه كثيرا وهو الحال اليوم بين نجيب والهضيبي».
وقد رأى بالنبي وراء حظر «الجماعة» شبح ضغوط القوى الكبرى على العالم العربي الإسلامي. وكتب في ورقة بتاريخ 2 فيفري 1954 ما يلي: «أعلنت الصحافة منذ أربعة أيام أنّ حركة تمرّد قد اندلعت في جبل الدروز ضد حكومة شيشكلي. ويؤكد هذا الخبر، إلى جانب خبر حظر الإخوان في مصر، أنّ الدول العربية الأكثر تنظيما والأقوى تتعرّض في هذه الأوقات إلى ضغوطات شديدة من قبل الغربيين الذين يظهر أنهم يريدون قطع رؤوس الحركات الديمقراطية الإسلامية الكبرى بمثل ما فعلوا في إيران بالانقلاب على مصدّق. ويبدو أنّ هذه السياسة تلتقي برغبتهم في أن تعترف البلدان العربية بإسرائيل».
خيبة الأمل
سافر مالك بالنبي إلى مصر أواخر شهر جوان 1954، وقد حضر الاستعراض العسكري الذي انتظم بمناسبة الذكرى الثانية للثورة المصرية، والتقى بمحمد نجيب وجمال عبد الناصر. وساهمت إقامته الطويلة الأولى في مصر ولقاءاته بشخصيات رسمية وكذلك بمثقفين من كل النزعات السياسية، في دفعه للتراجع عن كثير من مواقفه تجاه الإخوان. ومن ذلك التنبيه الذي أشرنا إليه والذي يربط ما كتبه في الجماعة، بشخص مؤسسها فقط، واستقر مالك بالنبي في مصر سنة 1956 وكتب كتاب «الإفريقية الأسيوية» حاول أن يجعل منه القاعدة النظرية لمؤتمر باندونغ. كان هذا الكتاب مساندا للثورة المصرية ومقدّرا لنجاحها في الخروج عن المنطق الذي أرادت الدول الغربية أن تسجن فيه العالم الإسلامي، ويتمثّل هذا المنطق في استدراجها للتركيز على قضايا سياسية جانبية وإدارة الظهر للقضايا الأساسية وقضايا التوجهات الكبرى، وهو ما يعطّل أو حتى يوقف تطور العالم الإسلامي. وعلى العكس من ذلك يرى بالنبي أنّ «الأخوان» لم يتحرّروا من ذلك المنطق وظلوا أبعد ما يكون عن طرح القضايا الأساسية للعالم الإسلامي الواقع بين فكّي الاستعمار والقابلية للاستعمار.
على أنّ مآخذ بالنبي للإخوان لا تقتصر على قضايا التوجّهات العامة والمواقف السياسية، فهو ينتقد أيضا منهجيتهم في طرح القضايا النظرية ومنها بالخصوص التمشّي «التمجيدي» الذي دأبوا عليه وأنساق إليه أشهر منظريهم سيد قطب.
التمشّي التمجيدي
في كتابه «الإفريقية اﻶسوية» يعرّف بالنبي هذا التمشّي التمجيدي لدى المثقف المسلم، ويحلل أسبابه بإسهاب ويفسّره بعقدة النقص التي يعاني منها هذا المثقف تجاه الحضارة الغربية، كلّما طرحت نقائص المجتمعات الإسلامية. الأمر الذي يدفعه آليا إلى التمجيد وإلى الاستشهاد بعظمة وعظماء الماضي… والنتيجة هي تأجيل طرح القضايا الحقيقية المعيشة.
ويمثّل هذا الموقف التمجيدي بالنسبة للكاتب «أعراض مرض مجتمع فقد الوسيلة والإرادة لتجاوز ضعفه، مجتمع انهارت فيه قوى الحركة والتقدّم…»
الجدل مع سيّد قطب
وقد أشار بالنبي إلى هذه القضية بخصوص سيّد قطب دون ذكر اسمه: «هذه الحالة وخيمة العواقب عندما يتعلّق الأمر بأخصائي هذه القضايا، والذي يمكن لعمله أن يؤثر في توجهات عصره وقد أراد أحد هؤلاء المفكرين أن يخط برنامج عمل اختار له عنوان "نحو مجتمع إسلامي متحضر" ولكنه فكّر ثم غيّر العنوان إلى "نحو مجتمع إسلامي"… لا أعتقد أنّ المفكر الكبير قد أدرك أنّ الكلمة التي حذفها من العنوان قد حرّفت القضية في تصوّره وغيّبتها أو خدّرتها في ضميره. والعملية التي تتم على المستوى النفساني، ينتج عنها إفراغ القضية الأصلية من عنصرها الأساسي على المستوى الفكري، ألا وهو البحث عن شروط الحضارة». ويضيف: «عندما يعتقد هذا المفكّر المحترم أو يريد إقناعنا بأنّ مجتمعا مسلما هو متحضّر بطبعه، فهو يتجاهل القضية الكبرى للعالم الإسلامي ونحسب أنه انجرّ بتأثير حالة عاطفية إلى موقف تمجيدي عقيم».
ويرى بالنبي في موقف سيّد قطب وأتباعه الكثيرين، السبب الرئيسي لعجز المثقفين المسلمين على طرح القضايا الأساسية والتي هي من صلب مجتمعاتهم.
ويعتبر بالنبي أنه كان الأجدر بأصحاب المواقف التمجيدية وعلى رأسهم سيّد قطب، خدمة للمصلحة العليا للعالم الإسلامي، «أن يلتزموا الموضوعية إلى النهاية وأن يعترفوا أنّ هناك مجتمعا مسلما لكن في مرحلة ما قبل الحضارة، وهو الأمر الذي يطرح قضية تحضره».
وجاء رد سيّد قطب في كتابه «معالم في الطريق»: أولا: أنّ المجتمع الإسلامي غاية يُرجى بلوغها وليس بالواقع المعيش لأنّ مجتمعات العالم الإسلامي ليست كلها مسلمة حقا لأنها لا تخضع كلها لشريعة الإسلام، وثانيا: أنّ المجتمع المسلم، الخاضع لشريعة الإسلام هو في رأيه المجتمع المتحضّر الوحيد لكونه يقوم على أسس إلهية بعكس المجتمعات الجاهلية التي تقوم على تشريعات بشرية. وفي الأخير يعتبر سيّد قطب أنّ موقف بالنبي يترجم حالة من التبعية الفكرية لأفكار خارجية عن الإسلام على أنّ عمق الخلاف الفكري بين الرجلين، لم يمنع بالنبي من التعبير «عن عمق احترامه لرجل ظلّ وفيا لأفكاره حتى النهاية واختار الشهادة على الخيانة…» في عالم إسلامي يهرب فيه المثقفون من تحمّل مسؤولياتهم.
وتشير إحدى الورقات التي كتبها بالنبي عن حوار اختتم محاضرة ألقاها على منبر «جمعية الطلبة المسلمين في ألمانيا» في مدينة فرنكفورت يوم 27 ديسمبر 1967 أنه رفض «مقترحا بتوحيد الحركة الإسلامية على قاعدة كتاباته وكتابات سيّد قطب والمودودي» لأنّ ذلك سيفضي في رأيه إلى الفوضى وليس إلى الوحدة باعتبار الخلافات المنهجية القائمة بين المفكرين الثلاثة. فلم يكن مالك بالنبي يلتقي مع زميليه فيما ذهبا إليه من حكم بالجاهلية على المجتمعات الإسلامية المعاصرة لأنها لا تقرّ بمفهوم «الحاكميّة لله» الذي استنبطاه. ولعلّ أحد أسباب الخلاف هو في تناول بالنبي القضايا بخلفية عالم الاجتماع في حين كان سيّد قطب والمودودي يتناولانها كدعاة لفقه سياسي جديد.
وقد فجّر بالنبي خلافه مع الأخوين سيّد ومحمد قطب في رسالة بعث بها إلى نشرية «المسلم» سنة 1971 التي كانت تُصدرها جمعية الطلبة الإسلاميين في فرنسا (AEIF) وندّد بأصوليتهما لتكفيرهما المجتمعات الإسلامية باسم مفهوم خاطئ للجاهلية طبّقاه على الإسلام المعاصر.
رد فعل الإخوان
لم تتردّد جماعة الإخوان في شنّ حملة عنيفة للتصدي لأفكار بالنبي، متذرعة بعلاقاته المتميزة بالحكومة المصرية، وهي لم تغفر له أنّ كتابه «الإفريقية–الآسيوية» قد نشر بعناية الحكومة المصرية وأنّ أحد الضباط الأحرار، وهو كمال الدين حسين، الذي كان يفخر بصلته الفكرية مع بالنبي، وهو الذي تولّى إدارة حوار حول الكتاب، لعدّة أسابيع في الإذاعة المصرية سنة 1961 غير أنّ حملتهم لم تزد الكاتب إلا إصرارا على نقدهم، معتبرا أنّ فعلهم هو من تأثير الأيدي الآثمة الإمبريالية الأمريكية. وصحيح أنّ القمع الذي تعرّض له الإخوان وكذلك عداءهم للقومية العربية وللشيوعية، قد دفعهم للتحالف مع أكثر الأنظمة العربية محافظة وكذلك مع الولايات المتحدة.
وهو التحالف الذي يرفضه بالنبي ويعتبر الإخوان فيه «كأحد الأذرع للنظام الإمبريالي الذي يريد الإبقاء على الهيمنة على العالم الإسلامي».
في ورقة بتاريخ 1 سبتمبر 1969، كتب مالك بالنبي «الحملة ضد أفكاري على أشدّها في الوسط الطلابي الإسلامي في ألمانيا الغربية. ويبدو أنّ كامل جهاز الإخوان قد وُظّف بقوّة من قِبل المخابرات الأمريكية والصهيونية في الصراع الأيديولوجي…».
ثم تجاوزت الحملة حدود ألمانيا إلى فرنسا وتحديدا داخل جمعية الطلبة الإسلاميين بفرنسا (AEIF). ويذكر الصادق سلام في كتابه «فرنسا ومسلموها» أنّ بالنبي التقى بشر الجابري، أحد أعضاء هذه الجمعية واتفق معه على إعادة نشر كتابه «وجهة العالم الإسلامي» وكان ذلك في جويلية 1970 والجمعية متفتحة لأفكار بالنبي.
غير أنّ الجمعية اختارت بعد أربع سنوات (1974) نشر كتاب «الظاهرة القرآنية» وتجنّبت نشر كتاب «ناقد الثرثرة والسطحية التي عليها الحركات الإسلامية المعاصرة الرافضة للنقد الذاتي والتي ترى في تلاوة القران هروبا يسمح بتجاهل أزمات العالم الإسلامي».
وما لم يذكره الصادق سلام هو أنّ الهيئة الإدارية لتلك الجمعية قد تغيّرت في تلك المرحلة 1974 حيث تسرّب إليها بعض الطلبة من الفرع التونسي للإخوان وخرجوا بها عن قانونها الأساسي النابذ للسياسة (ملاحظة المترجم).
في المقدمة التي كتبها (1970) للطبعة الجديدة (التي لم تظهر إلا بعد وفاته) للكتاب «وجهة العالم الإسلامي» وضّح بالنبي انتقاداته ومآخذه على جماعة الإخوان وتطوراتها وغرقها في متاهات السياسة الساسوية أو البوليتيك كما يسميها، وهو الأمر الذي أحدث شرخا نهائيا بين قواعد إسلامية وفيّة للمثل وقيادة متورّطة في تحالفات لا شيء يبرّرها.
وقد جاء فيها: «من الحركات التي حاولت خلال العقود الأخيرة تجاوز المنحدر المحتم هناك، بلا منازع، حركة حسن البنا… لو هو استطاع تحصين أتباعه فكريا من الغرق في "البوليتيك" غير أنّ هذا الأمر هو الآن من تحصيل الحاصل وتظهر نتائجه في الشرخ الاجتماعي والأخلاقي الذي يشقّ الحركة، حيث هناك قواعد حاملة لكل الوعود الأصلية، ومستعدّة لكل التضحيات من أجل تحقيق مُثُلها، من جهة، ومن جهة أخرى نخبة كمبرادورية متمعّشة في الفنادق الفاخرة في عواصم العالم ومستعدة للتوظيف في عمليات اغتصاب الضمائر».
وقد حلّل بالنبي الصراعات الداخلية في الجماعة وأدان كلا التيارين – الجناحين – البارزين، لأنهما لم ينتهيا في رأيه، إلا بخيانة المُثل التي يعلنانها والانبطاح في العمالة. ويضيف: «يوجد اليوم على طرفي مشهد النخبة المتحللة، جناح تقدّمي يلطخ بالشتائم جناحا محافظا يرد على خصمه بالتفكير. وبما أنّ كل إفراط منهك للضمير، فمن الواضح أنّ كل هذه التيارات معرّضة للابتلاع في القنوات الموصلة لدوامات التروتسكية وطواحين الامبريالية».
هذا النقد الكاسح لمالك بالنبي في آخر عهده، هو أيضا لرجل ظلّ يكتب طيلة عشرين سنة عن حركة التجديد الإسلامي عموما وعن الإخوان المسلمين خصوصا. وهو رجل عايش وحاور الإخوان كما حاور معارضيهم. وإذا كان نقده بهذه الحدة فلأنه صاحب تجربة شخصية ومقاربة فكرية صارمة لا ترحم.
التعددية وروح النقد
الروح النقدية التي رأى بها بالنبي جماعة الإخوان، هي تجسيد للحوارات والمعارضات القائمة داخل حركة التجديد الإسلامي المعاصرة والتي لا تمثّل وحدة صماء. ونرى أنّ تقديمنا لهذه المناظرات والاختلافات والمعارضات، من شأنه أن يساهم في دحض النظرة «التوحيدية» لحركة التجديد هذه. وتعتبر هذه النظرة التوحيدية نقطة التقاء «غير محتمل» بين بعض الناشطين المسلمين الذين يريدون إسكات الخلافات ويدعون لرفض الحوار الداخلي في الإسلام، باسم ضرورة الوحدة داخل المجموعة الإسلامية، من جهة، ومن جهة أخرى، بين بعض المحلّلين الغربيين الذين يقدّمون حركة التجديد الإسلامي في شكل كيان موحّد وأصم، دون فهم أو اعتبار للتيارات التي تشقّه بما فيها من حوارات واختلافات. ويمكن لواقع التعدّدية داخل حركة التجديد الإسلامي، أن يقدّم كثيرا من مجالات البحث والتفكير.
وعلى الرغم من اعتراض بالنبي على محاولة التوفيق بين فكره وفكر سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، فإنّ كثيرا من الحركات والمثقفين (5) داخل حركة التجديد الإسلامي، كرعوا من معين هؤلاء الكتاب لبناء قاعدتهم الفكرية. وفي السنوات الأخيرة، وصل الأمر ببعض نشطاء الإخوان المسلمين وحتى ببعض المنظمات التابعة لهم، بتبني أفكار مالك بالنبي بالرغم من انتقاداته لحركتهم.
على أنّ الخلاف يبقى حادا في بلد كالجزائر، بين أتباع بالنبي وجماعة الإخوان، بناء على مواقف جاءت بعد وفاة مؤلف «وجهة العالم الإسلامي».
وأخيرا، لا بد من الإشارة إلى أنّ مالك بالنبي لم يحلّل ويدرس جماعة الإخوان بصفة الباحث المتخصّص في دراسة هذه المنظمة، وإنما درسها كمثقف مسلم يفكّر في المجتمع المسلم وفي العالم المحيط به. وقد أراد لنفسه أن يكون «شاهد قرن». بكل ما تحمل هذه العبارة من قوّة وعمق في المنظور الإسلامي. لذلك وجب وضع تحاليل مالك بالنبي للإخوان ضمن تحاليله الجملية للظواهر الكبرى. ونذكر أنّ الرجل لم يدرس بالتفصيل هذه المنظمة وتطورها التاريخي ومختلف التيارات التي تشكلها (ما عدى الإشارات التي تضمّنتها مقدمته للطبعة الجديدة لكتابه «وجهة العالم الإسلامي») وهو لم يدرس التنظيمات الوطنية التي تولّدت عن الجماعة الأصلية وكيفية تأقلمها مع خصوصيات البلد (سوريا والأردن مثلا). كما أنه لم يدرس القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها هذه الجماعة. ويمكن لكل هذه التحاليل أن تساهم في تعميق النظرة النقدية التي قدّمها بالنبي وكذلك فتح آفاق جديدة للتحليل.
6 أكتوبر 2010

هوامش:
1― يوسف جرارد هو باحث فرنسي من مواليد 1981 حصل على الدكتوراه في التاريخ في جوان/ حزيران 2010 كان موضوع أطروحته: القومية الثورية والتمدين السياسي، حالة حزب الشعب الجزائري/ حركة انتصار الحريات الديمقراطية في ولاية الجزائر سابقا فيما بين 1943 / 1954. و قد نشر الكاتب في السنوات الأخيرة عديد المقالات والبحوث تناولت شخصيات فكرية وتيارات سياسية ساهمت في التصدي للمد الاستعماري ومقاومة حضوره. وبالتوازي مع عمله العلمي ينشط يوسف جرارد في التيار المساند للقضية الفلسطينية والمدعم لقضايا الشعوب الواقعة تحت الاستعمار والامبريالية وهو إلى جانب ذلك طرف جاد في الحوارات الدائرة جول الإسلام في فرنسا. ويعتزم الكاتب توجيه أبحاثه مستقبلا لفكر مالك بالنبي ولإشكاليات « الهوية: الخصوصية والاندماج » التي واكبت الحركة الوطنية الجزائرية.
2― استشهد الكاتب في هذا المقال بأربعين (40) مرجع، كلها بالفرنسية، وقد جاءت هذه المراجع في أربع صفحات كاملة. وقد ارتأى المترجم، في هذه الصياغة أو الترجمة الأولى على الأقل. أن لا يذكر المراجع، إلا قليلا منها، تخفيفا على القارئ. وهذا أحد أوجه التصرف الذي توخاه في ترجمة هذا المقال. أما الوجه الثاني فيتمثل في تلخيص بعض الفقرات الطويلة من النص الفرنسي والتي وصف فيها الكاتب معاناة بالنبي وألوان العداء الذي تعرّض له من طرف السلطات الاستعمارية وأذيالها، جراء كتاباته عن الإخوان، في مطلع سنوات 1940.
3― تعرفت على مالك بالنبي في أكتوبر 1964، بعد يومين أو ثلاثة من تعرفي على رشيد بن عيسى. وهذا الأخير هو الذي دعاني لحضور الندوات الأسبوعية التي كان بالنبي ينظمها في بيته، بعد ظهر كل سبت. وقد حضرت هذه الندوات بانتظام حتى بداية شهر ماي 1965، تاريخ مغادرتي الجزائر. غير أنني بقيت على اتصال بالمعلم إلى حد أشهر قليلة قبل وفاته في سنة 1973. كان قد كلفني وقتها بإعادة نشر كتابه «وجهة العالم الإسلامي» وبعث لي بورقات حدد لي موضع إضافتها. لم يتيسر لي إنجاز المشروع للأسف الشديد. ما تعلمته في حلقة يوم السبت، التي كانت تضم ستة أشخاص على الأكثر، سأذكرهم في مكان آخر، وما تعلمته من خلال قراءة مؤلفاته وأكثر الأدب الذي كتب حولها، يمثل الجزء الأهم من الزاد الفكري الذي أضاء لي الطريق خلال هذه العقود. رحم الله مالك بالنبي فقد كان وسيظل صرحا للفكر الإسلامي السليم والمتنور ومفكرا صارما.
4― للإشارة، يذكر هذا الوضع، في كثير من ملامحه، بالوضع الذي عرفته الجماعة الإسلامية- حركة الاتجاه الإسلامي- النهضة- في تونس، فيما بين نشأتها، السرية، بداية السبعينات من القرن الماضي وحتى سنة 1991، عندما انكشفت خطتها الانقلابية الثانية، المسماة، مجازا، بخطة فرض الحريات. فعلى طول هذه الفترة وعلى الرغم من محاكمة صيف 1981، ثم محاكمة 1987 وانكشاف «القضية الأمنية» وهي المحاولة الانقلابية الأولى لهذه الحركة، وعلى الرغم من فشلها في الحصول على الاعتراف القانوني. ظلت هذه الحركة تنشط علنا وتتحرك جهرا في المجتمع وفي الساحة السياسية، وتصدر البيانات ويعطي زعماءها التصريحات والأحاديث الصحفية، بل أكثر من ذلك، فقد وقع الاعتراف بإتحاد طلابي تابع لها وشاركت بشكل غير مباشر في التوقيع على الميثاق الوطني (1988) ومنحت ترخيصا لجريدة أسبوعية وظل الكثير من قادتها يخطبون ويؤمنون الناس في المساجد الرسمية ولم تغب إلا عن الميدان الاجتماعي لأنها لم تستثمر فيها أبدا.
5― كثير من الحركات والشخصيات اعتبرت مالك بالنبي وفكره المرجعية الوحيدة أو أحد مرجعياتها، منها: حزب التجديد الجزائري الذي أسسه نور الدين بوكروح سنة 1989 وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وحركة النهضة في تونس.

أدلّة وصول الإنسان إلى القمر...... الدكتور نضال فسوم

السبت، 13 فبراير 2016

معرفة الله بين العقلانية والربانية

العباد كلهم لهم معرفة بربهم على قدر مراتبهم؛ وبسبب هذه المعرفة ينشأ الاختلاف بينهم في الحق. والاختلاف لا يمكن رفعه في الدنيا، لأنه لا يتمكن العبد أن يخرج عن عقيدته إلى عقيدة غيرها؛ إلا إذا كان من أهل الإطلاق. وأغلب الناس ليسوا منهم.
       والسبب في كون العقيدة مقيدة أو مطلقة، هو أن العقيدة المقيدة تكون عقلية؛ والعقل في اللغة هو القيد نفسه. فكيف يخرج مقيد عن قيده؟! هذا لا يكون أبدا! أما العقيدة المطلقة، فهي بالله؛ بمعنى أنها غير مقيدة بالعقل، ولا كانت نتيجة له. وهذا المعنى لا يعلمه إلا من ذاقه، لأن العقل لا يتصور ما هو خارج عنه.
       والاختلاف الذي يكون بين العقائد المختلفة، يكون سببه اختلاف العقول المدرِكة. فلو مثّلنا العقول أواني، ومثلنا المدرَك سائلا، فإن السائل يتخذ شكل الإناء الذي يُصبّ فيه؛ فإن كان مستديرا يظهر مستديرا، وإن كان مستطيلا يظهر مستطيلا، وهكذا... من هنا لما سئل الجنيد عن العارف قال: لون الماء لون إنائه. نعني أن هذا المعنى مما يحتمله قول الجنيد؛ وإلا فله محامل أخرى أعلى من هذا.
       ولنضرب مثلا آخر مفترضا في العقائد المختلفة، ولنقُل: خذ نملة مع فيل. واطلب من النملة أن تنظر إلى الفيل وتصفه لك. والنظر هنا إدراك يشبه إدراك العقل للمعقولات. فهل تستطيع النملة أن تحيط بالفيل من حيث الإبصار حتى تصفه لك؟ كلا! ثم أحضر عدة نملات، وضع كل واحدة منها على جزء من الفيل، وأعلمهن أنه الفيل، واسألهن أن يصفن ما يرين. فستجد كل نملة تنعت الفيل بما تدرك من الجزء التي هي عليه. فقد تصادف أخدودا من أخاديد جلد الفيل، فتقول لك: الفيل وادٍ طويل منعرج؛ وقد تكون على الخرطوم، فتقول لك: الفيل جبل شديد الانحدار؛ وقد تكون على ظهره، فتقول: الفيل أرض واسعة قاحلة يتوسطها جبل طويل. وهكذا...
       ثم اجمع النملات، واسألهن عن الفيل، وانظر ما سيحدث. ستجدهن يدخلن في خصومات فيما بينهن من أجل إثبات عقائدهن في الفيل. وجميعهن صادقات فيما يخبرن به مما يخصهن؛ لكنهن جميعا جاهلات بالفيل الذي تعرف أنت.
       هذا المثل، يوضح لنا اختلاف العقائد الجزئية بين مختلف المذاهب؛ بل بين مختلف الأشخاص لو دققت. وانظر بعد ذلك، إن كان إدراك مخلوق لمخلوق ينتج عنه هذا الاختلاف، فكيف يكون اختلاف المخلوقين في الحق الذي لا يحيط به عقل سبحانه؟!
       أما معرفة العارفين التي نتكلم عنها، فهي معرفةٌ للحق بالحق؛ لذلك هي مطلقة. ولذلك هم يعلمون الحق الذي مع كل طائفة من أهل العقائد، ويعلمون القصور الذي عندهم. بسبب هذا تجد العارفين يسعون كل العقائد، وتجد أهل العقائد منكرين على العارفين.
       فإن قلت: هذا يكون مع العقل المجرد، لا مع العقل السامع من الوحي!قلنا: لنعد إلى المثل المضروب، وضع النملات حيث كانت على الفيل، ثم أخبر كل واحدة عن مكانها؛ فتقول للتي على الخرطوم أنت على خرطوم الفيل، وتقول للتي على الظهر أنت على ظهره، وهكذا... فهذا نظير السمع من الناس لما يأتي به الرسل من عند الله. ولنفترض أن النملات قد حدث عندها إيمان بما أُخبرت، حتى أنك إن سألت التي على الخرطوم تقول لك: أنا على الخرطوم، وإن سألت التي على الظهر قالت: أنا على ظهر الفيل. فهذا نظير الإيمان الذي يحدث عند العباد بصفات الله وأسمائه من الوحي. لكن، هل ترى أنت أن النملات عرفت الفيل كما ينبغي؟! كلا!
       لذلك نقول إن العقل يقيد السمع أيضا (النص)، فلا يفهمه إلا ضمن قيده؛ وهذا عينه سبب اختلاف الفهوم في النص الواحد، رغم الإجماع على التصديق به أنه من عند الله.
       أما العارفون فهم يسمعون من الله بالله، لذلك يعلمون من النصوص ما لا يعلمه غيرهم. وهم أيضا متفاوتون في هذا بين عارف وأعرف. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

المصدر   http://www.alomariya.org/chobahmonkirin_suite.php?id=8

لقاء تاريخي بين الكاثوليك والارثوذوكس بعد نحو 1000 عام من القطيعة .... متى يتصالح السنة والشيعة ???

وصل البابا فرانسيس بابا الفاتيكان وكاثوليك العالم الى عاصمة كوبا هافانا لعقد اجتماع تاريخي مع بطريرك موسكو وعموم روسيا و ارثوذوكس الشرق. وهو اول لقاء بين الكنيستين منذ انفصالهما قبل 960 عام.


موضوع اللقاء التاريخي هذا الاضطهاد الذي يتعرض له الكاثوليك والارثذوكس على السواء في الشرق الاوسط من قبل جماعات اسلامية متطرفة .


داعش والقاعدة و توابعهما من القتلة وحدت الصف المسيحيى من اجل مواجهة مشتركة للخطر. وسيدرس الاجتماع الاعدامات والتجهير والتنكيل والتضييق على ممارسة الشعائر وما اليها مما يعانيه المسيحيون خاصة في سوريا والعراق وباقي الدول التي يتواجدون بها كأقليات.
وسيوقع الجانبان بيانا طويلا يتضمن خاصة توسيع العمل المشترك ليكون حاضرا في كل مكان بشكل تضامن وتعاون بين اتباع الكنيستين كي لا يكون الاجتماع مناسبة معزولة.
وساهم الرئيس الكوبي راؤول كاسترو بشكل واضح في تحقيق التقارب بين الكنيستين كما يساهم خلال تواجد الرجلين على ارضه في ازالة كل العقبات بكونه يقف على مسافة واحدة من الطائفتين.
وسيوقع الجانبان بيانا طويلا يتضمن خاصة توسيع العمل المشترك ليكون حاضرا في كل مكان بشكل تضامن وتعاون بين اتباع الكنيستين كي لا يكون الاجتماع مناسبة معزولة.وساهم الرئيس الكوبي راؤول كاسترو بشكل واضح في تحقيق التقارب بين الكنيستين كما يساهم خلال تواجد الرجلين على ارضه في ازالة كل العقبات بكونه يقف على مسافة واحدة من الطائفتين.


المصدر الاعلامي ناصر الدين

حرب المضايق .. محمد الهامي

منذ نشبت الحرب على إيران، تجددت في نفوس الناس آلامٌ مكبوتة، أبرزها في باب الحرب: قيمة مضيق هرمز، وأبرزها في باب السياسة: تشبث المفاوض الإيرا...